بداية التاريخ السوداني

وقفات (4)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
بداية التاريخ السوداني
ويتدخل هنا المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد (1996)، ليدلي بالآتي.. عندما أضحت سلطة المهدية على أطراف نهاياتها، وكانت قد كرست، عبر زمانها أو بالتحديد عبر عقد من الزمان مع قليل من الزيادة، الممارسات الإقليمية والقبلية بما لم يعتاد عليه تاريخ السودان من قبل، وصار الشرخ والتشظي واضحاً بين أبناء النيل أو البحر وأولاد الغرب من ناحية إقليمية، ومن ناحية قبلية بين أولاد الغرب أنفسهم. وسادت هذه التجزئة المركبة كل المستويات. ولم يستثنى من ذلك كردفان التي أرادها الخليفة عبد الله منطقة دعم واسناد له، وفشل في السيطرة عليها الا باستخدام سياسة “فرق تسد”، بضرب القبائل بعضها ببعض، وحتى هذه السياسة وجدت الفشل الذريع.
وبالرغم من كل هذا التراكم التاريخي الحافل بشتى أشكال المآسي والتمزق الذي يتكئ على أكثر الإطارات الفكرية جهلاً وتخلفاً في الواقع، يظهر من يرغب ويريد أن يبث روحاً جديدة حية في جسد ميت يوشك أن يتعفن، محاولاً تلبيس هذا العهد، الذي تحدد بأيدولوجيات تاريخية عتيقة مندثرة، مفهومات حديثة، مخالفة لكل وقائعها التي تنبض بصراعات غير متكافئة بين أطر حضرية مهيضة الجناح منهزمة، وأطر بدوية متخلفة فارضه سيطرتها وهيمنتها على أرضية أو على نهج فردي-قبلي.
وكانت قد فشلت الدعوة المهدوية في التمدد في آفاق بعيدة خارج محيطها السوداني، ليس لأنها فشلت عسكرياً في الفتح، ولكن، لأنها كانت عاجزة وغير قادرة على الاستحواذ، في السودان ذاته، على التركيبات الاجتماعية-الفكرية الأكثر تقدماً والأكثر تطوراً منها، فكيف يُكتب لها النجاح والفلاح في سعيها بمفاهيمها تلك الي اركان والي أجزاء العالم الإسلامي كمصر وكتركيا، فهذه البلدان كانت تتمتع أو ترتاح في مرحلة “فكر النهضة” بكل مؤثراته الحضارية الكونية الأوربية، والتي تتجاوز السقف الفكري للتكوينات وللأطر السودانية الأكثر تقدماً وتطوراً؟! ويكفينا هنا النصيحة التي قدمها “محمد خالد زغل” للخليفة عبد الله التعايشي عندما قرر أن يرسل وفداً الي مصر، حيث أشار عليه بعدم التورط في مثل هكذا أمر.
وقد كان من الأجدى أن يتم معالجة الظاهرة المهدية من ناحية الفكر، ومن ناحية الممارسة في محيط ظرفها التاريخي المحدود كظاهرة سودانية، محددة بعناصر وبعوامل محلية جداً، وذلك بحكم بيئة النشوء، وكتعبير عن انعكاسات العزلة الحضارية السودانية. ولم تنجح أو لم تستطيع المهدية، والتي اتخذت من الغرب، أي غرب البلاد، مركزاً لها، الا أن تتقيد بشروطه الاجتماعية وتلك الفكرية، لأنه كان الواقع المناسب لها، والذي كان يشكل مجالاً خصباً خصيباً لنموها.
وقد برهنت الأزمات التي طفحت على السطح، حين تم أسقاط هذا الواقع ذاته على واقع آخر إقليمي لا يشبهه، وله شروطه التكوينية، اجتماعياً وفكرياً واقتصادياً، المتباينة والمختلفة، وله كذلك طموحاته وله تطلعاته الجهوية المختلفة. وتم ذلك الاسقاط الغربي غير المنطقي على البحري أو على النيلي ضمن حالات وأوضاع تاريخية لم تكن فكرة التعريف والتحديد الوطني قد تشكلت بصورة جلية وواضحة بعد.
وفي ذات اللحظة، نلاحظ أن الغرب (غرب السودان) قد أسقط ذاته على النيل بشكل عشوائي غير مستحوذ عليه، ورغب في اسقاط نفسه على واقع كان أكثر تقدماً منه. فاذا كان الغرب قد سيطر على النيل كنتيجة لسياسة (الاخلاء) التي تم إعلانها قبل وصول المهدي الي الخرطوم، فان الواقع الذي كان أكثر تطوراً وأكثر تقدماً لم يكن في وضع يسمح للمهدية السيطرة عليه، بل هذا الواقع هو الذي استحوذ على المهدية، وهو الذي سيطر عليها في نهاية المطاف.
والذين يجهدون أنفسهم في الكتابة عن البعث الجديد للفكر المهدوي، ويؤطرونه بمنطق ولغة الحداثة، لا أحد يدري ماذا كانوا سيخطون، وماذا كانوا سيكتبون إذا كتب الله النصر لمهدي الله “ابن شجرة الجميزة” أو اذا أفلح نبي الله عيسى البرقاوي، فالأول اعتمد على اخباريات من سيد الوجود، والثاني لم يختلف في الاعتماد مع الأول، وكلاهما كان سيتوجه بدعوته، مهدية أو عيسوية، الي عالم المسلمين فاتحاً ومحرراً.
ولقد نجحت تراثية الفكر الإسلامي، المتأصلة في الأرجاء النيلية وعند تجمعات الصوفية أو الصوفيين ومراكزهم، أن توازن بصورة نسبية بين الانكشاف الذاتي على الحقيقة من خلال المجاهدة والأصول الموضوعية للفقه السني. فهي عبارة عن “صوفية-سنية” لا نصية ولا هي سلفية، فهي لا توصف بأنها اتباعية، ولا يشار اليها بأنها ابتداعية في نفس الوقت، ولقد كان لأسلوب الحوارات الصوفية فيما بينهم، وبينهم وبين العلماء السلفيين، ولإيمانهم بالمذاهب الأصولية أثره الكبير في رؤيتهم، أي في رؤياهم الصوفية ضمن هذا الإطار أو ضمن تلك الحدود.
غير ان الفكر المهدوي والمهدية نفسها لم تعتمد الا على طرف من هذا التراث المذكور آنفاً، وفي الحدود التي تمنحها حرية الكشف الذاتي. ونسبة لذلك لم تكن تعبر المهدية عن تراثية الفكر الديني في الأرجاء النيلية أو في هذه المنطقة النيلية، ولكنها كانت فقط تداعب وتلامس أطراف الكشفية والتأملية، ولهذا السبب، وليس لأي سبب آخر، كان عليها البحث عن إطار ذهني يتناغم وينسجم وتمثلاتها الخاصة، وكان هذا الملاذ هو الغرب أي غرب البلاد، المكان الذي خُلق فيه مهدي شجرة الجميزة، ونبي الله عيسى البرقاوي، وحيث يتصل خليفة المهدي عبد الله ود تورشين يومياً بنبي الله الخضر.
والغريبة لم يعرف في مسيرة القدرة تلك أو في تاريخها عند المتصوفة في السودان أمثال ادريس ود الأرباب وبعض المراغنة وعبيد ود بدر شيئاً شبيهاً كمثل هذه المكاشفات المهدوية أو العيسوية مع علمهم الكامل بآثار الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي وتبنيهم لأفكاره، تلك الأفكار التي مضت بعيداً في “فصوص الحكم” لدرجة فاقت ما فهموه عنه في “الفتوحات المكية”، ولكن، الكثير من أشعارهم، والكثير من مدائحهم، تشهد لهم بالفهم الواسع والعميق لشيخ الصوفيين والمتصوفة، حيث تراضوا وتوافقوا فيما بينهم على أهمية قراءته (بإذن وعلى يد شيخ مستوعب).
وهكذا بقي الفكر الديني الصوفي أو هكذا وضعوه بين اللا-اتباعية السلفية وبين اللا-ابتداعية الكشفية، وهذا في الحقيقة هو حقيقة أو هو طبيعة أو هو جوهر التصوف كما يعرفه ويدركه أهله وناسه. ولم يكن الفكر المهدوي جزءاً أصيلاً من هذا الفكر الصوفي، لأنه كان يكفر من لم يؤمن به أي من لم يؤمن في الفكر المهدوي، ولهذا السبب وجد القبول ووجد له آذان صاغية في غرب السودان وليس في النيل. ولا يعيب هذا الغرب، انه بسبب عزلته وبعده عن مراكز الحضارة المتقدمة وأيضاً بحكم أحواله الاقتصادية-الاجتماعية-الفكرية، أن يكون في موقف وفي وضع أكثر تخلفاً من غيره.
فأهل النيل القاطنين حوله لم ينالوا هذه المكانة الأكثر تطوراً نسبياً، والأكثر تقدماًً نسبياً، بسبب عرقهم الأزرق أو كنتيجةً لتفوقهم الذاتي، ولكن كان السبب هو موقعهم الجغرافي، وكنتيجةً، أيضاً، لحياتهم المستقرة على شواطئ النيل وعلى ضفافه، وكذلك تقلبهم خلال الحضارات من زمن “كوش“، مما رسخت ورسبت في قاعهم العقلي والنفسي خبرات حضارية أكثر ترسخاً وأشد تجذراً.
ويجتهد البعض في مصادرة الحاضر باسم ذلك الماضي، محاولاً بكل جد وجدية، توليد هذا الماضي السالف في الحاضر الماثل، وإعادة غرسه وزرعه لأغراض سياسية ظاهرة. ومثل هذا المنطق يعتبر منطق وراثي -عائلي وأيضاً وراثي-. فلكي يكون ذلك كذلك، كان لا بد من لوي عنق الحقيقة، وأن يُسجن الحاضر في زنازين تراثية مزيفة، وهذا ما كان يريده البعض، وما زال يريده البعض الآخر، أي أن ننظر الي تلك الحقبة من خلال الارث الأسري التراثي لها، وأن نختار من المهدية ودولتها وليس من الفونج والعبدلاب البداية الحقيقية الصحيحة لتاريخ هذا البلد “السودان” المعاصر.
فتاريخ هذا البلد لا يمكن أن نقرأه في حقبة لم يتجاوز عمرها العشر سنوات ونخطه في عشر أسطر، ونعالج تجربته كلحظة فارقة في مسارنا الجدلي التاريخي الطويل، ونلغي ما سبقها من حقب، ونبدأ عندها التاريخ ونسقطه عنوة على الحاضر المسكين. ويكون التاريخ هو الماضي الذي بدأ عند هذه الحقبة، والحاضر هو أعادة الماضي المذكور وتوليده فيه.
وعن العهد الفونجي، والذي معه ظهرت في السودان، ولأول مرة في تاريخه، ما يسمى بنظم الحكم والإدارة، وأيضاً، شهد قيام أول دولة قومية مركزية في السودان، بمقاييس ذلك الزمان، يحدثنا الكاتب صلاح محي الدين (1995) قائلاً، وكان هذا العهد، عهد مملكة الفونج، بمثابة نقلة كبيرة في تاريخ هذا البلد، وكان تتويجاً لحقبة طويلة العمر في نظم الإدارة والحكم، فقد شاهد الجميع خلال تلك الحقب التاريخية في سلسلة البناء والتشكل القومي لشعبنا السوداني، كيف أن هياكل الإدارة ونظمها كانت، وبصورة مستمرة، احتواءً عقلانياً ومنطقياً لنوعية المحتوي في المفاهيم وفي المرحلة التاريخية الاجتماعية التي تحياها الجماعة، ولهذا السبب فان هذه الهياكل كانت تشيخ وكانت تذوي وكانت تسقط كثوب الشرنقة، كل ما همت، الجماعة ونظمها الاجتماعية وروابطها الاقتصادية والمعيشية، دخول حقبة تاريخية حضارية جديدة أو أجد.
تسقط وتنزوي الهياكل العجفاء، بسبب ثورة أو بسبب حرب أو بسبب اضمحلال أو بسبب فتن، في الغياب الأبدي، لأنها صارت غير مناسبة، ولم تعد هي اللباس الخارجي الملائم لاستحواذ العلاقات التاريخية الجديدة ولاحتوائها، فيجب عليها أن تغادر، ويجب عليها أن تتيح المجال للهيكل الشاب الجديد الحديث، الذي يتمتع بالمقدرة وبالقدرة على التعبير الحقيقي عن المضمون الجديد.
وأيضاً، علينا أن نستوعب تحركات الجماعات وتخلقاتهم عبر الحقب التاريخية في السعي الدؤوب نحو الأفضل ونحو الأمثل ونحو الأكمل والكمال لله وحده جل جلاله.
وهكذا كان الوضع في هذا البلد، أوائل القرن السادس عشر الميلادي (1504م)، عندما قويت كثيراً أسباب الوحدة وعوامل التلاحم بين أبناء الوطن الواحد، فقد تطورت بشكل ملحوظ نظم الزراعة النيلية، وانتعشت أدوات التبادل السلعي والخزفي والتجاري، وقامت المدن والقرى العملاقة، وظهرت طبقة التجار والحرفيين، وبدأ تبادل المصالح فيما بينهم على نطاق واسع داخل الدولة أو داخل البلد، واشتد التمازج والتقارب، ونمت وقويت سمات وأمارات بروز القومية السودانية الملتحمة للوجود الكوني.
وتم، في عام 1504م، للتحالف الاتحادي الذي كان بين قبائل القواسمة بقيادة الشيخ عبد الله جماع وقبائل الفونح بقيادة الملك عمارة دنقس، قيام أول دولة مركزية موحدة في قلب السودان، والتي اختير لها سنار لتكون عاصمتها. وضمت هذه الدولة كل أقاليم وسط السودان، وتمددت شمالاً وغرباً وشرقاً حتى الحدود الحبشية، وشهد لها الجميع بأنها كانت بحق دولة سودانية فتية، هزمت، في حقبة الملك بادي أبي شلوخ، قوات الغزو الحبشي في زمن امبراطورهم أياسو، كما جذبت أقاليم المسبعات في كردفان الي حظيرة الدولة الواحدة الموحدة، ونجحت بفضل ذلك من دفع عناصر التمازج القومي، وفي توسع نطاق التبادل التجاري والزراعي والحرفي داخل البلاد، ومع الأقطار المجاورة، فتوسع العمران وظهرت وتأكدت ملامح الدولة السودانية، واستمرت الدولة في ازدهارها لأكثر من ثلاث قرون.
ثم فعل الزمن فعله، ومعه عوامله التاريخية، فتطورت المرحلة الاجتماعية الحضارية وتقدمت، ومن ثم قامت روابط ذات مضامين أجد وأحدث، ما كان لهيكل الدولة أن يستوعبها، وقاد ذلك الي كثير من الفتن ومن الصراعات ومن النزاعات، كان نتيجته هزال وتضعضع نفوذ الدوائر الحكومية أو الحاكمة، فانتشر الوهن وفشلت الفئات الداخلية المتناحرة في فك شفرته مما شجع الدول الأجنبية، المتحفزة لاستعماره، للحركة باتجاهه.
ولكننا في السطور القليلة القادمات، نجد أبو القاسم حاج حمد (1996)، يختلف قليلاً، أو كثيراً، وليس كثيراً، مع ما سطره محي الدين في سطوره السابقات، حيث نراه وهو يقول، على الرغم من أن اهل مملكة الفونج (1504-1821م)، كانوا مسيطرين وكانوا باسطين نفوذهم على العبدلاب، وعلى رعاياهم العرب، وكذلك على القبائل المستعربة وغيرهم من المحليين حتى الشلال الثالث، وعلى الرغم من أن مساحة هذه السلطنة الزرقاء ضمت أجزاءً كبيرة من مناطق البجا (مرتفعات البحر الأحمر في الشرق)، وأيضاً كردفان في غرب النيل، وكانت حدودهم في الجنوب قد بلغت خط عرض 12 شمالاً، بالقرب من سد الروصيرص الحاضر الآن، ولكن لم يكن هذا الكيان العربي الإسلامي الجديد له القدرة على احتضان البناءات القبلية، وتلك الإقليمية في اطار وحدة حضارية -وطنية- مركزية ذات فعالية.
وقد كانت سلطتهم مستندة على الأشكال التقليدية، كالولاءات القبلية والإقليمية، وكشكل من أشكال التحالف الواسع بين فونج-سنار ومشايخ قرّى. وفي الكثير من الأحيان عجزت هذه السلطة عن منع الاضطرابات والغارات التي تقوم بها القبائل ضد بعضها البعض، ونعود في هذا الخصوص الي تحليل الدكتور يوسف فضل لظاهرة ومسمى “قيمان”، لترفدنا دلالاته على طبيعة الوضع..
((وعقيد القوم تعني رئيس المقاتلين… اذ يشير لفظ “القوم” في العربية السودانية، وتجمع (قيمان) الي الفرقة من المحاربين. واعتماداً على دراسة مقارنة لأمثلة من الأدب الشعبي والتراث الشفوي لبعض القبائل مثل (الجعليين) و(الرباطاب) و(العبدلاب) و(الكبابيش) و(دار حامد)، يتضح أن عهد القيمان (عبارة عن اغارة الجماعة من قبيلة ما على قبيلة أخرى بقصد الاستيلاء على نعمها. وتطلق أيام القيمان على كل الزمان التاريخي الذي كان فيه مثل هذا النشاط الحربي ذا عائد اقتصادي. ويبدو لي (أنها تطلق على فترة الفونج) وهي فترة لم تظهر فيها سلطة الحكومة المركزية قوية وواضحة لتردع المجموعات القبلية شبه المستقلة من الاغارة على بعضها البعض. ورغم أن هذا النشاط قد اقترن بمملكة الفونج الا أن بعض الدلائل (تشير الي استمراره حتى أوائل القرن)..))
وفي هذا السياق التحليلي لتلك الظاهرة يورد لنا دكتور فضل حكاية سماعية من أدب الرباطاب الشعبي، تتحدث عن اتصال الملك (ملك بمرتبة شيخ) نصر الدين، مك (الميراف) بالأتراك هناك في مصر، يقدم لهم الدعوة لغزو السودان، وكان ذلك تحت تهديد ووعيد آخرين له بالإغارة علية وغزو بلاده أو منطقته.
ومن الملاحظ أن التحالف الذي جمع ما بين الفونج والعبدلاب لم يكن مستقراً هو نفسه، وكانت هناك مواجهة بينهما، أي بين الفونج، وكان يقودهم عدلان ولد آية، وبين العبدلاب، وكان على رأسهم الشيخ عجيب، في معركة عظيمة في بقعة أبي عمارة بجانب (كركوج) الحالية، وحدث ذلك في 1608 أو 1610م، وانتهت المواجهة بمقتل الشيخ عجيب، حيث سيطر الفونج واستولوا على منطقة العبدلاب في قرّى، وتوسع نفوذهم الي أن وصل بربر الحالية.
وعندها انتقلت عاصمة العبدلاب الي دنقلا، حيث عمد الشيخ محمد العقيل الي ترتيب الأوراق والاستعداد لأخذ الثأر، غير أن تدخل الشيخ ادريس ولد الأرباب، أحد أكبر مشايخ الصوفية وقتها، عمل على حجر الحرب بين الطرفين، وتم توقيع معاهدة بين الطرفين، سُميت ب (داعي الحماية)، وبموجبها نجح العبدلاب على استعادة مناطقهم، أي مناطق نفوذهم التقليدية، وبعدها تمددوا لغاية شمال كردفان الواقعة غرب النيل. وقد كان هذا التوسع نتيجة الي الخلافات التي نشبت بين قبائل الركابية حول توزيع الأراضي هناك.
ولكننا وبالرغم مما ذكر، نستطيع أن نقول، بكل ثقة، بأن السلطنة الزرقاء تعتبر أو يمكننا أن نعتبرها بمثابة أول دولة وطنية مركزية في تاريخ هذه البلاد، بمقاييس ذلك الزمان، وليس من المنطق أو من الموضوعية أن نقيسها أو أن نقارنها بمقاييس عصرنا الزمكاني. وهذا يعني بانه يجب علينا أن ننظر الي تلك الدولة من خلال منظار زمانها ومكانها الماضيين.
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …