بقلم: السر جميل
تتراءى الحياة الدنيا في كثير من محطات اختباراتها كلوحة بالغة التعقيد، يتداخل فيها بياض الطهر بسواد التمرد، وتتنازع القلوب فيها بين جاذبية الأرض ونداء السماء. وحين يتأمل الإنسان في صفحات التاريخ الإنساني والنبوي، يدرك أن أعظم الخلق قدراً وأرفعهم منزلة، لم يستثنوا من أقسى ابتلاءات القرب وأوجاع الأهل. فالمحنة في محيط العائلة قد تكون أحيانا هي المحك الحقيقي الذي تصاغ فيه معادن العظماء، وتتجلى فيه آيات الصبر والاصطفاء الرباني.
إن التأمل العميق في مسيرة الأنبياء والمرسلين يكشف لنا عن حقيقة دامغة مفادها أن النبوة والاصطفاء لا يمنعان وقوع البلاء الداخلي، بل ربما كانا سببا لابتلاء أشد عمقا وأعظم وقعا على النفس. لقد كان لنوح عليه السلام ابن عاق عصى أمر ربي وأبى إلا أن يكون في المغرقين، فوقف نبي الله يصارع ألم الأبوة وغرق الثمرة أمام عينيه، صابرا محتسبا. وفي محراب التوحيد، كان لإبراهيم خليل الرحمن أب كافر يعبد الأصنام ويحارب دعوته بالتهديد والوعيد، فما زادت الأيام إبراهيم إلا حلما ولطفا في محاولة هدايته، حتى بان أمر الله.
ولا تنتهي السلسلة عند هذا الحد، فها هو لوط عليه السلام يبتلى بزوجة متمردة كانت من الغابرين، تخون الرسالة في مخدعها وتتآمر على ضيوفه الكرام، فكان طعم الألم أشد مرارة لكون الخذلان قادما من شريك الحياة. وإذا ما انتقلنا إلى قصر الطغيان الفرعوني، سنجد امرأة فرعون “آسيا”، التي رعت الإيمان في قلبها وسط محيط من الكفر المطلق، مبتلاة بزوج ادعى الربوبية وقال: “أنا ربكم الأعلى”، فصبرت على أشد أنواع العذاب حتى أخلصت قلبها لله. وأما سيد الخلق وخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رماه عمه أبو لهب بالعداء السافر، ونزل فيه قرآن يتلى إلى يوم القيامة، فكان سهم القربى أدمى للقلب من سهام الغرباء.
من هنا تتجلى الحكمة البليغة والحقيقة التي لا تقبل الشك: “فلا تعاير أحداً بأقاربه، فما بلاء الأقارب إلا من نصيب العظماء”. فالإنسان لا يؤاخذ بخطيئة أبيه، ولا بتمرد ابنه، ولا بانحراف زوجه أو عمه، وإنما يؤاخذ من سايرهم وطلب إستراضهم، فالنفوس طاقات مستقلة في الإيمان والكفر، والتقوى هي المعيار الأوحد عند الله سبحانه وتعالى. وإن معايرة الناس بأقاربهم نهج جاهلي وسقوط أخلاقي، ينافي الفهم السليم لسنن الابتلاء الكوني، إذ العبرة بالخواتيم والتمسك بالحق لا بالانتساب الجغرافي أو الدموي للرجال.
ولكن، وسط زحام هذا الألم العائلي والابتلاء القارص، لا ينبغي للمصلح أو الداعية أن يلتفت إلى من حاد عن طريق الحق أو أصر على الضلال، بل عليه أن يتخذ من النهج الرباني بوصلة ومسارا. إن المنهج الإلهي يأمرنا بالدعوة بالحسنى، وهي أحسن وأقوم، كما قال عز وجل: “ادع إلى سبيل ربك بالحسنى والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”. فالكلمة الطيبة واللين في الخطاب والقدوة الحسنة هي أسلحة الأنبياء، التي تذوب قسوة القلوب أو تقيم الحجة البالغة أمام الله.
وفي نهاية المطاف، وبعد استفراغ الوسع وبذل أقصى جهود النصح والهداية، يجب أن يستقر في يقين الداعية أن الهداية التامة ليست بيده، بل بيد مقلب القلوب. قال تعالى مخاطبا نبيه الأكرم: “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”. وحين تنغلق الأبواب وتستحكم حلقات العناد، يأتي التوجيه القرآني الحاسم بالبراءة من أفعالهم والوقوف على ثوابت الحق بسلام وكرامة، مصداقا لقوله تعالى في آخر المطاف: “لكم دينكم ولي دين”.
إن العظماء الحقيقيين هم الذين لا تكسرهم رياح الجحود العائلي، ولا تثبط عزائمهم خيانات الأقربين، بل يستمدون من وسط هذه الرماديات نورا يضيئون به دروب البشرية جمعاء، واثقين بأن العاقبة للتقوى، وأن جزاء الصابرين يوفى بغير حساب.
