(لعناية النائب العام – تأسيس)
🖋️ د. محمد عثمان
من حق كل مواطن في مناطق سيطرة التأسيس أن يعرف أين تذهب أمواله، وكيف تُدار معاملاته المالية، ومن يتحمل مسؤولية حماية مدخراته. وتزداد هذه الأسئلة إلحاحاً حين يُدفع الناس إلى التعامل مع بنك وحيد حديث التأسيس، من دون أن تتوفر أمامهم معلومات كافية عن ملكيته، ومصادر تمويله، والجهة التي منحته الترخيص وتراقب أعماله.
أول ما يحتاج إلى توضيح هو هوية بنك المستقبل وطبيعة علاقته بحكومة التأسيس والسلطة النقدية التابعة لها. فمن يملكه فعليًا؟ وفي أي دولة سُجّلت الشركة المالكة له، إن وُجدت شركة أم؟ ومن هم المساهمون فيه والمستفيدون الحقيقيون من ملكيته؟ وهل يوجد بين المساهمين أو أعضاء مجلس إدارته أشخاص يشغلون مواقع قيادية في سلطة التأسيس؟ وما حجم رأس ماله المدفوع؟
ومن الجهة التي منحته الترخيص المصرفي؟ وهل هو بنك مملوك للدولة أم شركة مساهمة خاصة أم شركة مساهمة عامة؟ وكيف جرى اختيار أعضاء مجلس إدارته وتعيين العاملين فيه؟ وهل تم الإعلان عن الوظائف عبر مكاتب العمل إن كانت القواعد القانونية تقتضي ذلك؟ وإذا كانت المؤسسة مملوكة للحكومة، فأين قانون إنشائها وقرار تشكيل مجلس إدارتها؟ أما إذا كانت مؤسسة خاصة، فما الأساس القانوني الذي يسمح لها بالاستحواذ على هذا الموقع في التعاملات المالية، وما الذي يبرر ترويج المؤسسات الرسمية لحكومة التأسيس لها؟ إن الكشف عن هذه المعلومات ضروري لتحديد طبيعة العلاقة بين البنك والسلطة، والتحقق من أي تضارب محتمل في المصالح، وضمان خضوع المؤسسة للقواعد التي تحكم العمل المصرفي.
وتزداد الحاجة إلى التحقق مما يُتداول عن البنك، خاصة ما يُنسب إلى مسؤولين فيه من أن لديه نحو ألفين وستمائة فرع حول العالم، رغم أن تأسيسه يعود إلى يناير 2026. كيف أمكن الوصول إلى هذا العدد في فترة وجيزة؟ وهل المقصود فروع يملكها ويديرها مباشرة، أم شبكة من الوكلاء والشركاء؟ فالفرق كبير بين الأمرين، ولا يكفي إعلان رقم ضخم لإثبات القدرة التشغيلية أو الملاءة المالية. المطلوب بيانات موثقة تسمح بالتحقق من حقيقة هذا الانتشار.
غير أن الموضوع الأكثر اهمية يتعلق بمرتبات الجنود والموظفين الذين يتقاضون مستحقاتهم بالدولار. فبحسب ما يُتداول، يشتري كل من بنك المستقبل وتجار ومافيا العملات الدولار منهم بنحو نصف قيمته (المُناظِرة) في مناطق سيطرة الجيش. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الجنيه المتداول في مناطق التأسيس يعادل نظيره في مناطق سيطرة الجيش داخل التطبيقات المصرفية. فإذا كانت قيمة الجنيه متساوية في الجانبين ضمن هذه التطبيقات، فما الذي يبرر شراء الدولار من الجنود والموظفين بنحو نصف قيمته المُناظِرة؟ وعلى أي أساس يُحدَّد سعر الشراء؟ وما هي الجهة الحكومية التي تحدد هذا السعر؟ ومن المستفيد من هذا الفارق الكبير؟
العامل الذي يتقاضى راتبه بالدولار ثم يضطر إلى بيعه بنحو نصف قيمته يجد نفسه أمام خسارة فادحة في دخله الفعلي، ويقع تحت رحمة البنك والوسطاء الذين يحددون أسعار الشراء والتحويل والعمولات. وهنا لا يعود الأمر مجرد خلل في سوق الصرف، بل يصبح مسألة تتعلق بحماية حقوق العاملين من الاستغلال. والأجدر بحكومة التأسيس حماية مواطنيها من الاستغلال بأن تصرف مرتبات الجنود والموظفين بالجنيه السوداني، وفق سعر تحويل معلن وعادل يتسق مع الأسعار المُناظِرة في مناطق سيطرة الجيش، مع توضيح طريقة احتساب المرتبات وضمان عدم انتقاص قيمتها بقرارات صرف غير معلنة.
وإذا كانت الحكومة قد اختارت صرف العملات الصعبة لموظفيها وجنودها، فعليها أن توضح أسباب هذه السياسة، والأساس الذي تستند إليه، وما إذا كانت تحقق مصلحة عامة أم تبدد النقد الأجنبي. فالدولار مورد محدود تحتاجه المستشفيات ومشروعات التنمية وبرامج إعادة التأهيل للمناطق التي أنهكتها الحرب، وليس مجرد عملة لشراء المواد الاستهلاكية المحلية على حساب هذه الأولويات. وهذا يثير شكوكاً حول كفاءة الحكومة في إدارة مواردها النقدية المحدودة وتحديد أولويات استخدامها. ومن حق المواطنين أن يعرفوا حجم العملات الأجنبية التي تمر عبر بنك المستقبل، ومن يراقبها، وكيف تُستخدم، وما إذا كانت تُدار وفق أولويات اقتصادية معلنة، أم أن آليات تداولها تفتح الباب أمام المضاربة والاستغلال.
ويبرز هنا سؤال آخر لا يقل أهمية: أين تذهب الدولارات التي يستحوذ عليها البنك من مرتبات العاملين؟ هل يحتفظ بها، أم يعيد بيعها لتجار ووسطاء بأسعار أعلى، أم يحولها إلى جهات خارجية؟ أم يستثمرها في مشروعات تنموية بالإقليم؟ وهل تصل هذه الأموال إلى شبكات من الوسطاء تتعامل مع أسواق مناطق سيطرة الجيش، فتجني أرباحاً من فروق الأسعار على حساب أصحاب المرتبات؟ لا تكفي التخمينات للإجابة عن هذه الأسئلة. المطلوب تتبع حركة هذه الأموال والكشف عن الجهات التي تتعامل معها والمستفيدة منها.
إن تجارب السودان مع الاحتيالات المالية، ومنها قضية سوق المواسير في شمال دارفور، تفرض التمييز بين المظاهر التي توحي بالثقة والضمانات الفعلية التي تحمي أموال المواطنين. فوجود فروع متعددة أو انتشار التطمينات لا يكفي لإثبات سلامة المؤسسة المالية أو ضمان حقوق عملائها.
ومن هنا، تبرز ضرورة الكشف عن الوضع القانوني لبنك المستقبل، وحجم رأس ماله المدفوع، والجهة الرقابية المسؤولة عنه، والآلية القانونية المعتمدة لحماية أموال المودعين واستردادها عند تعثر البنك أو توقفه عن العمل. كذلك، على أي أسس تُحدد الأرباح أو العوائد الممنوحة لأصحاب الأموال، وما المخاطر التي يتحملونها في مقابلها؟ والكشف عن البنوك العالمية المراسلة التي يعتمد عليها بنك المستقبل لتنفيذ عمليات التحويلات من الخارج للداخل، والعكس؟
هذه تفاصيل ومعلومات أساسية يجب أن تكون متاحة في العلن، في ظل غياب بنك مركزي فعلي، قبل أن يضع المواطنون مدخراتهم لدى أي مؤسسة مالية، فيصبحوا على سوق مواسير جديد. فالثقة المالية لا تُبنى بالترويج الإعلامي، وإنما بالشفافية والرقابة الفعالة والضمانات القانونية الواضحة.
من هنا، فإن المطلوب من رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي التابع لحكومة التأسيس إصدار توضيح علني ومفصل بشأن ملكية بنك المستقبل، ومصادر تمويله، وأساس ترخيصه، وطبيعة علاقته بالحكومة، وحقيقة عدد فروعه، وآلية تحديد أسعار الصرف، ومصير الدولارات التي يشتريها من الجنود والموظفين، والضمانات المقدمة للمودعين.
ونناشد النائب العام الاضطلاع بمسؤولياته المهنية والأخلاقية في حماية حقوق المواطنين، وفتح تحقيق جاد ومستقل في الوقائع المثارة، والتحقق من المستندات والمعاملات المالية ذات الصلة، والكشف عن أي شبهات فساد أو استغلال للنفوذ أو تضارب في المصالح تثبتها الأدلة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون.
كما نطالب المراجع العام والجهات الرقابية المختصة بفحص أعمال البنك ومراجعة عملياته المالية والتوظيفية، وإعلان نتائج التحقيقات والمراجعات للرأي العام. فالتعامل مع أموال المواطنين ومرتبات العاملين يقتضي الوضوح والشفافية، ولا يجوز أن تكون لأي جهة حصانة من المساءلة بحكم موقعها أو صلتها بالسلطة.
فالثقة لا تُطلب من المواطن قبل أن يعرف أين يذهب ماله، ومن يحدد قيمته، ومن يضمن عودته إليه. ولا تستقيم إدارة الشأن العام من دون شفافية ومحاسبة، ولا تكون حماية المال العام حقيقية ما لم يخضع الجميع للقانون، مهما كانت مواقعهم أو علاقاتهم.
