باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 12 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

بهدوء….لماذا لا ينبغي السماح للبرهان بقيادة السودان بعد الحرب؟

اخر تحديث: 12 أغسطس, 2026 11:53 صباحًا
شارك

علاء خيراوي
ليس لأننا نكرهه، وليس لأن القضية خصومة شخصية معه، ولا لأن السودان يحتاج بعد هذه المأساة إلى استبدال جنرال بجنرال آخر. المسألة أكبر من الأشخاص وأخطر من المواقف السياسية العابرة. السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون بهدوء وبعيداً عن العاطفة، وقبل أن تصمت المدافع وتبدأ ترتيبات ما بعد الحرب، هو؛ هل يستطيع الرجل الذي كان في قلب انهيار الانتقال الديمقراطي، وقاد انقلابًا عسكريًا، ثم انتهت البلاد تحت قيادته إلى حرب مدمرة، أن يقدم نفسه بعد كل ذلك باعتباره الرجل المناسب لبناء السودان الجديد؟

للإجابة لا نحتاج إلى الشتائم ولا إلى المبالغات ولا إلى قراءة النوايا. يكفي أن نفتح دفتر السنوات الممتدة منذ أبريل ٢٠١٩، عندما ظهر عبد الفتاح البرهان في مقدمة المشهد السياسي، وحتى اليوم. فالسياسة في النهاية لا تُقاس بما يقوله المرء عن نفسه، وإنما بما فعله عندما أصبحت السلطة بين يديه. في ١١ أبريل ٢٠١٩ سقط عمر البشير بعد ثلاثين عامًا من الحكم، لكن السلطة لم تنتقل إلى المدنيين الذين صنعوا الثورة. تولى المجلس العسكري الانتقالي الحكم، وبعد تنحي عوض بن عوف أصبح البرهان في ١٢ أبريل رئيسًا للمجلس العسكري الانتقالي. كانت تلك لحظة تاريخية نادرة؛ كان يمكن للمؤسسة العسكرية أن تحمي الانتقال، وأن تعيد الجيش إلى مهمته الطبيعية، وأن تسلم السلطة للشعب الذي أسقط النظام. لكن الصراع بدأ منذ الأيام الأولى حول السؤال القديم نفسه؛ من يحكم السودان، الإرادة المدنية أم البندقية؟

ثم جاء ٣ يونيو ٢٠١٩، يوم فض اعتصام القيادة العامة، ليضع أول علامة دامية كبيرة على الطريق. وثقت هيومن رايتس ووتش أن قوات، قادتها عناصر من الدعم السريع وشاركت معها أجهزة أمنية أخرى، هاجمت المعتصمين، وأطلقت النار على متظاهرين عزل، ووقعت أعمال قتل وضرب وعنف جنسي ونهب. ونقلت المنظمة عن لجنة أطباء السودان المركزية أن أكثر من ١٢٠ شخصًا قتلوا بين ٣ و١٨ يونيو، وأصيب أكثر من ٩٠٠. والثابت أنه كان رئيس المجلس العسكري الانتقالي، أي رأس السلطة القائمة عند وقوع المجزرة. كما أقر عضو المجلس العسكري شمس الدين كباشي آنذاك بأن قرار فض الاعتصام جرى التخطيط له، مع الخلاف المعروف لاحقًا حول طبيعة الخطة وحدودها وكيفية تنفيذها. ومنذ ذلك اليوم بقيت أسئلة العدالة معلقة؛ من أمر؟ من خطط؟ من نفذ؟ ومن تستر؟ وهي أسئلة لا يستطيع السودان بناء دولة محترمة فوقها قبل الإجابة عنها.

بعد ضغط الشارع والوساطات الدولية جاءت الوثيقة الدستورية في أغسطس ٢٠١٩، وبدأت شراكة مدنية عسكرية كان يفترض أن تقود البلاد إلى حكم ديمقراطي وانتخابات. كان المطلوب تفكيك دولة الإنقاذ، وتحقيق العدالة، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، وبناء دولة مدنية. لكن الخلل ظل قائمًا في قلب التجربة؛ فالسلاح بقي شريكًا في تقرير من يحكم، وظلت القوات المسلحة والدعم السريع قوتين عسكريتين كبيرتين لهما قيادتان ومصالح وشبكات اقتصادية ونفوذ سياسي.

ثم جاءت اللحظة التي أزالت كل الأقنعة.
في صباح ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ اعتقلت القوات العسكرية رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعددًا من الوزراء والقادة السياسيين، وحل البرهان مجلسي السيادة والوزراء وأعلن حالة الطوارئ. لم يكن ذلك “تصحيحًا للمسار” كما حاول أنصاره تسويقه، وإنما كان انقلابًا عسكريًا على الترتيبات الانتقالية. وعندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على البرهان لاحقًا في يناير ٢٠٢٥، قالت صراحة إن البرهان ومحمد حمدان دقلو “حميدتي” شاركا في قيادة الاستيلاء العسكري في أكتوبر ٢٠٢١ الذي انتزع السلطة من الحكومة الانتقالية ذات القيادة المدنية.
وهذه الواقعة وحدها تطرح سؤالًا يصعب القفز فوقه؛ كيف يمكن لرجل أطاح بانتقال ديمقراطي أن يكافأ بعد الحرب بقيادة انتقال ديمقراطي جديد؟ وما الرسالة التي نرسلها إلى كل ضابط سوداني في المستقبل إذا أصبح الطريق إلى رئاسة السودان يبدأ بانقلاب وينتهي باعتراف سياسي بالأمر الواقع؟

ولا تكتمل مسؤولية البرهان السياسية من دون التوقف عند واحدة من أخطر نتائج انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١؛ عودة رجال نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية إلى مفاصل الدولة بعد أن بدأت لجنة إزالة التمكين في تفكيك شبكاتهم السياسية والاقتصادية والإدارية. فبعد الانقلاب جُمّدت أعمال اللجنة، واعتُقل عدد من أعضائها، ثم بدأت سلسلة من القرارات والأحكام التي أعادت مسؤولين وموظفين سبق فصلهم بقرارات اللجنة إلى مؤسسات الدولة، كما استعاد عدد من رموز النظام السابق وشركات وأفراد أموالًا وأصولًا كانت اللجنة قد صادرتها أو استردتها لمصلحة الدولة. وهكذا لم يكن انقلاب البرهان مجرد إطاحة بحكومة مدنية؛ فقد أدى عمليًا إلى فتح الأبواب أمام عودة شبكات النظام القديم من جديد، من الخدمة المدنية والمؤسسات الحكومية والاجهزة الامنية، إلى مواقع النفوذ السياسي والاقتصادي. والخطورة هنا أن البرهان، الذي كان يفترض به بعد الثورة أن يحرس عملية تفكيك دولة الحزب الواحد، ترأس السلطة التي جرى في عهدها تفكيك عملية التفكيك نفسها، حتى عاد كثير ممن أخرجتهم ثورة ديسمبر من أبواب الدولة إلى الدخول إليها من نوافذ الانقلاب. ولذلك فإن الحديث عن استمراره بعد الحرب لا يتعلق بشخص البرهان وحده، بل بالسؤال الأخطر؛ أي دولة ستعود معه؟ دولة ديسمبر التي أرادت إنهاء التمكين، أم دولة الإنقاذ التي استعادت تحت سلطته كثيرًا من رجالها وشبكاتها ومصالحها؟

لم يقبل السودانيون انقلاب ٢٥ أكتوبر. خرجوا إلى الشوارع مرة أخرى، وكان الرد عنيفًا. ففي ١٧ نوفمبر ٢٠٢١ وحده وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل ١٦ متظاهرًا، بينهم امرأة وطفل. واستمر القمع بعد ذلك، وبحلول سبتمبر ٢٠٢٢ كانت المنظمة توثق مقتل ما لا يقل عن ١١٧ شخصًا وإصابة قرابة ٦٠٠٠ في سياق قمع الاحتجاجات منذ الانقلاب، فضلًا عن الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والانتهاكات الأخرى. ولم يكن القمع مجرد تجاوزات معزولة. ففي ٢٦ ديسمبر ٢٠٢١ أصدر البرهان أمرًا أعاد سلطات الاعتقال لجهاز المخابرات ومنح قوات أمنية سلطات وحصانات واسعة، ثم وثقت منظمات حقوقية ارتفاع الاعتقالات والانتهاكات. أي أننا لم نكن أمام انقلاب انتهى في صباح ٢٥ أكتوبر، وإنما أمام سلطة احتاجت إلى أدوات أمنية لحماية الواقع السياسي الذي صنعه الانقلاب.

لكن الخطأ التاريخي الأكبر كان أعمق من ذلك كله. عندما سقط البشير كان أمام السودان فرصة نادرة لإعادة بناء مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة وإنهاء حالة تعدد الجيوش. ما حدث كان العكس. استمرت القوات المسلحة، واستمر الدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة عمليًا بقيادة منفصلة وسلاح واقتصاد ونفوذ. والبرهان وحميدتي، اللذان اشتركا في إطاحة الحكومة المدنية في أكتوبر ٢٠٢١، تحولا بعد أقل من عامين إلى قائدين لقوتين تتقاتلان على السلطة. وهذه الحقيقة ينبغي ألا تضيع في ضجيج الحرب وإعادة كتابة التاريخ. فالحرب التي انفجرت في ١٥ أبريل ٢٠٢٣ لم تقع بين جيش دستوري مستقر وقوة غامضة هبطت فجأة على السودان من السماء. كانت القوات المسلحة والدعم السريع معًا جزءًا من المنظومة الأمنية والسياسية التي حكمت السودان بعد الانقلاب. كان البرهان رأس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة، وكان حميدتي نائبه. وحين فشلت تلك المنظومة في حل صراعها على السلطة والسلاح ودمج القوات، تحول الصراع داخل قمة الدولة إلى حرب يدفع ثمنها الشعب كله. وهذا بالطبع لا يعفي الدعم السريع من مسؤوليته المباشرة عن الفظائع الهائلة التي ارتكبها. فقد وثقت تقارير دولية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهيرًا عرقيًا، خصوصًا في دارفور. لكن جرائم الدعم السريع، مهما بلغت بشاعتها، لا تمنح الطرف الآخر براءة تلقائية، ولا تحول البرهان إلى مراقب بريء فوجئ بكارثة صنعها آخرون.

ومنذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣ تحول السودان إلى مسرح لأحد أسوأ النزاعات الإنسانية في العالم. دمرت أحياء ومدن ومستشفيات وأسواق ومدارس ومصانع، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها. وهنا تصبح مسؤولية القائد مسؤولية مضاعفة؛ ليس لأنه مسؤول شخصيًا عن كل قذيفة وكل جريمة ارتكبها فرد في قواته، فهذا يحتاج إلى تحقيق وإثبات، ولكن لأنه قائد المؤسسة العسكرية ورأس السلطة التي تخوض الحرب باسم الدولة. وفي ديسمبر ٢٠٢٣ خلصت الحكومة الأمريكية إلى أن أفرادًا من القوات المسلحة السودانية ارتكبوا جرائم حرب. ثم في ١٦ يناير ٢٠٢٥ فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات مباشرة على عبد الفتاح البرهان بموجب الأمر التنفيذي ١٤٠٩٨. وأوردت واشنطن ضمن مبرراتها أن القوات المسلحة تحت قيادته نفذت هجمات قاتلة ضد المدنيين، بما في ذلك ضربات على منشآت مدنية محمية مثل المدارس والأسواق والمستشفيات، كما اتهمتها بالحرمان المتعمد من وصول المساعدات الإنسانية، والقصف العشوائي للبنية المدنية، والإعدامات خارج نطاق القضاء. وقالت الخزانة الأمريكية أيضًا إن البرهان، منذ انقلاب ٢٠٢١، عارض العودة إلى الحكم المدني ورفض المشاركة في بعض جهود السلام الدولية، معتبرة أنه اختار الحرب على التفاوض وخفض التصعيد.

هذه ليست شهادة براءة للدعم السريع، وليست دعوة لقبول السياسة الأمريكية دون نقد. إنها ببساطة حقيقة سياسية وقانونية يجب أن تدخل في أي تقييم جاد للرجل الذي يُراد تقديمه رئيسًا للسودان بعد الحرب؛ عبد الفتاح البرهان نفسه أصبح شخصًا خاضعًا لعقوبات أمريكية. ثم جاء فوق ذلك ملف أكثر خطورة وحساسية؛ الأسلحة الكيميائية. ففي ٢٠٢٥ أعلنت الحكومة الأمريكية رسميًا أنها توصلت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي، وفرضت بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية إجراءات عقابية على السودان. وفي ٢٠٢٦ أعلنت واشنطن تدابير إضافية مرتبطة بالملف نفسه.

وهنا نصل إلى جوهر القضية؛ حتى لو انتهت الحرب غدًا بانتصار عسكري كامل للقوات المسلحة، فإن الانتصار العسكري لا يمنح تفويضًا سياسيًا. الجيوش تستطيع الانتصار في المعارك، لكن الحكومات تستمد شرعيتها من المواطنين. وإذا قبل السودانيون بأن يصبح النصر في الحرب طريقًا تلقائيًا إلى الرئاسة، فإننا نؤسس منذ الآن للحرب القادمة. ستكون الرسالة لكل قائد عسكري في المستقبل بسيطة؛ امتلك السلاح، استولِ على السلطة، اصمد، حارب، ثم فاوض على حقك في حكم البلاد. وهكذا لن تقوم دولة في السودان أبدًا. السودان بعد هذه الحرب لن يحتاج إلى “بطل منتصر”. سيحتاج إلى دولة. سيحتاج إلى إعادة بناء الجيش، وحل المليشيات، وحصر السلاح في مؤسسة قومية واحدة، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة ملايين النازحين واللاجئين، وإعمار المدن، وإقامة العدالة، وإصلاح القضاء والخدمة المدنية، وبناء نظام سياسي جديد وعقد اجتماعي ودستور يجيب أخيرًا عن السؤال الذي ظل السودان يؤجله منذ الاستقلال؛ من يملك الدولة، المواطن أم البندقية؟ وهذه المهام تحتاج إلى قيادة تستطيع أن تقف على مسافة من أطراف الحرب، لا إلى قائد أحد أطرافها.

كيف سيقود البرهان تحقيقًا مستقلًا في انتهاكات ارتكبتها القوات المسلحة أثناء قيادته لها؟ وكيف سيضمن استقلال التحقيق في فض اعتصام وقع وهو رئيس المجلس العسكري؟ وكيف سيقود إصلاح مؤسسة عسكرية كان قائدها طوال سنوات انهيار الانتقال؟ وكيف سيقنع القوى المدنية التي أطاح بها في ٢٥ أكتوبر بأنه أصبح فجأة ضامنًا للديمقراطية؟ وكيف سيقنع أسر قتلى الاحتجاجات بأن الرجل الذي كان في قمة السلطة عندما قتل أبناؤهم هو الرجل الذي سيقود مرحلة العدالة؟ هذه ليست دعوة للانتقام من البرهان. إن كانت هناك اتهامات جنائية فمكانها القضاء المستقل، وإن كانت هناك شبهات بجرائم حرب فمكانها التحقيق والمحاكم. لكن رئاسة السودان ليست حقًا شخصيًا لأحد، ولا توجد قاعدة ديمقراطية تقول إن كل من حمل السلاح وحكم الأمر الواقع يجب أن يمنح فرصة جديدة لحكم البلاد.

ثم هناك جانب آخر لا يقل أهمية؛ مصلحة السودان الخارجية بعد الحرب. عبد الفتاح البرهان اليوم شخص خاضع للعقوبات الأمريكية. والسودان نفسه يواجه إجراءات أمريكية مرتبطة بملف استخدام الأسلحة الكيميائية. وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان البرهان مناسبًا أخلاقيًا وسياسيًا لقيادة المرحلة المقبلة، وإنما ما إذا كان وجوده على رأس الدولة سيصبح عبئًا على السودان في اللحظة التي يحتاج فيها السودان إلى العالم أكثر من أي وقت مضى. فالبلاد بعد الحرب ستحتاج إلى إعمار بمليارات الدولارات، وإعفاء ديون، وتمويل دولي، وعودة المؤسسات المالية والاستثمارات، وإعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية والأفريقية، واستعادة الثقة في الدولة السودانية. وستحتاج قبل ذلك كله إلى قيادة تستطيع أن تدخل العواصم الدولية باعتبارها وجهًا لسودان جديد، لا أن تدخلها وهي تحمل معها ملفات الانقلاب والحرب والانتهاكات والعقوبات.

لقد جرب السودان هذه المأساة من قبل مع عمر البشير. بمرور السنوات لم تعد عزلة البشير مشكلة تخص البشير وحده، وإنما أصبحت عزلة السودان نفسه. كل زيارة خارجية تحولت إلى أزمة، وكل علاقة دولية أصبحت تمر عبر ملفات العقوبات والاتهامات والملاحقات، ودفع الاقتصاد والمواطن السوداني ثمنًا باهظًا لبقاء رجل أصبحت كلفة بقائه على الدولة أكبر من كلفة رحيله. ولا ينبغي للسودانيين أن يعيدوا إنتاج التجربة نفسها باسم رجل آخر. فالدولة التي تريد الخروج من العزلة لا تختار لرئاستها شخصية خاضعة للعقوبات. والدولة التي تريد استعادة الثقة الدولية لا تبدأ عهدها الجديد وهي مضطرة كل صباح إلى الدفاع عن قائدها أمام العالم. والدولة التي تحتاج إلى إعادة بناء مستشفياتها ومدارسها وجسورها ومصانعها لا تجعل مستقبل علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية رهينة لرجل يحمل معه إرث انقلاب وحرب وعقوبات. السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى رئيس يحتاج هو نفسه إلى إعادة تأهيل دولي؛ السودان يحتاج إلى قيادة تعيد تأهيل السودان. ومن هنا فإن إبعاد البرهان عن قيادة مرحلة ما بعد الحرب ليس انتقامًا سياسيًا، وإنما ضرورة من ضرورات تأسيس الدولة الجديدة.

يستطيع البرهان أن يدافع عن نفسه أمام أي تحقيق أو محكمة، ويستطيع التاريخ أن يحكم على تجربته بما لها وما عليها، ولكن ليس من حق أي شخص أن يجعل السودان كله يدفع ثمن خياراته السياسية. لقد دفع السودان ثمن عمر البشير ثلاثين عامًا. ولا يحتاج إلى أن يقضي سنوات أخرى وهو يبحث عن مخارج دبلوماسية لرئيسه بدل أن يبحث رئيسه عن مخارج للسودان. فمنذ ٢٠١٩ مر البرهان تقريبًا بكل الامتحانات الكبرى التي يمكن أن يمر بها قائد في مرحلة انتقال تاريخية. كان أمامه أن يحمي الثورة، فتحول الجيش إلى شريك ينازعها السلطة. كان أمامه أن يحمي الانتقال المدني، فانقلب عليه في ٢٥ أكتوبر. كان أمامه أن يحمي حق السودانيين في التظاهر، فسقط القتلى في الشوارع بعد الانقلاب. وكان أمامه أن يقود إصلاح المؤسسة العسكرية وينهي ازدواج السلاح، فانتهت البلاد إلى حرب بين قوتين كان قائداهما يحكمان السودان معًا. ثم أصبحت قواته نفسها موضوع اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة، وانتهى الرجل شخصيًا تحت العقوبات الأمريكية، والسودان تحت إجراءات إضافية مرتبطة باتهام أمريكي باستخدام الأسلحة الكيميائية.

فكم امتحانًا آخر نحتاج؟ لهذا فإن السؤال في نهاية المطاف ليس؛ لماذا نُقصي البرهان؟ السؤال الحقيقي هو؛ بأي منطق نعيده إلى حكم السودان مرة أخرى؟ إن الدولة التي تكافئ من انقلب على انتقالها الديمقراطي بمنحه قيادة الانتقال التالي لم تتعلم شيئًا. والدولة التي تمنح قائد أحد طرفي حرب مدمرة رئاسة مرحلة ما بعد الحرب لا تنهي أسباب الحرب، وإنما تؤجل انفجارها التالي. السودان يحتاج بعد الحرب إلى قطيعة تاريخية مع المعادلة التي دمرت حياته السياسية منذ الاستقلال؛ من يحمل السلاح يحكم.
تلك المعادلة صنعت الانقلابات، وصنعت المليشيات، وصنعت الجيوش الموازية، وانتهت بنا إلى كارثة ١٥ أبريل. ولذلك فإن أول بند غير مكتوب في أي تدبير جديد لليوم التالي بعد وقف الحرب، يجب أن يكون واضحًا ولا يقبل المساومة؛ لا شرعية تأتي من فوهة البندقية. لا للبرهان، ولا لحميدتي، ولا لأي جنرال يأتي بعدهما طالبًا حكم السودان بقوة السلاح. العسكر إلى الثكنات، والسلاح إلى مؤسسة الدولة، والسياسة إلى المواطنين، والجرائم إلى القضاء، والسلطة إلى الشعب وصندوق الاقتراع.

السودان يحتاج إلى جيش قوي، قومي، مهني ومهاب؛ لكن قوة الجيش الحقيقية يجب أن تكون في قدرته على حماية الدولة، لا حكمها، وفي ابتعاده عن الصراع السياسي، لا السيطرة عليه. لقد آن الأوان أن تتغير المعادلة؛ لا تبحث الدولة عن وسيلة لإنقاذ الحاكم من عزلته، بل تبحث عن قيادة تستطيع إنقاذ الدولة من عزلتها.
يكفي السودان ما دفعه من عمره رهينةً لحكامه. ونحن بعد هذه الحرب نريد أن يعود السودان إلى العالم، لا أن يعود العالم إلى معاقبة السودان بسبب حاكمه. ونريد أن تنتهي الحرب فعلًا، لا أن تصمت المدافع بينما تبقى الأسباب التي أشعلتها.
فإذا انتهت الحرب وبقي حكم البندقية، وإذا رحلت المليشيا وبقي العسكر في السياسة، وإذا تغيرت الأسماء وبقيت المعادلة نفسها، فإننا لم نبنِ السودان الجديد. نكون فقط قد منحنا الحرب القادمة موعدًا آخر.

khirawi@hotmail.com

Author
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
البرهان: فرعون القرن الحادي والعشرين
الأخبار
هجوم واسع بالمسيرات يستهدف ولايتي الخرطوم ونهر النيل
منبر الرأي
الموقف الدولي والإقليمي تجاه الأزمة السودانية: بين التنافس الجيوسياسي وجهود التسوية
منبر الرأي
لماذا نقرأ ونحن جائعون؟
الأخبار
بيان سعودي أميركي: طرفا الصراع بالسودان انتهكا الهدنة ما أعاق وصول المساعدات

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الدعوة لطرد ومصادرة منظمة الدعوة الاسلامية !؟ .. بقلم: حافظ عباس قاسم

طارق الجزولي
منبر الرأي

فشلت سياسة مامون فإنقدت الجيوب .. بقلم: عميد معاش د. سيد عبد القادر قنات

د.سيد عبد القادر قنات
منبر الرأي

ما بين أبريل السودان ويناير تونس .. بقلم: حسن الجزولي

حسن الجزولي
منبر الرأي

المحن السودانية المركبة .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss