نزار عثمان السمندل
مشهد نيويورك بدا هذه المرة أكثر التباساً من مجرد زيارة بروتوكولية أو خطاب بارد في أروقة مجلس الأمن. كامل إدريس تحرّك بين القاعات كمن يختبر موازين جديدة، يفتح نوافذ كانت موصدة، ويطرق أبواباً طال إنكار طرقها. المدينة التي تُدار فيها الأزمات الكبرى شهدت فجأة محاولة سودانية لإعادة تعريف المسار، بعد أعوام من العناد السياسي الذي قاد البلاد إلى أتون حرب مروّعة، دفعت ثمنها المدن والقرى والأجساد العارية من أي حماية.
تسريب جولة المباحثات مع وفد الإمارات أعاد إشعال الأسئلة الثقيلة. دولة تُتهم بدعم قوات الدعم السريع، تجلس الآن على طاولة تفاوض يقودها رئيس الوزراء السوداني بنفسه. الصورة وحدها كافية لإثارة الريبة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تحوّل في عقل السلطة. السياسة حين تضيق خياراتها تميل إلى البراغماتية القاسية، وتبحث عن مخارج حتى مع الخصوم أو من يُنظر إليهم بوصفهم جزءاً من تعقيد المأساة. كامل إدريس اختار أن يدخل هذا الحقل الملغوم، واضعاً ثقله الرسمي في الملف، في إشارة إلى أن الحكومة لم تعد تحتمل رفاهية التأجيل أو المناورة المتلجلجة.
خطابه أمام مجلس الأمن جاء مكمّلاً لهذا المسار. مبادرة مصالحة وطنية تُرفع إلى أعلى منبر دولي، تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار، وتضع شروطاً صعبة تتعلق بانسحاب الدعم السريع ونزع السلاح تحت رقابة دولية. الكلمات بدت مصقولة بعناية، تحاول الجمع بين نداء السلم وإشارات الحزم، بين خطاب الدولة وخطاب المجتمع الدولي. إدريس تحدث عن حوار واسع، عن شباب ونساء وإدارات أهلية، عن إعادة اللاجئين وجبر الضرر، عن محاسبة قانونية بلا انتقام، وعن شراكة دولية في كل خطوات الاستقرار.
اللافت في المبادرة أنها تحمل روح منبر جدة أكثر مما تحمل ملامح حلول محلية خالصة. كأن نيويورك كانت محطة تمهيدية لإعلان العودة إلى مسار إقليمي ظل معطّلاً لسنوات بفعل الحسابات الضيقة والتعنّت المتخاذل. هذا الجنوح نحو السلم، مهما بدا متأخراً، يعكس إدراكاً متأخراً أيضاً بأن الحرب خرجت عن السيطرة، وأن الدولة باتت مهددة في جوهرها، لا في حكومتها فقط.
غير أن الأسئلة لا تختفي خلف اللغة الدبلوماسية. كيف يمكن إقناع شارع نزف طويلاً بجدوى التفاوض مع أطراف يراها مسؤولة عن الخراب؟ كيف تُبنى الثقة بينما السلاح ما زال في الميدان، والذاكرة مثقلة بالمجازر والنزوح؟ وكيف يُدار التناقض بين دعوة “لا إقصاء” ومطلب العدالة الذي يرفض المساومات الرمزية؟
تحركات كامل إدريس في نيويورك تفتح باباً جديداً، لكنها لا تضمن العبور. المبادرة قد تكون فرصة أخيرة لالتقاط ما تبقى من الدولة، وقد تتحول إلى وثيقة أخرى تُعلّق على جدار النيات الحسنة. الفارق هذه المرة أن الزمن لم يعد محايداً، وأن السودان، المنهك حتى العظم، لم يعد يحتمل تجارب إضافية على جسده المفتوح.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم