بقر الحكومة وحبال المعارضة .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

غربا باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
(1)
خرج علينا أحبابنا المراكسة عقب انتفاضة ابريل 1985 بالعبارة الشهيرة: (اقطع، صور، وزع)، فانطلق المحازبون من بني شوعان بعد ذلك في ربوع السودان تقطيعاً وتصويراً وتوزيعاً، وملؤوا دنياواتنا بالديباجات والتصاوير والبيانات والشعارات الثورية. 
ولكن شعار (اقطع، صور، وزع) لم يجد تربته الصالحة، فينمو ويزدهر ويفرهد، الا في زمان المعارضة والنضال ضد حكم الانقاذ، وهو زمان اصبح فيه كل شئ مقطوعاً ومصوراً وموزعاً. نحن نعيش زمان معارضة التصوير والتوزيع الذي تبدلت عوالمه تبديلا، فلم تعد مادته الاشعار والشعارات، ولم تعد ادواته الورق المقوى والمقص. مرحباً بكم، سيداتي سادتي، الى عصر الفيديو والواتساب والانترنت والهواتف الذكية والماسحات الضوئية. عصر التصوير الحق، والتوزيع على اصوله.
الصراع القائم هو صراع حول الحكم والسلطة. الحكم راكز ووطيد في يد العصبة المنقذة فهي، رعاها الله وقواها، تمسك بزمارة رقبة السلطة بيدٍ من حديد. والمعارضة، بالمقابل، في يد رجال ونساء أشاوس، يمارس كثير منهم النضال ضدها تقطيعاً وتصويراً وتوزيعاً على نظام (الساعة بخمسة جنيه والحسّابة بتحسب) مثلما عادل امام في فيلمه الشهير (عنتر شايل سيفه). الحاكم يحكم، والمعارض يقطع ويصور ويوزع! 
(2)
عند زيارتي السودان في اجازة قصيرة قبل سنوات فوجئت ببعض اصدقائي من الذين تركتهم خلفي في خدمة الحكومة يبرونني بصورة من وثيقة اشتملت على تقرير استخباري قام بكتابته في سبتمبر 1989، بعد شهرين من انقلاب العصبة المنقذة، رجل زاملني في العمل منذ اول يوم التحقت فيه بالخدمة. إذ جرى تعييننا، أنا وذلك الرجل في يومٍ واحد عن طريق لجنة الاختيار للخدمة العامة. وعلى مدي جاوز العشر سنوات ظل الرجل يزاملني ويظهر لي الود والحب والرعاية. لم اكن احتاج لتنوير ممن اطلعني على الوثيقة وأهداني صورتها عن شخصية كاتبها،  لسببين: اولهما، لانني اعرف خط يده تماما كما اعرف راحة يدي. أما الثاني فلأن الوثيقة حملت توقيعه باسمه الثلاثي.
لا علم لي عن الجهة التي طلبت من الرجل كتابة تقرير عن زملائه بذلك الموقع الحكومي، وأرجح انه تطوع بتدوينه فقد كانت تلك سيرته، ولكن ذلك لم يعد ذي بال. غير ان الذي ادهشني هو ما كتبه في تقريره عني، وما نسبه لشخصي من حكاوي وبلاوي تشيب لهولها رؤوس عبد الله بن سبأ والحسن الصباح وغريغوري راسبوتين. ثم ما سطره من روايات مروعة وترهات ما أنزل الله بها من سلطان عن رئيسنا المباشر آنذاك، الاستاذ حسين صديق الامين العام لمجلس الوزراء، وعن غيره من الموظفين القياديين. 
لاحقاً علمت ان الوثيقة جرى تسريبها بعد ان وُجدت ضمن اوراق تخص وزير شئون الرئاسة السابق اللواء الطيب ابراهيم محمد خير، الذي كان قد استصدر قراراً جمهورياً بترقية ذلك الزميل ثلاث  ترقيات استثنائية  دفعةً واحدة، ثم صعد به في مناصب الدولة الانقاذوية صعوداً. قبل ان يكتشف وضاعة أصله وخساسة منبته، فينزله من صياصيه، ويقذف به الى خارج مبنى ديوان الرئاسة.
تلك أيامٌ خلت وانطوت، بخيرها وشرها. كان فيها الطيب فارس النظام الفارع ونجمه الساطع. والأيامُ دُوَل (أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ / وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ)!
هززت رأسي عجباً عندما أعلموني بعدها ان هناك اكثر من أربعين نسخة مصورة وموزعه من تلك الوثيقة التي تحمل توقيع صاحبي، وان عدداً من  مستخدمي ديوان الرئاسة السابقين والحاليين يحتفظون بصور منها. 
لبرهة من الزمان راودتني خاطرة ان اقوم بنشر تلك الوثيقة على منبر من منابر الشبكة الدولية. وفي تأصيل خاطرتي وتمكين مشروعيتها أن نقلها من دلجة الأدراج الى نور الإفراج قد يكون من شأنه ان يطرح امام المواطن السوداني صورة نابضة، ربما كان من حقه الاطلاع عليها، تعري هذا النمط من الممارسات الساقطة، وتميط اللثام عن ضعف الكائن البشري وغرارته وهوانه امام الغواية (يعِدَهم ويمنّيهم وما يعِدهم الشيطان إلا غرورا) [النساء:120]. ولكن غلبت علىّ في نهاية المطاف روح المسلم الطامح الى عفو ربه وشفاعة رسوله، فتذكرت ان (الستّار) من أسماء الله الحسنى، وان نبيه المصدوق دعانا الى ترك القبائح، وستر العيوب والفضائح.
تلك وثيقة سطرتها يدٌ مرتعشة، يضخ الدم الى شرايينها قلبٌ واجفٌ مرتجف، ثم دفعت بها في جنح الظلام الى يدى طالبها. بئس الطالب والمطلوب.
كيف امتدت الايدي الى وثيقةٍ كتلك، اُريد لها ان تظل خلف سياجٍ منيع، فانتاشتها وهي في مكمنها الحصين؟ كيف وصلت اليها تلك الايدي فانتزعتها واستنسختها وبذلتها للمارة في عرض الطريق على نظام “اقطع، صور، وزع”؟ الله أعلم!
(3)
تسريب وتهريب وثائق الدولة من محارزها، والتلويح بها، ثم نشرها بالمخالفة للقانون، واتخاذها مادة للابتزاز السياسي ومطية للكسب الاعلامي، صنيعة حركية اسلامية أصيلة. افتتح سوقها في السودان وابتنى لها (مولاً) كبيراً، يضاهي مول عفراء، حبيبنا الاعلامي الكبير الاستاذ حسين خوجلي. وقد خبرنا تلكم الفتن، واصطلينا نارها وبلونا عارها، نحن الذين عاصرنا حقبة الديمقراطية البرلمانية الثالثة، وكنا عليها من الشاهدين. 
ومن الحق ان الحسين لم يكن مالكاً ذاتياً حصرياً لمول الوثائق والتصاوير ذاك، وإنما كان وهو يسدرُ في شغبه الأثيم وكيلاً معتمداً للحركة الاسلامية، يصدر عنها وفق خطةٍ مخطوطة وخارطةٍ مخروطة. ولعل الله أراد ان يرد لأهل الحركة الاسلامية، بعد ان جاءتهم الخلافة منقادة تجرجر اذيالها، او جاءوها هم فجرجروها، لا فرق، ان يرد لهم بعض الكيد، وان يسقيهم شربتين حَمِئتين من ذات الكأس. وفي حكمة السوادنة “التسوي كريت في القرض تلقاهو في جلدا”!
(4)
لعل اكثر ما يدهشني في يومنا الماثل هذا حجم وطبيعة الوثائق الحكومية المتناثرة في الفضاء العام التي يتبادل كثيرٌ من ناشطي شبكات التواصل الاجتماعي تصويرها وتوزيعها على الجالسين والسابلة في صوالين الاسافير وحواريها. ولا تثريب على هؤلاء، فهم معارضون للحكم القائم ساعون لإسقاطه. ومن سعى لاسقاط نظام كان أكبر همه ان يُسقط هيبته في النفوس اولاً، وان يضعف الثقة في كفاءة وفعالية مؤسساته ثانياً، وأن يشكك الناس بعد ذلك في ولاء منسوبيها ووفائهم للدولة. ولا لوم على من قام الى واجبه فأحسن أداءه. 
ولكن واجب المعارضة يوازيه بالمقابل واجب الموالاة، فأين الحكومة وناديها من مولد وثائق الجهاز التنفيذي الاتحادي والولائي الهائمة في حواسيب الناس بغير حسيب. والحكومة وحزبها يزعمان ان ناديها يُعد بالملايين (النادي هو الانصار والعشيرة والاتباع. قال ابولهب متوعداً: “أيهددني محمد وأنا اكثر الناس ناديا”؟ فنزلت الآية: (فليدع نادية سندع الزبانية)). وبعض هذه الوثائق التي نتحدث عنها تحمل شعارات واختام مؤسسات بالغة الحساسية في جهاز الدولة. ولا محيص لنا من ان نعود معادنا لنطرح ذات السؤال: كيف تتسرب هذه الوثائق من مكامنها داخل الاجهزة الرسمية الى ايدي العامة؟! 
آخر ما اطلعت عليه من وثائق الدولة وثيقة صادرة عن وزارة الدفاع، ألفيتها قبل أيام قلائل وقد ملأت سماء (الواتساب) حتي ضاقت عنه. وهي عبارة عن قرارات صادرة بتوقيع ضابط برتبة لواء، مشتملة على اسماء عدد من ضباط القوات المسلحة تمت احالتهم الى التقاعد. الخطاب الناقل لهذه القرارات يحمل تاريخ الخامس عشر من يناير. العجب العجاب انه انتهى الى شاشات الآيفون والغالاكسي والحواسيب في ذات التاريخ، بعد سويعات، وربما اقل، من توقيت صدوره! 
هل ثمة داع لأن اقول لك ان الخطاب تعلوه عبارة (سري)؟! لا اعتقد، فلا بد انك اطلعت عليه، وقرأته سطراً سطرا، تماما مثلما فعلت أنا. ثم لا بد انك وقفت ايضاً على بيان الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة يؤكد صحة الوثيقة، وينبئنا ان ما حوته من اخبار انما هو من معهود شغل الجيش وتصاريفه وتكاليفه. ولكنه نسى ان يحدثنا عن كيفية إنسراب اوراق وزارته من حصنها الحصين المدجج بالاسلحة والحراس الى أيدي المعارضين.
(5)
عندما قامت العصبة المنقذة قومة رجلٍ واحد، عام 1989 فأتت على بنيان الديمقراطية البرلمانية الثالثة من القواعد، وهدمت معبده على رؤوس اهله، ثم أخذت بأعنة الحكم عنوةً واقتدارا، كان من بين شعاراتها الخفية وسياساتها الداخلية إنفاذ مبدأ (التمكين). وذلك مبدأٌ قاصد، غايته وذروة سنامه تأمين جهاز الدولة من قمة رأسه الى اخمص قدميه، حتى يخلص نقياً صافياً بغير كدر في يد العصبة وابنائها ومشايعيها من اهل الثقة. اولئك الذين يُؤمَنُ جانبهم، ويُستقوى بشوكتهم، ثم يكون بناء مشروع الدولة الجديدة، حتى يبلغ تمامه، على ايديهم الطاهرة المتوضئة.
بيد أن أيام الانقاذ وسنواتها ولدن كل عجيب، فالذي يبدو جلياً للعيان هو ان مبدأ التمكين لم يؤتِ اكله، ولم تبذل شجرته ما كان مرجواً من الثمر. إذ لو فعل لما كانت النظام على الحال الذي هو عليه اليوم، ولما كانت اجهزة الدولة بمختلف وكالاتها وفروعها، بما فيها قطاعات السيادة، التي تعج بهذا الحشد الحاشد من الكادرات التنفيدية والنظامية التي حسبناها من اهل الموالاة، تعاني ما تعاني من قلة الأمان وتصاعد الدخان!
ماذا جرى؟ ماذا حدث؟ ألم يكن هؤلاء جميعاً من الأقوياء المؤتمنين اهل الثقة؟ فكيف انتهت الدولة الانقاذوية الى أيدى قومٍ اذا وقع الواحد منهم على وثيقة سرية من وثائق الثغر الذي يقف عليه، انتزعها من اضبارتها انتزاعاً، ثم حملها لفوره الى حيث يستنسخها، ثم يدفع بها الى الحواسيب والهواتف الذكية لا يلوي على شئ؟!
(6)
باعتباري مستشاراً متطوعاً لأحبابي في العصبة المنقذة اقترح عليهم واحداً من حلين، لعل الله يعجل بالشفاء في احدهما، الاول: أن يعودوا ادراجهم، والعود احمد، الى سنة الفصل للصالح العام، فيلقون الى عرض الطريق، كما فعلوا من قبل، بكل هؤلاء المشتبه فيهم. عسى ان يبدلهم الله بمن هم خيرٌ منهم، ممن يحفظون العهد، ويكتمون السر، ويصونون وثائق الدولة، فيكون التمكين الثاني، من بعد التمكين الاول. وميزة هذا الحل هو انه يرضى الحكومة والمعارضة معاً، من حيث كونه يؤمن اجهزة الحكومة ويخليها من المشتبه في تسريبهم للوثائق، ويدعم المعارضة في ذات الوقت، ويعزّ (او يعزز) ناديها بعشرات الآلاف من اللاجئين السياسيين المناضلين الجدد في دول الشتات!
أما المقترح الآخر، الذي اوصي به وازكيه، فهو ان تقلع اجهزة الدولة الانقاذوية عن شغل الكتابة اليدوية والالكترونية قولاً واحداً، فلا توثق لسياساتها وقراراتها ومخاطباتها. وتستغني عن الطابعات والطابعين من العاملين والعاملين، ثم تلقى بالحواسيب وآلات الطباعة الاخرى برمتها في عرض النيل.
في الدولة الجديدة ستتم ادارة الشؤون العامة ومتابعتها من خلال الحديث الشفاهي المجرد، بدون كتابة، فلا ورق ولا قلم ولا بطيخ. وسيقتصر التواصل بين قادة الدولة وكوادرها على المهاتفات الهاتفية والرسائل النصية، فضلاً عن تبادل الحديث وجهاً لوجه.
ولن تكون دولتنا الانقاذوية نسيج وحدها ولا بدعاً في ذلك النهج، فقد سبقتنا اليه اليمن في عهد الامام حميد الدين. لم تكن دولة حميد الدين تأبه بالكتابة والطباعة والتوثيق، فكانت كل المخاطبات داخل قصر الحكم في صنعاء تتم شعراً. نعم شعراً، بكسر الشين وتسكين العين. يذهب الموظف الى الوزير او الى الامام ويرتجل قصيدة يضمنها غايته، فيرد عليه المسئول الاكبر بأبيات اخرى يرتجلها، ثم تنتهي المعاملة الحكومية. وكانت دولة الامام حميد الدين بسبيلها لتكون مثالاً للدول الناجحة، لولا انقلاب عبد الله السلال عام 1962!
فلتتحول دولة الانقاذ إذن الى الشعر المرتجل لادارة شئونها، حسماً لمعضلة تسرب الوثائق المكتوبة، ونكاية في معارضيها المفتونين بسرقة اوراقها. 
لن يجد المعارضون بعد اليوم طروساً مكتوبة يتقافزون بها ويتغامزون فوق سماوات الاسافير، ويغيظون الحكومة، ويفقعون مرارتها، هي ومشايعيها؟!

نقلا عن السوداني

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً