زهير عثمان
لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي حول السودان، التي عقدت اليوم 24 أغسطس 2026 بطلب من الدنمارك، مجرد إحاطة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الجلسات والبيانات حول الحرب السودانية , فقد جاءت في لحظة تتسع فيها الكارثة الإنسانية، وتتزايد فيها المخاوف من تحول الحرب إلى صراع مفتوح على الدولة والمجتمع والمنطقة، بينما يظل طرفا الحرب أسيرين لمنطق الحسم العسكري , الجلسة، التي ترأسها وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكي راسموسن، وضعت حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية في قلب النقاش، لكنها حملت في خلفيتها سؤالاً سياسياً أكثر عمقاً: هل تستطيع السلطة القائمة في السودان أن تتصرف بوصفها حكومة دولة مسؤولة، أم أنها لا تزال تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة عسكرية لا مكان فيها للتسوية السياسية؟
هذا السؤال هو جوهر الضغط الدولي الجديد. فالمسألة لم تعد مجرد إدانة للانتهاكات، أو مطالبة الأطراف بوقف القتال، وإنما بدأت تتجه نحو إعادة تعريف مسؤولية السلطة نفسها: ماذا يعني أن تكون حكومة في بلد يعيش حرباً شاملة؟ وما الذي يترتب على امتلاك مؤسسات الدولة والسيطرة على جزء كبير من أراضيها، عندما يكون المدنيون هم أول ضحايا هذا الصراع؟
من الإحاطة إلى المساءلة
حذرت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، من استمرار الطرفين في التعامل مع الحرب بمنطق عسكري صفري، ومن أن التدخلات الخارجية وتدفق الأسلحة المتطورة يزيدان الصراع تعقيداً ويجعلان الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة
الصورة التي قدمتها الإحاطة الأممية كانت قاتمة – هجمات بالطائرات المسيرة تطال الأسواق والمدارس ومحطات الوقود والبنية التحتية للمياه، إلى جانب عمليات قتل واختطاف وعنف جنسي وانتهاكات متكررة للقانون الدولي الإنساني
أما وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، فاختصر المأساة في مفارقة شديدة الدلالة – السودان لا يعاني من نقص في التحليل، وإنما من نقص في الفعل. ففي الوقت الذي تتدفق فيه الأسلحة والطائرات المسيرة والمرتزقة إلى ساحة الحرب، يحتاج ملايين السودانيين إلى الغذاء والماء والدواء والحماية
وتكشف الأرقام حجم الكارثة. فبحسب الإحاطة الأممية، يحتاج أكثر من ثلثي السكان إلى مساعدات إنسانية، فيما وثقت الأمم المتحدة نحو 1400 وفاة مدنية خلال النصف الأول من العام، وكانت هجمات المسيرات مسؤولة عن الغالبية العظمى منها.
وهنا تنتقل المسألة من مجرد توصيف مأساة إنسانية إلى سؤال المسؤولية السياسية
فكلما اتسعت دائرة استهداف المدنيين، أصبح من الصعب على أي سلطة أن تختزل شرعيتها في السيطرة العسكرية أو في خطاب الدفاع عن الدولة. الدولة، في معناها السياسي والقانوني، لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية مواطنيها، وفتح الطرق أمام المساعدات، ومنع الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها
الضغط الأول: حماية المدنيين
الرسالة الأولى التي خرجت بها الجلسة هي أن المدنيين لم يعودوا تفصيلاً ثانوياً في الحرب , المجتمع الدولي يتعامل بصورة متزايدة مع حماية المدنيين باعتبارها معياراً مستقلاً للحكم على أداء أطراف النزاع. والهجمات التي تطال الأسواق ومرافق المياه والمنشآت الحيوية، وما يصاحبها من نزوح جديد للسكان، تجعل مسؤولية من يسيطر على الأرض أكبر من مجرد إعلان الانتصارات العسكرية
وهذا يضع الحكومة السودانية أمام معادلة صعبة: كلما اتسعت مسؤولياتها بوصفها سلطة دولة، اتسعت معها مسؤوليتها عن حماية المدنيين الواقعين تحت سيطرتها أو في المناطق التي تدعي قدرتها على الوصول إليها , الضغط الإنساني- المساعدات ليست ورقة تفاوض الملف الثاني هو الوصول الإنساني , لقد أصبح دخول المساعدات إلى المناطق المتضررة أحد أكثر الملفات حساسية في علاقة السلطة السودانية بالمجتمع الدولي. فالعاملون في المجال الإنساني يواجهون الجبهات والهجمات بالطائرات المسيرة والعقبات البيروقراطية والقيود الأمنية، رغم وصول المساعدات إلى ملايين السودانيين
المشكلة هنا أن استمرار الحرب يجعل المساعدات تتحول بسهولة إلى جزء من لعبة النفوذ العسكري والسياسي. لكن الرسالة الدولية تبدو أكثر وضوحاً: المساعدات الإنسانية حق للمدنيين وليست مكافأة سياسية تمنحها الأطراف أو تحجبها , وهذا يعني أن أي حكومة تريد الحفاظ على صورتها كحكومة دولة مسؤولة ستجد نفسها مطالبة بإزالة العوائق أمام العمل الإنساني، لا باستخدامه كورقة في إدارة الحرب , الضغط السياسي – العالم لا يريد انتظار الحسم العسكري , الضغط الثالث أكثر أهمية، لأنه يمس جوهر استراتيجية الحرب , فالمجتمع الدولي لا يبدو مستعداً للتعامل مع الحسم العسكري باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء الصراع
الدنمارك طالبت بهدنة عاجلة، وشددت على ضرورة وقف التدخل الخارجي، فيما أكدت ديكارلو الحاجة إلى التزامات ملموسة من الأطراف، بما في ذلك إطلاق سراح الأسرى والفئات الأكثر ضعفاً , وهنا تواجه الحكومة السودانية سؤالاً سياسياً صعباً:
هل يمكن أن يكون الانتصار العسكري بديلاً عن التسوية السياسية؟
قد تستطيع الحرب أن تنتج سيطرة على مدينة أو إقليماً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج دولة مستقرة، ولا أن تعيد بناء المؤسسات، ولا أن تنهي الانقسام الاجتماعي والسياسي الذي أنتج الحرب. , من هنا فإن الضغط الدولي يتجه تدريجياً إلى مطالبة الأطراف ليس فقط بوقف القتال، وإنما بتحديد شكل المستقبل السياسي الذي سيأتي بعده , ضغط الشرعية: السيطرة على الأرض ليست كل شيء ثمة تحول آخر أكثر هدوءاً لكنه أكثر خطورة على المدى البعيد , فمع استمرار الحرب، لم يعد السؤال الدولي مقتصراً على: من يسيطر على الأرض؟ , بل بدأ يتحول إلى سؤال آخر – كيف ستُدار الدولة التي ستخرج من هذه الحرب؟
وهنا تصبح الشرعية أكبر من مجرد الاعتراف الدولي بالسلطة القائمة. فالشرعية السياسية ترتبط أيضاً بقدرة السلطة على حماية مواطنيها، واحترام القانون، وفتح المجال أمام العمل الإنساني، والاستعداد لحل سياسي شامل، وعدم تحويل الدولة إلى مجرد أداة لإدارة الحرب , وهذا هو الضغط الأكثر عمقاً، لأنه لا يستهدف حكومة بعينها بقدر ما يعيد تعريف مفهوم السلطة نفسها في السودان , لكن الضغط ليس على الحكومة وحدها , مع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة جلسة مجلس الأمن وكأنها محاكمة للحكومة السودانية وحدها , الحرب السودانية ليست مسؤولية طرف واحد، والمجتمع الدولي نفسه يواصل الإشارة إلى مسؤولية جميع الأطراف عن الانتهاكات واستمرار القتال , الولايات المتحدة طرحت فكرة توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، بما في ذلك الطائرات المسيرة، في محاولة للحد من تدفق السلاح الذي يغذي الحرب. وقد واجه المقترح تحفظات، بينها موقف روسي حذر من إجراءات قد تضعف الجيش السوداني , أما المندوب السوداني فشدد على سيادة البلاد ورفض أي مساس بالجيش، واتهم قوات الدعم السريع باستهداف الأعيان المدنية بالطائرات المسيرة، مطالباً بوقف تدفق السلاح إليها وتصنيفها جماعة إرهابية , كما أكدت مجموعة الدول الإفريقية الثلاث في مجلس الأمن دعمها لوحدة السودان وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، مع التشديد على أن الشعب السوداني ينبغي أن يبقى في مركز أي جهد دولي , هذه المواقف مهمة لأنها تذكرنا بأن اختزال الحرب في مسؤولية الحكومة وحدها لا يساعد على فهمها، كما أن تجاهل الانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع أو تجاهل شبكات الدعم الخارجي لأي من الطرفين لا يقود إلى سلام , المشكلة السودانية أكبر من طرف واحد، ولذلك فإن الحل أيضاً يجب أن يكون أكبر من معاقبة طرف واحد.
ماذا بقي أمام الحكومة؟
من منظور الحق والحقيقة الوطنية، لا ينبغي أن يكون السؤال هو: كيف ندافع عن الحكومة لمجرد أنها الحكومة؟
كما لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نحملها وحدها كل مسؤولية الحرب؟ , السؤال الأكثر جدية هو- ,وماذا تفعل السلطة السودانية عندما تتحول الدولة نفسها إلى موضوع للمساءلة الدولية؟ , الإجابة لا يمكن أن تكون خطاباً سياسياً فقط , المطلوب هو تحويل مفهوم «الدولة» من شعار إلى ممارسة: حماية المدنيين، تسهيل وصول المساعدات، احترام القانون الإنساني، الانخراط في مسار سياسي جاد، والاستعداد لمحاسبة كل من ارتكب انتهاكات، أياً كان موقعه أو انتماؤه, وهذا لا يعني التنازل عن السيادة الوطنية. بل ربما يكون العكس هو الصحيح؛ فالدولة التي تريد الدفاع عن سيادتها تحتاج أولاً إلى أن تثبت قدرتها على ممارسة مسؤولياتها تجاه مواطنيها
حدود الضغط الدولي
لكن من الخطأ أيضاً المبالغة في قدرة مجلس الأمن على تغيير الواقع السوداني , المجلس منقسم، والمقترحات المتعلقة بحظر الأسلحة تحتاج إلى توافقات سياسية صعبة، بينما لا يزال الواقع على الأرض يتحدد بدرجة كبيرة بميزان القوى العسكرية وشبكات الدعم الإقليمي والدولي , ولهذا فإن جلسة اليوم ليست قراراً بتغيير المعادلة السودانية , لكن أهميتها تكمن في شيء آخر: الضغط يتراكم , وكل جلسة جديدة، وكل إحاطة أممية، وكل تقرير عن الانتهاكات، وكل مطالبة بحماية المدنيين والوصول الإنساني والمسار السياسي، تضيف طبقة جديدة إلى ملف السودان الدولي , وقد لا يؤدي ذلك غداً إلى تغيير عسكري أو سياسي مباشر، لكنه يرفع تدريجياً كلفة إدارة الدولة بمنطق الحرب وحده , السودان أمام السؤال الأصعب
لقد كشفت جلسة مجلس الأمن اليوم أن الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة على السلطة بين قوتين مسلحتين. إنها أصبحت اختباراً لمعنى الدولة نفسها
فالقوة العسكرية تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني شرعية، ولا أن تعيد ثقة المواطن، ولا أن تطعم ملايين النازحين، ولا أن تعيد بناء المؤسسات، ولا أن تنهي الانقسام الذي مزق المجتمع , ولهذا فإن السؤال الذي يواجه الحكومة السودانية اليوم ليس فقط- هل تستطيع أن تنتصر؟ وبل – إذا انتصرت، ماذا ستفعل بهذا الانتصار؟ وأي دولة ستبني من بعده؟
السودان لا يستطيع أن يصبح حرباً يتعلم العالم التعايش معها , ولا يستطيع السودانيون أن يظلوا رهائن لمنطق عسكري صفري يزداد فيه السلاح بينما يتراجع الإنسان , ما بقي أمام السلطة، في نهاية الأمر، هو أن تثبت بالأفعال لا بالخطابات أنها لا تريد فقط أن تكون طرفاً منتصراً في الحرب، وإنما قادرة على أن تكون حكومة دولة مسؤولة عن شعبها ومستقبلها, ففي اللحظة التي ينظر فيها المجتمع الدولي إلى السودان من خلال أرقام الضحايا والنازحين والانتهاكات، تصبح المعركة , حقيقية أكبر من السيطرة على الأرض , إنها معركة استعادة معنى الدولة نفسها ,.
