بسم الله الرحمن الرحيم`
من رسائل النور والظلام
علي الكنزي
alkanzali@gmail.com
أما قصة الكنزي فجرت أحداثها في يوم من أيام شهر يوليو ١٩٧٩، بين القصر الجمهوري، وام مرح (بلد الشيخ الطيب ود البشير) الواقعة شمال أمدرمان ، وحي ودنوباوي بامدرمان، وحي كوبر ببحري. ففي ذلك اليوم من أيام الخريف، والغمام يحجب ضوء الشمس وأشعتها الحارقة، ساعتها كانت أقصان الأشجار وأزهار حدائق القصر الجمهوري ترقص طرباً وتتمايل خجلاً، منتشية بدعاش الخريف ورزاز المطر وصوت العصافير التي تغرد على أغصانها من كل ناحية. إلا أن الرئيس نميري القابع داخل مكتبة بالقصر الجمهوري، كان شعوره مغايراً للحالة التي عليها حدائق القصر. كأنه غاضبٌ، وما هو بغاضب، وكأنه مندهشٌ وما هو بمندهش، وكأنه واقفٌ يترقب، وما هو بواقف ولابمترقب، ولكن تبدو على وجهه ملامح الحيرة والانتظار.
أدار قرص الهاتف في عجلة واضطراب، وكان المتحدث في الجانب الأخر نائبه اللواء عمر الطيب، طلب منه أن يأتيه عاجلاً، فجاءه عمر من أقصى القصر يسعى مهرولاً لعله يرضى. وآخذ الرئيس برأسه يجره إليه وهو غضبان آسفاً، وابتدره قائلاً:
-ـ هل الرواية التي سمعتها حقيقة يا عمر؟
ـ فك رأسي أولاً سيدي الرئيس ولا تشمت بي الأعداء، ثم عن أي رواية تتحدث فالروايات كثر؟!
ـ ألم تسمع يا عمر أن (بلة الغائب) قد خرج من السجن ليلة أمس رغم القيود والسلاسل التي عليه؟!
صمت عمراً صمتاً مريباً فاغراً فاه ومطبقاً عليه بكفيه في أشارة للسانه وشفتيه أن يمتنعا عن الكلام والرد على الرئيس، كما تفعل شهرزاد وتسكت عن اللكلام المباح عند كل صباح، لأن الرد على سؤاله سيكون مزهلاً وربما يغضب الرئيس أكثر. مرت ثانوي معدودات حسبها النميري دهراً، واشتط غاضباً:
ـ “لم تجبن يا عمر؟”
ـكيف أجيبك سيدي الرئيس، الأمر أدهى وأمر! سيدي المشير لست أدري أنعيش نحن في عهد سليمان أم ماذا!!! فالأمر فيه سحرٌوجنٌ وتنزيلٌ (والتنزيل هو وجود اموال كثيرة دون تفسير لوجودها).
ـ ماذا تقول يا عمر؟! هل ألم بك مس من الشيطان أما ماذا؟
ـ لا لا، كالا سيدي الرئيس، فالأمر أعظم مما تتصور!
ـ إذن تعجل، قل لي ما وراءك!
ـ بلة الغائب سيدي الرئيس!
ـ ما به بلة الغائب يا عمر؟
ـ بله الغائب الآن بمكتبي مقيداً بالسلاسل. ذهلتُ وأنا أراه أمامي، دخل إلى مكتبي، من أين دخل لستُ أدري؟ بادرني بالقول إنه يريد لقائكم سيدي الرئيس، لأن هناك وصية هامة يحملها لكم من (نبي الله الخضر).
قام النميري من كريسه مضطرباً وكأنه مذعور، وابتدر عمر قائلاً:
ـ أتصدق هذا الرجل الدجال على دعواه، أعلم إن له جني يخدمه، ولكن دعه يأتيني وبغير سلاسل.
فلما دخل بلة الغائب على الرئيس خاطبه قائلاً: “يا سيدي الرئيس إن نبي الله الخضر جأني في السجن وأخرجني منه، ثم قال لي: تذهب غداً للرئيس نميري وتعطيه هذين الكيسين، وقل له أن يعطي أحدهما لرائد في الجيش اسمه عمر حسن أحمد البشير، وليأخذه رفيقاً له وليعتكفا في غار الشيخ الطيب ود البشير في أم مرح، وعليهما البقاء هناك حتى إشارة أخرى”.
بحضور نائبه وبلة الغائب فض الرئيس الكيسين بايدي مضطربة وفي عجل، ووجد في كل واحد منهما مبلغ تسعة ألف جنيه سوداني. وقال مخاطباً لبلة الغائب: وماذا أفعل بهذه النقود؟ فأجابه: “أن نبي الله الخضر يأمرك بأن تستبدل نصيبك منها للدولار الأمريكي، أما نصيب الرائد عمر حسن أحمد البشير فيبقى على حاله بالجنيهات السودانية”. أراد الرئيس أن يواصل حديثه مع بلة الغائب، إلا أن بلة أختفى كإختفاء الشمس من راء السحب في ذلك اليوم الخريفي.
بدأ الرئيس على عجلة من أمره، وأمر نائبه أن يتصل بقيادة الأركان لتبحث له عن الرائد عمر حسن أحمد البشير، ويأتوا به مسرعين كما فعل الرجل الصالح بعرش سبأ. كما طلب منه استبدال التسعة ألف جنيه سوداني إلى دولارات أمريكية من بنك الخرطوم المجاور للقصر.
في المساء عاد عمر بعمر، وبسبعة وعشرين ألف دولار أمريكي (٢٧٠٠٠) مقابل التسعة ألف جنيه سوداني التي طلب منه الرئيس استبدالها. ساعتها كان الرئيس مجتمعاً بحكومته وقادة جيشه وشرطته، وقادة الإتحاد الإشتراكي ليخطرهم بغيابه الطارئ الذي قد يطول أويقصر. وسمعه يقول: “ أيها الأخوة الأحباب قادة جيشنا الأبي، والوزراء الكرام، وأخوتي قادة شرطتنا الساهرة على أمننا، وأخواني واخواتي قيادات الإتحاد الإشتراكي العظيم حزب الجماهير في الريف والحضر، وحزب والطبقة العاملة،وحزب الفلاحين والكادحين والطبقة المثقفة المنحازة للجماهير، يا أبناء شعبي الأبي، أبلغلكم أنه قد أتاني زائر هذا الصباح، وابلغني برسالة من نبي الله الخضر يأمرني فيها أن أعتكف بغار أبونا الشيخ الطيب في امرح، وبصحبتي أخي في الله الرائد عمر حسن أحمد البشير، فهذه وصية يتوجب علي تنفيذها حرفياً، ليس لديَ ما أضيفه أيها الأحباب، وأعلموا أني قد حملتُ متاعي، وأنا ذاهب لتوي هذه الليلة إلى هناك وسألقاكم بعد خروجي من الغار إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
حدث هرج ومرج وأختلطت الأصوات، فالكل لم يكن في حسبانه ما قاله الرئيس. في تلكم اللحظة حاول أحد الوزراء إثنائه عن أمره، وتداخل حديثه مع حديثقادة الجيش وعويل قادة الاتحاد الأشتراكي، والكل يدعو الرئيس للتريث في أمره، محاولين إثنائه عن قراره، خاصة أنه لم يقطع تاريخاً محدداً لعودته. ولكن النميري عُرِفَ أنه لا يتراجع عن قراراته،لهذا لم يعر حديثهم إهتماماً، ولم يستمع لشفاعتهم، وفض الإجتماع، وخرج قاصداً العربة الرئاسية التي كانت تنتظره عند مدخل القصر من ناحية النيل الأزرق وبجوفها الرائد عمر البشير.
(رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم