بمناسبة الانتخابات الرئاسية في يوغندا: لماذا تظلّ السلطة في أفريقيا بيد كبار السن؟

بمناسبة الانتخابات الرئاسية في يوغندا:
لماذا تظلّ السلطة في أفريقيا بيد كبار السن؟

د. أحمد التيجاني سيد أحمد
١٦ يناير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
Ahmed sidahmed.contacts@gmail.com

تمهيد

قرأتُ اليوم مقالًا في مجلة الإيكونومست البريطانية يخلص إلى أن الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني سيفوز للمرة السابعة في الانتخابات الجارية، وهي انتخابات تُقمع فيها، بطبيعة الحال، أي معارضة فعلية. كما أكّد الرئيس اليوغندي، في حديثه لمراسلة سكاي نيوز عربية يسرى الباقر، أنه يفوز دائمًا لأن من حاولوا منافسته سقطوا تباعًا خلال الأربعين عامًا الماضية. وأضاف، بلا مواربة، أن تعطيل الإنترنت أيام الانتخابات حقٌّ مستباح له، بحجة أنهم هم من أدخلوا الإنترنت، ولهم أن يغلقوه ويفتحوه كما يشاؤون.

وعلى الرغم من كل ذلك، يشهد كثيرون لموسيفيني بقيادته لأوغندا خلال ظروف بالغة الصعوبة منذ استيلائه على السلطة بالقوة المسلحة، كما يُنسب إليه إدخال قدرٍ من الاستقرار وتحقيق بعض التقدّم الاقتصادي والسياسي.

أفريقيا: أغلبية شابّة وسلطة هرِمة

رغم أن أفريقيا هي القارّة الأكثر شبابًا في العالم، ما تزال السلطة السياسية فيها حكرًا على قيادات متقدّمة في العمر، بينما تُقصى النساء والأجيال الجديدة من مواقع القرار. هذه المفارقة ليست ثقافية ولا قدرية، بل هي نتاجٌ بنيويٌّ لتاريخ الدولة الأفريقية، وطبيعة تشكّل السلطة، وضعف المؤسسات.

في مساحاتٍ واسعة من أفريقيا، ما تزال السلطة السياسية متركّزة في أيدي كبار السن، بينما تُقصى النساء والأجيال الشابة إلى الهامش. هذا الواقع ليس قدرًا ثقافيًا، ولا انعكاسًا لاحترام الخبرة أو التقاليد، بل نتيجة مباشرة لكيفية تشكّل الدولة الأفريقية الحديثة، ولطرائق حماية السلطة، ولمعايير الشرعية السياسية السائدة.

تهيمن على المشهد الأفريقي اليوم قيادات في السبعينيات والثمانينيات من أعمارها، كثيرٌ منها يحكم منذ عقود طويلة.

  • في أوغندا، يحكم يوري موسيفيني منذ عام ١٩٨٦.
  • في مصر، يقود عبد الفتاح السيسي — وهو مشيرٌ سابق — دولةً عسكريةً شديدة المركزية.
  • في تشاد، انتقلت السلطة من إدريس ديبي إلى محمد إدريس ديبي عبر المؤسسة العسكرية.
  • وحتى في دول تُعدّ أكثر ديمقراطية، مثل جنوب أفريقيا وتنزانيا، ما تزال السلطة الفعلية بيد رجالٍ متقدّمين في السن داخل أحزابٍ مهيمنة.

قيادة بلا نساء… وشباب خارج القرار

النساء في مواقع القيادة نادرات. أمّا الشباب — على الرغم من أنهم يشكّلون غالبية السكان — فلا يزالون مستبعَدين إلى حدٍّ كبير من السلطة التنفيذية.

الأسباب تاريخية ومعقّدة

غالبًا ما يُفسَّر هذا الواقع بالثقافة أو التقاليد. وهو تفسيرٌ مريح، لكنه خاطئ. هيمنة كبار السن على السياسة الأفريقية ليست تعبيرًا عن تفضيلٍ مجتمعي، ولا نتيجة نقصٍ في النساء أو الشباب القادرين على القيادة. إنها حصيلة تاريخٍ سياسيٍّ تشكّلت فيه السلطة بالقوة، وتُحمى بالقوة، وتُعرَّف فيه الشرعية بغير الأداء والمؤسسات.

نشأت السلطة في معظم الدول الأفريقية من كفاحاتٍ مسلّحة، أو انقلاباتٍ عسكرية، أو تسوياتٍ أمنية. جرى الاستيلاء على الحكم، لا تفويضه. وتدفّقت الشرعية من السيطرة على الجيوش وأجهزة الاستخبارات، لا من صناديق الاقتراع. وحين تُكتسب السلطة بالقوة، تُصان بالقوة.

لا يزال كثيرٌ من القادة يحكمون باستدعاء الماضي: “التحرير”، أو “الإنقاذ”، أو “الاستقرار”. في هذه المعادلة، يتقدّم التاريخ على الأداء، وتتحوّل الانتخابات إلى طقوسٍ شكلية بدل أن تكون لحظاتٍ للتجديد.

تسير السياسة في عددٍ كبير من الدول الأفريقية وفق منطق الثكنة: تراتبية صارمة، طاعة، سرية، وأقدمية. وهي أنظمة يغلب عليها الطابع الذكوري وتقاوم التغيير بطبيعتها. النساء والشباب — الذين غالبًا ما يصعدون عبر التفاوض والعمل المدني — يُقصَون بنيويًا.

ضعفُ المؤسسات يجعل مغادرة الحكم مخاطرةً وجودية

ضعفُ المؤسسات يجعل مغادرة الحكم مخاطرةً وجودية. القضاء مُسيَّس، والبرلمانات مُضعَفة، والدساتير تُعدَّل على مقاس الحاكم. خسارة السلطة قد تعني المنفى أو السجن أو ما هو أسوأ. في ظلّ هذه الشروط، يصبح البقاء في المنصب مسألة بقاءٍ شخصي.

وعندما تصل النساء إلى السلطة، يحدث ذلك غالبًا بعد حربٍ أو أزمةٍ أو وفاة، أو داخل أنظمةٍ شديدة القيود. هذا لا يعكس نقصًا في الكفاءة، بل حواجزَ هيكليةً عميقة.

تُظهر تجربتا جنوب أفريقيا وتنزانيا أن الانتخابات وحدها لا تضمن التجديد. فشرعية “التحرير” وهيمنة الأحزاب الكبرى ما تزالان تحدّدان مسار القيادة.

الخلاصة

الخلاصة واضحة:
يحكم كبار السن معظم الدول الأفريقية لأن السلطة متجذّرة في القوة، والشرعية مربوطة بالماضي، والمؤسسات ضعيفة، والتداول محفوف بالمخاطر، والأنظمة تكافئ الاستمرارية أكثر مما تكافئ التغيير.

لا تفتقر أفريقيا إلى النساء أو الشباب القادرين على القيادة؛ بل تفتقر إلى أنظمةٍ تسمح للحكام بمغادرة السلطة بأمان.

المراجع

١. يوري موسيفيني، رئيس أوغندا منذ ١٩٨٦.
٢. عبد الفتاح السيسي، رئيس مصر منذ ٢٠١٤.
٣. إدريس ديبي (١٩٩١–٢٠٢١) ومحمد إدريس ديبي، تشاد.
٤. سامية صلوحو حسن، رئيسة تنزانيا منذ ٢٠٢١.
٥. جنوب أفريقيا: المؤتمر الوطني الأفريقي، والرئيس سيريل رامافوزا.

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

من ذكرى محمود محمد طه إلى أفق الدولة التأسيسية

من ذكرى محمود محمد طه إلى أفق الدولة التأسيسية . الدعم السريع، القطيعة مع الكيزان، …