بشارة*

اخي التوم،

فجأة تذكرت أنك قد اطلعتني قبل زمن بعيد في صوفيا على فاتحة قصة كنت تعدُّ لها عن صاحبنا وزميلنا في اتحاد الطلاب والجبهة والحزب بشارة. طال العهد على تلك الواقعة فلم أعد أذكر على وجه التحديد فحوى ما جاء في تلك الفاتحة، لكنني أعلم أنها اجذبتني وقتها، وراقت لي كبداية تضمر قول الكثير في نثر ينضح شعرا. كانت سطورها القلائل المخطوطة في كراسة صغيرة واعدة ومبشرة بخير قادم لم يكن يعوزه منك إلا موالاته بالصبر حتى ينضج ويخرج للناس قناديلاً تسرّ الناظرين. فلماذا أهملت ذلك النص يا توم ؟ لِم لَم تكمله وتركته مبتوراً كرأس بلاجسد، معلقاً بين الأرض والسماء، مثلما كانت حياة بشارة في أخريات أيامه في صوفيا؟ وهل مازلتَ تحتفظ بتلك الكراسة التي دوَّنت عليها ثم توقفت وطويتها كما لو أنك ترددت متهيباً الاقدام على اقتحام البحر، بحر بشارة الموَّار عميق الأغوار؟ فمِن بيننا جميعاً نحن الذين تقاطعت مسارات حياتنا مع مسيرة حياة بشارة في بلغاريا الفتيَّة كما يحلو لأهلها إطراؤها، كنت أنت الأكثر قرباً ومعرفة به، ولذلك أحسبك الأقدر منَّا على الكتابة عنه وتقديمه للناس في ضوء جديد. فقد كنتما مثل توأمين سياميين، كنتما أخوين في الله. ليس الأمر بالعسير ولايحتاج منك سوى فتح باب الاسطبل المطل على البراري الخضر واطلاق العنان لجواد الكتابة.

انقطعت عني تماماً أخبار بشارة بعد تخرجه في قسم القانون بجامعة صوفيا سفيتي كليمنت أوخريدسكي، وعودته إلى السودان. وظللت أسائل عنه كل من التقيتهم وحادثتهم عبر الهاتف من سودانيي بلغاريا فلم أدرك برِّه كما يعبر النوبيون في مثل هذه الحال التي يكون فيها المرء حائراً يتخبط في الظلام، وظللتُ على هذه الحال سائلاً بلامجيب حتى أخبرتني أنت عبر الهاتف قبل أعوام أنك إبَّان عودتك إلى السودان سعيت للبحث عن بشارة حتى وجدته بين عشيرته في مسقط رأسه في ولاية نهر النيل، ووقفت على حاله ووجدته منسحباً من الحياة ينتظر الأجل. وهذا لعمري ختام غير متوقع محزن وصادم لرجل كان مصادماً ومفعماً بالحياة، كان باستطاعته أن يصنع لنفسه اسماً يشار له بالبنان في أروقة المحاكم فقد كان بشارة ألمعياً يمتلك ذهناً جباراً بارعاً في فن الجدال، ولم يكن من اليسير مغالبته في أي موضوع مطروح للنقاش، عارضته كانت هي الأمتن، وكفته دوماً هي الراجحة في خاتمة المطاف. ولهذا لم يكن بساورني الشك في أن مستقبلاً واعداً في مهنة المحاماة كان بانتظاره في السودان لولا تلك النكسة التي ألمّت به في أيامه الاخيرة؟ لا أحد منا يعلم ما الذي أصابه فجأة ولماذا. كان الأمر أشبه بأن تخلد إلى النوم في الليل هانيء البال ثم تصحو فتجد الدنيا غير الدنيا، وتجيل ببصرك فيما حولك وأنت تفرك عينيك غير مصدق لتجد أن السيل قد جاء وغطى المكان. بدا كل شيء على مايرام حتى انتبهنا ذات يوم فوجدنا أن الأمر ليس كما يظهر لنا، وأن هناك خطأ ما، وأن بشارة ليس ذاك الذي نعرفه، رأيناه بعيوننا الجديدة الذاهلة فإذا هو كالمعلق المتأرجح بين الأرض والسماء. يتقلب: يهبط إلينا في جلسات السمر في مدينة الطلاب حيناً يحيينا بالحفاوة القديمة وكان شيئاً لم يكن، بجادلنا يقظاً كما ألفناه بذات الذهن الوقاد الذي يشتغل بكفاءة عالية، يجمع ويطرح ويحسن التحليل واستخلاص النتائج، ويطرح دوماً الأسئلة الصحيحة الذكية، وما أن نطمئن على حاله وننسى مافعله السيل حتى يفارقنا بشارة من جديد مقلعاً كالطير المخلوع نحو سماء غامضة لانعلم عنها شيئاً تحجبنا عنها طبقة كثيفة من عبارت بشارة وشطحاته غير المفهومة. تلك الليلة التي شكلت نقطة التحول في الوضع النفسي لبشارة كانت يوم أن إحتد نقاش بينه وبين زميل له ففقد الأخير السيطرة على أعصابه وثار مشهراً المدية في وجه بشارة فما كان من بشارة إلَّا أن ركز كما يركز بعض السودانيين في البطان لمحط سوط العنج، وطلب من صاحب المدية أن يطعنه. من حينها تدهورت حال بشارة إذ لم يستطع أن يهضم ماجرى له وظلت حادثة اشهار المدية في وجهه أكبر إهانة وتجريح تعرَّض لهما وهو المتقدم في العمر على المعتدي وعلى كل شهود الحادثة.

أتذكر الآن بشارة وهو بحتل مكانه في إحدى قاعات الدرس الواسعة في معهد الهندسة بصوفيا في صيف العام 1991 حيث انعقد لآخر مرة مؤتمر اتحاد الطلاب السودانيين ببلغاريا قبل أن يضربه الانقسام الخطير الذي فلقه إلى نصفين، نصف موالٍ لسلطة “الانقاذ” في السودان، والنصف الآخر مناويءٍ لها. انقسم الناس بعد ذلك المؤتمر ثم انطمس في العام 1993 تماماً كل أثر للفريقين المتصارعين نفسيهما. اختفى كل مظهر لأي ضرب من النشاط السياسي والنقابي للدارسين السودانيين في بلغاريا. بدا الأمر كما لو أن سيلاً جارفاً داهم السودانيين في ذلك البلد وطوى كل شيء : اتحاد الطلاب والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، والاسلاميين المتذمِّرين من طول سيطرة الشيوعيين على اتحاد الطلاب، والمستقلين أيضاً. كل ذلك صار أثراً بعد عين عندما عاد معظم الدارسين في بلغاريا إلى السودان في أواخر العام 1992 لاتمام دراستهم الجامعية هناك. مع إثنين آخرين تصدَّر بشارة واجهة ذلك المؤتمر التاريخي الذي وضع خاتمة لحقبة طويلة يعود أولها إلى النصف الأول من الخمسينات، حين ابتدأ توافد السودانيين للدراسة في بلغاريا. أختير بشارة في إدارة ذلك المؤتمر. كان حسن الهندام يرتدي بزَّة يغلب عليها اللون الاسود وقميصاً كريمي اللون مخططاً. تلتمع صلعته وهو يمسح عنها العرق باستمرار في مدخل القاعة التي ارتفعت فيها حرارة الجدال، إذ كان الجوُّ مشحوناً بالتوتر يخيم عليه شبح شقاق شديد على وشك الانفجار بين حلف الجبهة الديمقراطية وأنصارها من جهة والحلف المعارض لها من الجهة الأخرى. أعدَّ كلا الفريقين عدّته للظفر برئاسة الاتحاد. تلك كانت معركة فاصلة توافد لها الناس مستنفرين نصرة لكل فريق. جاء الأدنون من صوفيا، واقبل الأبعدون من مدن الأقاليم : فارنا وبليفين وبلوفديف وستارآذقورا. وتصاعدت الأنفاس في تلك القاعة وارتفعت حدة التشاحن حتى كدت اسمع قرع طبول الحرب ورزم النحاس. ثم تمخضت نتيجة الانتخاب عن فوز مرشحي الجبهة الديمقراطية من جديد برئاسة تلك الدورة فاختار الفريق الآخر المناويء طريق الانقسام وهي الخطة باء التي نزلت كالبلطة الحادة الشفرة على جمجمة الاتحاد فأطاحت به، فتفرق الناس من بعد ذلك شذر مذر. فيما بعد طرقتُ باب مسكن بشارة فاستقبلني بابتسامة ارتسمت على وجهه الداكن الخضرة. خلف تلك الابتسامة كان يكمن حزن أنشب مخالبه في روح بشارة الذي ظل يحاول إخفاءه عن العيون متظاهراً بالتماسك حتى يراه الناس دوماً في صورة القوي الصامد في الأنواء، بينما هو يعاني في صمت يكتم سره حتى عن أقرب الأقربين إليه والذي هو أنت حتى وقع الانهيار المدوي كما ينهار جدار. كان ذلك الاخفاء والتظاهر بالقوة يكلفان بشارة مشقة وجهداً غير عاديين. ثم أفسح لي الطريق فدخلت مسكنه الكائن في العمارة رقم 50 في مدينة الطلاب بصوفيا. وكان يتشاركه مع مازن البحريني، هل تذكره يا توم، أم تراك نسيت ذلك الرجل الوديع المسالم الذي احتمل صخبنا نحن السودانيون حين يأتلف شملنا تحت قبَّة واحدة ثم ننطلق على سجيتنا؟ لم تصدر عن مازن نأمة احتجاج على ماسببناه له من ازعاج، بل كان يصبر طويلاً على تعالي أصواتنا أثناء النقاش الذي ما اكثر ما كان يمتد إلى وقت متأخر من الليل في عطلة آخر الأسبوع. كان هاشم يدخل علينا فيجد المكان الضيق غاصاً بنا نحن ضيوف بشارة نحتسي المشرقات ونحن نخوض في أمور السياسة وفوق رؤوسنا تطوِّف غمائم كالعمائم من أدخنة التبغ الرخيص ننفثه من ماركة أردا وفينكس وسريديتس، ومن جهاز استريو موضوع على رف عالٍ مثبَّتٍ على الحائط تنبعث أصوات البلابل والكابلي برفقة عازف العود بشير عباس في غناء مسجَّل على شريط كاسيت. يتدفق من جهة الحائط فوق رؤوس المجتمعين في مسكن بشارة شلال من العذوبة : “(ياستَّار علي من دورتك. بقيت أشِيل صورتك).(حبك للناس خَلاَّني أحبك تاني، فيك الاحساس نسَّاني أعيش أحزاني). (نوم عينيا البِقى لي سهر). ( يسلملي خال فاطنة ليهن بلالي البدرج العاطلة. ياخريف الرتوع. اب شقة قمر السبوع. فوق بيتو بسند الجوع. ياقشاش الدموع). ” ذاك الغناء جبلي في الطوفان ما اكثر مالذت به مستعصماً كلما ناوشني الحنين إلى السودان، فقد كنت حينها حديث عهد ببلغاريا أتلمس فيها الدروب بحذر خوفاً من مزالق اللغة الجديدة.اتوقف هنا عن الكتابة، مع تحياتي
عثمان محمد صالح

  • الاسماء الواردة في هذه الحكاية حركية

osmanmsalih@hotmail.com

عن عثمان محمد صالح

شاهد أيضاً

حرب الجنجويد على السودان: من الاحتلال والتمدد الى الانكسار والهروب

الخرطوم في الخامس عشر من ابريل 2023. لزم الناس بيوتهم فقلت الحركة في الشوارع حتى …