بروفسور السناري وآخرين: منهج تفسير القرآن بالقرأن.. نموذج خلق آدم عليه السلام . بقلم: الصادق عبدالله

1. بدءا، أود الإشارة إلى أن خمس آيات قرآنية جاءت في مطلع القرآن تمثل الملخص الشامل لرسالة القرآن الكريم. الآيات المرادة هي مدخل سورة البقرة : ألم () ذلِك الكِتابُ لا ريب فِيهِ هُدًى لِلمُتّقِين () الّذِين يُؤمِنُون بِالغيبِ ويُقِيمُون الصّلاة ومِمّا رزقناهُم يُنفِقُون () والّذِين يُؤمِنُون بِما أُنزِل إِليك وما أُنزِل مِن قبلِك وبِالآخِرةِ هُم يُوقِنُون () أُولئِك على هُدًى مِن ربِّهِم وأُولئِك هُمُ المُفلِحُون (). 

2. وددت بذكر هذه الآيات أن اضع الإطار الذي أحاول التعليق فيه على جهد السناري، مؤكداً على أن البروفسور السناري الذي أعرفه منذ أن بدأ في بحثه قبل بضع سنوات، أنه محكوم بهذا الإطار. إطار الإيمان بالغيب ومقضياته، بإقامة الصلاة تواصلاً وإمتثالاً، وبالإنفاق إلتزاماً إمتناناً للخالق الرازق، وبما أنزل على محمد رسول الله وبما أنزل على الرسل بأنه الحق من ربهم. وإيماناً بالآخرة  مآلاً. 
3. هذا والبحث في قضية خلق آدم بحث في ضرب من ضروب البحث والتفكر في الغيب الذي نؤمن به. والغيب كما له بعد مستقبلي، له بعد تاريخي وله بعد الخفاء عن الحس والإدراك والاستتار عن الفهم بسبب القصور  ومحدودية الإدراك. والقول هنا أن بحث البروفسور السناري  ينظر له من قبيل مقتضيات الإيمان ومنها الإيمان بالغيب التفكر في خلق الله الذي اتقن كل شيء. وسبحانك ربنا لا علم لنا، إلا ما علمتنا، إنك أنت علّام الغيوب.
4. البروفسور عبدالوهاب الصديق السناري عالم من علماء الحياة والأحياء. واسم السناري هنا إنما ينسب للذهب السناري الذي يستخرج من أرض السودان، كما عرفت ارض السودان بذلك، ومعه كما عرف ذهب شيبون المنسوب إلى جبل شيبون في جبال النوبة شرقي كادقلي. ومن اسمه قد تحدد السناري جغرافياً داخل افريقيا والعالم فلا يحتاج إلى كثير تعريف. ومعروف علماء المسلمين الذين عرفوا ببلدانهم إن كانت بخارى أو قرطبة او طبرية أو زيلع أو اسيوط أو تلمسان. وسنار معروفة وستحتفل قريباً بحسبانها عاصمة للثقافة الاسلامية جنوب الصحراء. 
5. هذا وقد دخل السناري في قضية خلق آدم، باحثاً، متفكراً، محللاً، مقارناً، مستخلصاً. دخل مؤمناً بأن هذا القرآن من عند الله. وأن معاني القرآن  متكاملة ومتماسكة. ومن منطلق ذاته المسلمة يستبعد السناري مسبقاً ما ذهب إليه الملحدون من علماء الأحياء الذين نفوا وجود الخالق منذ البدء، هذا وقد استهجن البروفسور السناري عليهم غوايتهم التي ساقوها في ظل نظرية التطور التي ساقها عالم الاحياء تشارلس دارون. فقد قالها لهم السناري إن نظرية التطور إن ثبتت أو إن لم تثبت فهي لا تنفي وجود خالق له مقاليد السموات والأرض قادر مريد يبدع خلقه ويطوره كيف يشاء، بل ويذهب به إن شاء.
6. يذكرنا البروفسور السناري بالمرحوم البروفسور الطبيب أحمد عبدالعزيز في رسلته للدكتوراة عن فقه الطبابة. فقد دلف المرحوم البروفسور عبدالعزيز،بعد عمر مديد وباع طويل في صناعة الطبابة،  إلى تقصي أصول فقه الطبابة. وقد اضحت دراسته في فقه الطبابةمعلماً في الفقه الحديث لا يستطيع اي باحث في مجال فقه الطب في الإسلام أن يتجاوزها. هكذا يتوقع أن يكون بحث البروفسور السناري معلماً في مسار  مناهج البحوث القرآنية. ولن يستطيع باحث في (قصة خلق الإنسان) أو يتجاوز بحث السناري. 
7. فعندما يبحث السناري في قضية نشأة الإنسان، إنما يأتيها بكامل عدته في العلوم الطبيعية، من مستوى الخلايا والميتاكوندريا والأمشاج والعلق والمضغ حتى العظام واللحم.  وياتيها بذاته المسلمة التي لا يخالجها شك في أن الله خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير.  
8. فقد اقام السناري بحثة في نصوص القرآن التي تواترت وحملت كلماتها مسألة خلق آدم من تراب أو من طين أو من صلصال كالفخار. ويتبع البروفسور السناري منهجاً إستقرائياً تحليلياً في نصوص القرآن الكريم. يستصحب قواعد لغة اللسان العربي المبين. مؤمناً بأن القرآن لا يتناقض ولا يعارض بعضه بعضاً، بل ولم ينسخ بعضه، بل يتكامل. هذا وقد استفاد بروفسور السناري من الانفجار المعلوماتي والموسوعات الرقمية المتوفرة. 
9. يقول السناري أنه، أعد دراسته بعد بحثه ومراجعته نصوص خَلْق الإنسان كما وردت في خمسٍ من أمهات كتب التفسير (تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للطبري،وتفسير مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للرازي،وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي،وتفسيرالقرآن الكريم لإبن كثير،وتفسير الكشاف للزمخشري)، ليخلص إلى ضعف التفاسير التي تعتمد بشكل رئيس على منهج التفسير بالحديث الشريف. هذا وقد تنبه بعض رواد التفسير، مثل الرازي، إلى وجود تناقضات في التفسير لتنحى التفاسير إلى إيجاد  تفاسير بديلة تتجاوز  التناقض. لكن ما طرحوه من تفاسير بديلة لم تخرج عن نطاق قصة هيكل آدم الطيني. ويلاحظ أن البروفسور السناري قد احتفى بما عرضه الرازي من رؤى متقدمة، أسست لقواعد بحثه في قضية خلق آدم واستخلافه. حيث يهدي بحثه إلىروحالإمامفخرالدينالرازي،عرفاناً بالأثرالعميقالذيتركتهأفكارهالجريئة في نفس الباحث ،وبمقدرتهعلىتمييزالتناقضالذينتجمنتفسيرآياتالخلق علىأساسروايةهيكلآدمالطيني،والذيكانلآرائهدافعاًقوياً في قيادة البحث إلى نهاياته. يستطيع كل من يعرف السناري عن قرب أن يؤكد أنه لم يبدأ من موقف سابق يمكن أن يقال فيه تحامل على هذا أو ذاك من الآراء.  
10. وقد ساق السناري حيثياته مستفيداً من المنهج العلمي في الوصول إلى نتائح وسيطة تؤدي إلى نتائج أخرى نهائية بناءاً على النتائج  الوسيطة. ولا شك سينال أجر اجتهاده. ولعمر الكاتب أن البروفسور السناري قد أدام الفكر والنظر، ليخرج بهذه النتائج  الجديدة. وكما يقول الإمام إبن تيمية في كتابه مقدمة في اصول التفسير: أن العالم يخلص إلى النتائج حتى يحسب الجاهل أن ذلك ضرباً من الكهانة. 
11. والسناري يقف في كتب التفسير التي درسها على أن آدم (الإنسان) خلقه اللهفي هيكل طيني كما تخلق آنية الفخار. قبض الله (جلّ وعلا) قبضة من التراب وبله بماء وتركه يتخمر، ثم صنع منه جسماً فخارياً تصفر فيه الريح. وأن إبليس انتابه بدءاً الخوف من هذا الكائن الغريب. وعندما عرف إبليس ذا الكائن عن قرب أبدى بغضه عنصرية منه (كذلك يقول محمد سعيد الحفيان أن إبليس هو الداعية الأول للعنصرية. وإنما الذين يمارسون العنصرية يمارسون منهجاً إبليسياً) والتي تطورت عنصرية إبليس إلى رفضه أمر الله. وتجدر الإشارة هنا أن للدكتور محمد سعيد الحفيان يستتبع  بحوثاً ومنهجاً مماثلاً. ويقول الحفيان بملء فيه أن الركود إلى تلكم التفاسير،  في عهد الإنفجار العلمي وثورة المعلومات من شأنه أن يترك أمة الإسلام تراوح تسترجع وتكرر ماضيها. ومن ثم لن يكون لها شأن في المستقبل.
12. يقول السناري أن هذه الصورة (قصة خلق الإنسان) اعتمدت على روايات  في الحديث الشريف ولم تعتمد على الآيات القرآنية كما وردت .  وأن المفسرين الخمس الذين درس شروحهم اعتمدوا على روايات أحاديث مختلفة وأنه عندما بدأ لهم بعض التناقض في نتائج شرحهم للأحاديث  جاءوا ببعض التبريرات  التي لا تنسجم مع المعاني الواضحة للآيات القرآنية التي  سردت مسألة الخلق. 
13. ومن ثم بحث السناري عن تفسير بديل لقصة خَلْق الإنسان معتمداً على نصوص القرآن الواردة في قصة الخلق. تفسير ينسجم فيه المعنى الظاهر لجميع النصوص ذات الصلة بالخلق، كمنهجٍ بديلٍ لتفسير روايات الحديث الشريف الواردة في الموضوع.  ليصل السناري في بحثه إلى نتائج جديدة مختلفة عن قصة الهيكل الطيني تنسجم تماماً مع معاني الآيات القرآنية الواردة في قصة الخلق مجتمعة.  كما استنتج وجود أمة سابقة، أشركت فأخذها الله، ثم جاء بآدم خليفة لها. وقد وجد السناري شواهد لذلك في كتب التفسير، منها في كتاب تفسير الاساس للعلامة سعيد حوى. كما تابع السناري مسار إبليس  الذي كان مخلوقاً قبل آدم . وأكدت له الآيات أن ما ذهب إليه  المفسرون في مسار إبليس (مثلاً) لا ينسجم ايضاً مع معاني القرآن الواضحة.  
14. على آية حال تحتاج نتائج بحث البروفسور السناري إلى منتدى فقهي عالٍ، لكي تناقش، وللسناري دفوعاته العلمية التي يستطيع أن يطرحها أمام اي هيئة علمية.  فهو لم يخرج قط عن قواعد لغة اللسان العربي المبين. وسيكون لها ما بعدها. 
15. ومنهج السناري  كما يبين، أنه يعتمد على حقيقة عدم تناقض نصوص القرآن الكريم لأن القرآن  معصوم من الخطأ. ولئن بان أي نوع من التناقض فذلك لا شك يعزى إلى عدم إدراك الباحث لمعني أو أكثر من معاني النصوص . هذا ليخلص السيد السناري بعد بحث ومكث امتد لثلاث سنوات ويصل إلى تفسير جديد لنصوص خَلْق الإنسان. تفسيراً إنسجم فيه المعنى الظاهر لجميع هذه النصوص، بعضها البعض. ليصل السناري نتائج بحثه  ليوضح فيه العلاقات بين آدم وحواء وابليس بصورة  لم تتطرق لها التفاسير التي السابقة. 
16. مهما اتفق أو اختلف في هذه النتائج  يبقى الموضوع الرئيس الذي قاد لتلك النتائج  هومنهجية البحث التي اعتمدت على التفسير الموضوعي لآيي القرآن على قواعد اللغة والتحليل والتركيب. ويلاحظ أن  منهج البحث  لدى السناري قد حدث متزامناً مع بحوث الدكتور محمد سعيد الحفيان في القرأن وما توصل إليه من معاني (مراجعة ذلك في حلقة مقاربات مع الدكتور الجيلي على البشير في موقع قناة الشروق). ثم بحث الدكتور عماد  محمد بابكر بعنوان آذان الانعام (والذي تناوله دكتور الجيلي ايضاً في برنامج مقاربات. من اين أتيت يا دكتور الجيلي ومن اين آتي هؤلاء؟؟  وتتناول كل البحوث  ذات الموضوع بابعاد مختلفة وبمنهجية تتشابه وتختلف، ونتائج تتباين نوعاً ما و تتقارب نوعاً.
17. فهناك ، مثلاً، في مسار  ثلاثة بحوث مختلفة (السناري، الحفيان وعماد) تبرز قصة الشجرة التي أمر آدم أن يتجنبها. فالثلاثة بحوث تعرض حججها لتصل إلى هذه الشجرة بطريقة مختلفة. وفي حالة مقارنة هذه البحوث مع بعضها، لا بد أن يتم الوصول إلى أن بعض الحيثيات في البحوث الثلاثة اقوى من بعض. وإلا لما كان ذلك الاختلاف في نتيجة مسألة الشجرة. وهذا تنبيه مبكر لمن يقرأ تلك البحوث.
18. كذلك يبقى أن بحث السناري لم يطل مراجعة نصوص الأحاديث الشريفة وتحليلها ومتابعة رواياتها. فقد جعلت تلك الاحاديث المفسرين  يعتمدون قصة الهيكل الطيني لآدم. ومعلوم أن الشيخ الالباني قدم الكثير في تصنيف الاحاديث. ومؤخراً قدمت الباحثة الدكتورة آمال محمد عبدالرحمن في مصر رسالتها للدكتوراة عن أحاديث الاسرائيليات في تفسير الطبري، وقد انتهجت دراسة مقارنة بين الأصول العربية والأصول العبرية لما يعتقد أنه نصوص دينية. وقد وصلت إلى نتائج مذهلة.
19. ويبقى القرآن الذي لا تشبع منه عقول العلماء، ولا تنقضي عجائبه. ويبرز جيل من الباحثين يتطلع إلى آفاق جديدة في المعارف.
الصادق عبدالله عبدالله
sadigabdala@gmail.com
12نوفمبر 2014

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً