بلادي وان جارت علي عزيزة.. وأهلي وان ضنوا علي كرام… هكذا نظم الشاعر هذه الحروف في بيت من الشعر، فهل كان صادقاً فيما نظم، وفيما قال أم جانبه الصواب قليلاً أو كثيراً. على كل حال، إذا لم يكن صادقاً فهو صادق، فهي الأوطان، والكلام عنها لا عن غيرها، وحبها من المسلمات، ان رضينا أو أبينا، طوعاً كان حبنا فيها أم أتي كرهاً.
وغني كثير وكثير جداً من شعراء بلادي في حب بلادي، المترامية الأطراف، الغنية في مخفيها والفقيرة في ظاهرها، فهو افقار لا فقر، وسموها عزة، وغنوا وغنينا معاً، بصوتنا العالي الغريد، في فخر أم في هستيريا مجنونة، لا يهم، المهم أننا ترنمنا وأننا تغنينا، “عزة في هواك نحن الجبال…” هل سموها أو سميناها عزة، لأن اسمها يخلو من الجمال، وليس فيه لمحة من لمحاته؟ وهل اسمها يفتقر لأي صفة من صفات الجمال المعروفة؟ ولماذا لا نسميها “كوش”؟!!! انها موضوع خلاف، وأنها مسألة خلافية، وما أكثر خلافاتنا غير الموضوعية، فلنتركها الي حينها، والي أن يأتي وقتها، فليحتفظ كل واحد فينا بما يعشعش في داخله من شعور، ان كان شعوراً سالباً أو كان ايجابياً، ويخبئ كل منا ما يضمره في دواخله من تشاؤم أو من تفاؤل. وهل هناك من يحمل الواقعية احساساً في داخله وبين جنبيه. فالواقعي هو الذي نحتاج بشدة، فهو الذي يُعتمد عليه في بناء الأوطان، لا ذلك ولا ذاك..
وهل يعلم الناس، ولو بعضاً منهم، بأن في أرضنا وفي كثير من أرجائها، تُمحى الفوارق وتُلغى، تلك التي تميز الانسان عن الحيوان.. فيتشاركان، انساناً وحيواناً، في الشرب وفي وسائله، وفي الطهارة وفي أسبابها، وفي بعض الأحيان الكثيرة، في الأكل وفي مصادره.. مساواة منقطعة النظير.. عجزت كل الأديان في أن تأتي بمثلها. وهناك من يموتون بدون ما يدرون، لماذا؟ ولكنهم يموتون ويُقتلون ويُعذبون ويُشردون؟ لماذا؟ لا إجابة!
وهناك من تقتله الأمراض المتخلفة من ملاريا ومن كوليرا ومن بلهارسيا ومن حمى، ومن غيرها، وهناك من يموت من الجوع، فهل نحن متخلفون؟ فليس هناك صحة ولا يوجد هناك رعاية ولا أدنى اهتمام.. والكهرباء عزيزة جداً في هذه الأرجاء، وهي دائماً مغتربة، وفي البُعد حنية، ونادراً ما ترضى أن تعود لتزور المكان.
والنيل، نيلنا العظيم سليل الفراديس، الذي يضم مياهه العزيزة الغزيرة، دائماً هو شحيح، وبخيل على انسانه وعلى حيوانه وعلى نباته، يا سبحان الله، ماذا هناك؟ ماذا هناك؟
وقال انسان… هذي الأراجيز يا أمـــــــــــــــــــــــاه من كـــبد السمـاء
من حيث يتعـب بالشمـوس الغـــــــــــــــــــر سير الكبرياء
من حيث يحتصد الرصاص صـــــــــدور كل الأبرياء
من حيث يسخر بالمشانق اعتناق الشرفــاء
من حيث يعصف بالزلازل احتشاد الأتقيـاء
من حيث تحتشــــــــــد السجون جحــــــــــــــــــــــافلاً للأوفيــاء
من حيث يلتقــــــط الرســــــــــــــــــــــــالة قلب كـل الأنبيــاء
من حيث كــــــل الكون حــــــــــــــــــقٌ وســلامٌ وضيــاء
من حيث ما كــــــــــــــــــــــــــــــذب الفـؤاد ولا ألمّ به الريــاء
من حيث ينبوع المحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبة والجـلالة والبهــاء
من حيث لا بــــــــــــــــــــدء ولا ثـــــــــــــــــمّ انتهاء
إنها محــــــــــــــــــــــض خشـــــــــــــــــــوع وصـــلاةٌ ودعــــــــــــاء
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم