Sudanile-Logo-SQ

بخيت منديل …. “المهدي المنتظر”

hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
في رواية “شوق الدرويش” للكاتب السوداني حمور زيادة، نحن لسنا أمام مجرد سرد تاريخي لسقوط الدولة المهدية في السودان، بل نحن أمام عملية تشريح لروح الإنسان حين تضيع بين “مقدسات” الأرض والسماء. وفي قلب هذا التشريح، يقف بخيت منديل؛ العبد الذي حرره السجن، والأسر الذي كبله العشق.
بينما كان الناس في “البقعة” (أم درمان) ينتظرون الخلاص على يد “المهدي المنتظر” للقضاء على ظلم الأتراك، كان لبخيت منديل مهديه الخاص. بالنسبة لبخيت، لم تكن الجنة هي تلك التي وعد بها المنشور المهدي، ولم يكن الجحيم هو نيران المدافع الإنجليزية. كانت جنته هي “ثيودورا” (حواء)، وكان جحيمه هو غيابها.
لقد قلب بخيت الآية؛ ففي الوقت الذي كان فيه “الدراويش” يندفعون نحو الموت شوقاً للقاء الله والمهدي، كان بخيت يندفع نحو الموت شوقاً للقاء امرأة قتلتها أيديولوجيا “الطهر” المزعومة. هنا، يتحول بخيت إلى “مهدي مضاد”؛ مخلص لا يسعى لتحرير أرض، بل لتطهير ذاكرة مُعذبة بالدم والدموع.
عندما خرج بخيت من سجن “الساير” عام 1898، لم يخرج ليبحث عن الحرية التي جلبها الغزاة، بل خرج ليتمم نبوءته الخاصة. كانت قائمته المكونة من ستة أشخاص هي “كتابه المقدّس”، وقتلهم كان الصلاة الوحيدة التي يؤمن بها.
إن مفارقة الاسم (بخيت) الذي يوحي بالحظ، تتصادم مع واقع شخصية لم تذق من الحظ سوى مرارة العبودية. لكن “منديل” -الاسم الآخر- يظل هو الأكثر تعبيراً؛ فهو المنديل الذي يمسح به التاريخ أخطاءه، وهو الشخص الذي امتص صدمات التحولات السياسية الكبرى ليبقى في النهاية وحيداً مع ثأره.
تطرح الرواية سؤالاً موجعاً: هل كان بخيت درويشاً؟
نعم، لقد كان درويشاً في محراب “الفقد”. فالدرويش هو من وهب حياته لشيء يتجاوزه، وبخيت وهب حياته لسراب حواء. في مشهده الأخير، يكتشف بخيت -ومعه القارئ- أن الإيمان الأعمى بالبشر كذبة وأنه الطريق الأقصر للهلاك. وكأن لسان حال الرواية يقول: “احذر الإيمان يا ولدي، فمنه ما يقتل كالكفر”.
بخيت منديل ليس مجرد شخصية ورقية، إنه صرخة كل إنسان وجد نفسه ضحية لصراعات كبرى لا يفهمها. هو “المهدي المنتظر” لآلامه الخاصة، الذي جاء ليقول إن الحب قد يكون ديناً، وأن الانتقام قد يكون وسيلة للخلاص، لكن في النهاية، الكل يمضي ويبقى “الشوق” هو السيد الوحيد في هذه البلاد.

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

عادل القصاص… لهذا الصمت صليل غيابك

hishamissa.issa50@gmail.comبقلم: هشام الحلوفي ثمانينيات القرن الماضي، كان المشهد الثقافي السوداني يغلي بتحولات كبرى؛ وبينما كان …