نزار عثمان السمندل
اكتشف عبدالفتاح البرهان، في لحظة سياسية شديدة الإرباك، أن أفضل مكان لمواجهة أميركا قد لا يكون نيويورك.
كان يفترض أن يقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يحمل اسم السودان إلى منصة العالم ويتحدث عن حرب البلاد ومصيرها، فإذا بالتأشيرة لا تأتي. تبقى نيويورك في مكانها، ويبقى الرجل في الخرطوم، حيث كان ملعب العاصمة يتهيأ لمنصة أخرى، أقل ارتفاعا في الجغرافيا وأكثر ارتفاعا في الهتاف.
ملعب وجمهور وقبضات مرفوعة وكاميرات تلتقط اللحظة، وبلد ينوء تحت حرب طويلة، حتى بدا الغياب عن نيويورك قابلا للتحويل إلى مشهد من البطولة الوطنية.
خرج البرهان ليقول إن السودان لا يخضع للضغط والابتزاز، وإن السودانيين لا ينحنون لأحد، وإن صوت البلاد سيظل عاليا، فتحولت التأشيرة من شأن دبلوماسي إلى واقعة سيادية، ثم تحولت الواقعة إلى امتحان للكرامة، وصار الملعب بديلا عن المنصة الدولية، والجمهور شاهد زور على صلابة الرجل، والعدو الخارجي ضروريا كي تتوارى خلفه أسئلة الداخل التي لا تحب السلطة مواجهتها.
السودان يعرف هذه الوصفة منذ زمن البشير، حين كانت الضغوط الخارجية تتسع بقدر ما تتسع معها مدرجات الهتاف، فتظهر أميركا والغرب والمؤامرة والاستكبار في مقدمة المسرح، ويتراجع السودان بكل جلاله إلى الخلف، ثم تنتهي الخطب لتبدأ السياسة بلغتها الأخرى، مفاوضات ورسائل وصفقات وتعاون أمني مع القوى التي كانت قبل قليل جزءا من قاموس العداء.
البرهان الوالغ في الأكل من تركة الإنقاذ، يواصل استخدام تلك الحيل القديمة، فغيابه عن نيويورك يمكن تقديمه باعتباره دليلا على استقلاله، ورفض التأشيرة يصبح وساما، والعزلة شهادة وطنية، وكلما ضاقت مساحة الرجل خارج البلاد اتسعت صورته داخلها.
بهذا الشكل، تستطيع ماكينة التعبئة أن تعيد ترتيب الواقعة حتى تبدو الخيبة نصرا، ويصبح السؤال عن سبب الغياب أقل أهمية من الصورة التي تُصنع حوله.
لكن السودان الذي يتمرغ في جحيم الحرب يحتاج إلى ما هو أبعد من صناعة صورة جديدة لجنرال انقلابي فاقد للشرعية.
يحتاج إلى دولة تستعيد يدها من قبضة السلاح، وإلى مؤسسات تحمي مواطنيها من الحرب والجوع والنزوح والانهيار، وإلى جيش يؤدي وظيفته في حماية البلاد بدلا من التحول إلى طريق للصعود السياسي، لأن الشرعية السياسية تُستمد من المواطن والمؤسسة والدستور وصندوق الاقتراع، لا من القدرة على حشد جمهور حول رجل يرتدي البدلة العسكرية.
وعندما يصبح العدو الخارجي مركز الحكاية، يتراجع سؤال الخرطوم، وتبتعد الحرب قليلا عن الشاشة، ويختفي خلف القبضة المرفوعة أولئك الذين دفعوا ثمنها من بيوتهم ومدنهم وأعمارهم، بينما يبدو التنافس بين الجنرالات على بلد منهك أقرب إلى صراع على ما تبقى من غنيمة، لا إلى خلاف على كيفية إنقاذ وطن ومواطنيه.
وفي مثل هذا المناخ تصبح صناعة البطل سهلة، لأن خلط الوطن بالسلطة يكفي لجعل الاعتراض على الجنرال يبدو اعتراضا على البلاد، ولتحويل كرامة السودان إلى امتداد لكرامة من يتحدث باسمه.
تتغير الوجوه، وتتبدل البدلات، وتتغير أسماء المعارك، لكن النص القديم يظل قادرا على العثور على ممثل جديد وجمهور جديد وعدو جديد. نستذكر الفيتوري ههنا (كلما زيفوا بطلا قلت قلبي على وطني).
ثم ينفض الهتاف، ويعود البلد إلى واقعه الثقيل، كأن السودان كلما اقترب من اللحظة التي يطالب فيها بأن يكون وطنا لمواطنيه، أعاد أحدهم ترتيب المقاعد وأضاء الأضواء ورفع الستار من جديد.
ولأن بعض المسرحيات في السودان تعرف كيف تعيش أطول من ممثليها، يسير البرهان على خطى البشير. لم يتبق له غير أن يرقص، ويقول لبلابسته: جيت أسوقكم معاي الجنة.
