بشاير الخريف كل عام تعود بالخير علينا .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة

تفاؤل:
شكرا د حسن حميدة من ألمانيا على كل هذه الصور الجميلة من بدو يركبون الجمال أو يسكنون الخيام وإن قست الحياة تجدهم سعداء بها وبطريقتهم يبنون وهم رحل يتزاوجون ويعمرون. ما شدني منها وأثار شجوني وتأثري وأجاش ذكرياتي تلك الخيمة التى كانت سمة مراتع الكثيرين من بدو رحل ( بشاربين وهدندوة) كانوا يأتون إلينا من متاهات العتمور والشرق البعيد والقريب موسم كل صيف ( الحار الجاف) فينصبون خيام البروش ( شكلها نصف كروية) جوار شواطيء النيل الشرقية منها حيث نقطن . يعيشون بيننا تصحبهم مواشيهم من جمال ونعاج والقهوة والرقص على انغام الربابة وغناء بالرطانة كانت سمة تصحبهم تكيفهم وهي الوحيدة بهجة أنس لياليهم كل يوم عندما يحل المساء وتسكن الطيور فى أعشاشها ويخيم سكون الليل على البيوت المجاورة. هكذا كانت تمر أيام تلك الحياة الصعبة ولفح سموم ” الخماسين” وانتظار المجهول حتى ياتيهم خبر السماء اليقين يبشرهم بقدوم الرحول المفرح عندما تشير البروق العبادية بخريف واعد ينتظرهم هناك فى أحضان وديان منطقة عتمور بادية بربر ( دبال والفشق ودربيكان). ينتصبون فرحين فى حلقات ومع أنغام طمبور الشرق الحنونة على إيقاع ضربات من أيديهم بالتناسق مع أرجلهم كانت تكتمل بها تلك اللوحة الفنية والغنائية الرائعة وهم يرقصون فرحاً يغنون ” السهيب السهيب قالو القُنب شربان ، السهيب السهيب قالوا العُرب طربان وباقي الطرب كله غناء باب رطانة ومبارزة رقصة السيف والحماية بالدرقة. يستمر الفرح حتى حين فيهدأ الحراك عند ما بهجع الليل وعند شروق شمس الصباح الباكر يختفي كل شيء من الوجود ( كأنما هبت عليهم ريح صرصر عاتية) حيث تخلوا تلك الأماكن من وجود كل الخيام وتهدأ شواطيء النيل من ضجيج الشياه والنوق السمراوات والبيض ممشوقة القوام كحيلة العيون الساحرة. هكذا كل موسم يغادرون من متردم وتبقى بقاياهم من أثافي ورماد وقود ونكهة جبنة بكرية آثاراً تعطر أجواء تلك الأماكن وساحات أشجار الحراز والسنط الكبيرة كما تظل للطمبور أنغام صداها يرن يعيد الحياة لتلك الأماكن فى أذهان الناس الذين كانوا يفرحون بقدوم هؤلاء البدو الرحل ، فهم حقيقةً كانوا يستحقون كل ترحيب وعون، وكانوا يجدونه حتى أن بعضاً من تجار سوق مدينة بربر قد تخصصت تجارتهم لتسد حاجة طلبات هؤلاء البدو بل منهم من صار يحاورهم بالرطانة ( ومن علم لغة قوم فاز بودهم وحبهم).

الخلاصة:
الذكريات ونوستالجيا سحر الأزمنة والأماكن يجب أن لا تكبلنا عن القيام بواجبنا تجاه انفسنا وتجاه غيرنا وتجاه كل الوطن فنظل ملومين محسورين والفقر يطيح بنا نحو الدرك الأسفل وعملتنا تتهاوى نحو القاع أمام هجمة الدولار المميتة . فالسودان على اعتاب قدوم الخريف وخريف القرن الحادي والعشرين غير ما كان أمساً والكون كله فى تطور وتنافس مصالح وغايات ، فيتوقع من حكام البلاد ومدراء البلديات وأخصائيي الصحة العامة والشرطة والدفاع المدني ومهندسين الطرق أن يكونوا قد قاموا الآن وليس غداً ، بالواجب المنوط بهم من الإستعداد الكافي المدروس لكي يتفادى المواطنون الموت والتشرد نتيجة طوفان السيول والأنهار التي تكتسح قري بأكملها كل عام وان نستفيد من تلك الدروس المكلفة. يجب أن يكون موسم الخريف موسم سعد وفرح يعم كل الوطن، موسم بناء وتعمير وإصلاح الأرض ومن ثم هو إصلاح حال المواطنين جمعاء فنحن ننعم بوطن أراضيه خصبة كلها صالحة للزراعة حتى المطرية إن توفرت العزيمة والإرادة ( لو شمرنا ننزل كلنا العتامير لنستفيد من إستثمار وجني فائدة كل مياه الخريف). هكذا كان يفعل أهلنا بمديرية نهر النيل وكانت مخازن سوق مدينة بربر لا تغطي حاجتها التخزينية من وفرة عائد زراعة وديان منطقة بربر أزمان الخريف الوارفة. ليت السدود تحوط تلك الديان لتعم الفائة على سكان تلك المناطق ولتدم حياة حتى البدو منهم مستقرة وتتحسن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية خاصةً من تعليم وصحة… إلخ الزراعة هى مخرج السودان الأول من كل التعاسة التى نعيشها، “فالأرض لنا” يجب أن يكون شعار كل مواطن يحمله فى حله وترحاله وبفتخر به عند ترحيبه بكل مستثمر أجنبي قادم وغني يا طيورنا حتى المهاجرة ” جدودنا زمان وصونا على الوطن” :
جدودنا زمان وصونا على الوطن
على التراب الغالي الما ليهو تمن
نحن حافظين للوصية
جوه في قلوبنا الوفية
ذكراهم بتلهمنا
وتشجينا بعزيمة قوية
والله من وراء القصد يعلم

drabdelmoneim@gmail.com
////////////////

 

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …

اترك تعليقاً