برلمان الحيرة: شحتوه بخشمكم تاكلوه بشنو؟ … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

 

(IbrahimA@missouri.edu)

 

 

 

كنت قلت أنني أول ما عرفت عن الرئيس عمر البشير كان قبل انقلابه. وأشدت به لقوله لجريدة (الراية)، منبر الجبهة الإسلامية القومية، إن الجيش تموله ميزانية مرصودة من قبل الدولة. وما يحتاجه الجيش من الشعب هو المناصرة لا التبرعات. وعدت قبل مدة أؤاخذه على اتباعه سنة من سبقه في التبرع كوجه من وجوه التصرف في المال العام لمشروعات تَستجِد أو تٌرتجل. ووددت لو أنه استمسك بالعروة الوثقى من حديثه قبل الانقلاب في وجوب أن تقوم مصارف الحكومة عن بكرة أبيها على بينة من الميزانية التي تشمل التنمية بجانب مصرف المرتبات وغيرها.

أزعجني من هذه الجهة مؤخراً نبأ منح الرئيس لنواب البرلمان مبلغ 6750000 مليون جنيه دعماً وصف ب”الاجتماعي”. ويبدو أن الرئيس استجاب هنا لطلب من بعض النواب بتوفيق الأوضاع في نقلتهم إلى الخرطوم.

مع تعاطفي مع متاعب النواب التي أحوجتهم للدعم الرئاسي إلا  أنهم بذلك الطلب للدعم المالي الرئاسي، وإلحاحهم عليهم، وقبولهم له إنما “خرمجوا” علاقات السلطات (التنفيذية والتشريعية في هذه الحالة) خرمجة لا حكت ولا بقت. فالمؤسسة البرلمانية التي يتشرفون بعضويتها نشأت أصلاً في تنازع السلطان (الملك) والشعب (بممثليه في البرلمان) حول من له التصريف في خزينة الدولة. وكان أول نصر للبرلمان حين خرج من نطاق نصح الملك إلى انتزاع حق الجباية والصرف من حصيلتها، وبإذنه، على إدارة البلاد.

 ومرت هذه الفحولة البرلمانية بأطور شتى توجتها الترتيبات الدستورية الأمريكية وهي النموذج الذي نحتذيه في نظامنا الرئاسي القائم. فالدستور الأمريكي يرهن جمع المال من الشعب بالجباية وغيرها، ومصارف هذا المال، بيد مجلس النواب. فالقسم الثامن من الدستور الأمركي صريح في جعل سلطة الضرائب في يد هذا المجلس ليدفع منها ديون أمريكا، ويجهز جيشها متى ما أعلن هو الحرب، ويدبر معاش الناس الطيب. وأوكل المجلس وظيفة تقدير الضرائب وجمعها للجنة الوسائل والسبل التي هي واحدة ضمن لجانه العديدة. ومن الجهة الثانية أوكل مجلس النواب تقدير أوجه الصرف على الدولة والشعب للجنة الاعتمادات، الموصوفة بالقوة دائماً، لأنها الماسكة بزمام الخزينة الأمريكية. وجاء هذا الترتيب نزولاً عند الدستور الأمريكي الذي نص أنه لا يٌسحب مال من الخزانة الأمريكية إلا بعد اعتماد قانوني ببيان مرقوم مشفوع بإيصالات استلام. وينشر هذا البيان على الملأ طلباً للشفافية. وليس للرئيس في كل هذه الأحوال سوى التصديق علي كل هذه الإجراءات بتوقيعه. وغالباً ما يفعل ذلك. ومتى عارض أرجع الاعتماد إلى مجلس النواب الذي بوسعه تجاوز اعتراضه بالتصويت بثلثي النواب.

لم اتفاءل بالبرلمان من قولة تيت. تذكرون أن الكهرباء قطعت في بدء اليوم التعريفي للنواب بإجراءات مجلسهم وبروتكولاته. وانتظر النواب عودة الكهرباء وعِرقوا وما جفوا ولم يعد التيار. واتعوضوا الله وذهبوا إلى حال سبيلهم. وقد نعزوا هذه “الدقسة البرلمانية” تكففاً لمكرمة الرئيس لأنهم فطوا حصة التعريف بسبب الكهرباء. فلو علموا بسلطانهم على المال لاجتمعوا وعرضوا مسألتهم (الدعم) وناقشوها وصوتوا عليها وحملوه للرئيس ليوقع عليه صاغراً أو غير صاغر.

لندع هذا الفقه الدستوري أو “لنزقله كي” كما قال الناظر ودنواي. تعفف ما في؟ لنقرأ هذا الجزء من نص الخبر: ” وشرع نواب البرلمان في الاستفسار أمس عن المبلغ ووجدوا تطمينات من المجلس بوصول المبلغ لخزانة البرلمان قريبا وصرفه على النواب بواقع 15 ألف جنيه لكل نائب.” لقد أهلك البرلمانات قبلكم هذه “الدناعة”.

 شحتوه بخشمكم تاكلوه بشنو؟ صدق ود تكتوك.

 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً