في لحظة سياسية مشحونة بالأزمات، وبينما تتآكل قدرة الدولة على الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه مواطنيها، جاء خبر صرف بدلات طبية بالدولار لأعضاء البرلمان في جنوب السودان ليكشف عن مفارقة صارخة في بنية السلطة، ويعيد طرح سؤال جوهري: من تُخدم الدولة؟ ومن يُستثنى من حمايتها؟
في الأسبوع الأول من أغسطس، حصل كل نائب برلماني على مبلغ قدره 1000 دولار أمريكي كبدل طبي، وذلك بعد إعلان رئيسة البرلمان، السيدة جيما نونو كومبا، عن وفاة 15 نائبًا بين أبريل 2024 ويوليو 2025 نتيجة غياب الرعاية الصحية. هذا الإعلان، رغم ما يحمله من مأساوية، لم يُترجم إلى إصلاح شامل للنظام الصحي، بل إلى تحصين مالي للنخبة التشريعية، في وقت لا يتجاوز فيه راتب موظفي الدولة 20 دولارًا شهريًا، وتغيب فيه بطاقات التأمين الصحي عن الوحدات الأمنية والعسكرية.
◆ الريع السياسي وإعادة إنتاج السلطة
ما حدث لا يمكن فصله عن نمط إدارة الموارد في الدول الريعية، حيث تُستخدم الأموال العامة كأداة لإعادة إنتاج الولاء السياسي، لا لتوفير الخدمات العامة. في هذا السياق، يصبح صرف البدلات بالدولار للنواب امتيازًا ريعيًا، يُمنح لمن يملك سلطة تشريعية، بينما يُترك من يُشغّل الدولة في حالة من العوز الدائم.
هذا النمط يُعيد إنتاج ما يسميه علماء الاقتصاد السياسي بـ “اقتصاد الامتيازات”، حيث تُوزع الموارد وفقًا للقرابة السياسية لا وفقًا للحاجة المجتمعية. النواب لا يُكافَؤون على الأداء، بل يُحصَّنون من هشاشة النظام الذي ساهموا في بنائه.
◆ الاستثناء السياسي كأداة للهيمنة
من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذا الحدث من خلال مفهوم “الاستثناء السياسي” الذي طرحه جورجيو أغامبن. ففي دولة تُدار بمنطق الطوارئ الدائمة، يُخلق استثناء لفئة معينة تُمنح الحماية والامتياز، بينما تُقصى فئات أخرى من الرعاية القانونية والاجتماعية. النواب، في هذه الحالة، يُعاد تموضعهم كـ”أجساد قابلة للحماية”، بينما يُترك الجنود والموظفون كـ”أجساد قابلة للتجاهل”.
هذا التمييز لا يُنتج فقط تفاوتًا ماليًا، بل يُكرّس بنية هيمنة رمزية، حيث تُصبح السلطة التشريعية فوق المساءلة، وفوق الألم، وفوق الحاجة.
◆ الرمزية المزدوجة: موت النواب مقابل حياة النخبة
إعلان وفاة 15 نائبًا بسبب غياب الرعاية الصحية يحمل دلالة مزدوجة. من جهة، يُستخدم كذريعة لصرف البدلات، ومن جهة أخرى، يُظهر أن حتى النخبة ليست محصنة بالكامل، ما يستدعي إعادة بناء امتيازاتها بسرعة. هذا يعكس ما يمكن تسميته بـ “هشاشة الامتيازات”، حيث يُعاد ترميم السلطة عبر المال لا عبر إصلاح النظام الصحي للجميع.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الموت كحدث إنساني، بل كأداة لإعادة توزيع الريع داخل النخبة، دون أن يُترجم ذلك إلى تحسين شامل في البنية الصحية أو العدالة التوزيعية.
◆ أزمة أخلاقية لا مالية فقط
حين تُصرف الأموال العامة لفئة دون أخرى، تتحول الأزمة من كونها مالية إلى كونها أزمة أخلاقية في جوهر الدولة. لا توجد رؤية عادلة لتوزيع الموارد، ولا توجد آليات رقابية تمنع التمييز في الصرف، ولا توجد إرادة سياسية لإصلاح جذري. الدولة، في هذه الحالة، لا تُدار بمنطق الخدمة العامة، بل بمنطق التحصين الذاتي للنخبة.
هذا يُعيد طرح سؤال جوهري: هل الدولة في جنوب السودان تُخدم مواطنيها، أم تُخدم من يحتكر أدوات التشريع والقرار؟
◆ مقارنة إقليمية: نيجيريا وأنغولا كنماذج موازية
ما يحدث في جنوب السودان ليس استثناءً، بل هو جزء من نمط إقليمي. في نيجيريا، تُصرف بدلات ضخمة للنواب رغم أن نسبة الفقر تتجاوز 40%. وفي أنغولا، يُستخدم الريع النفطي لتغذية النخبة السياسية، بينما تبقى الخدمات الأساسية في حالة انهيار. هذه المقارنة تُظهر أن الريع السياسي ليس ظاهرة محلية، بل بنية إقليمية لإعادة إنتاج السلطة عبر الامتيازات.
◆ نحو عدالة توزيع الموارد
إن صرف بدلات بالدولار للنواب وسط أزمة رواتب خانقة لا يُعد فقط قرارًا ماليًا، بل هو مرآة لانهيار العدالة التوزيعية في الدولة. المطلوب ليس فقط مساءلة هذا القرار، بل إعادة بناء منطق الدولة نفسه، بحيث تُصبح الحماية والرعاية حقًا عامًا، لا امتيازًا سياسيًا.
في لحظة كهذه، لا يكفي أن نُدين التفاوت، بل يجب أن نُعيد تعريف الدولة: هل هي أداة للهيمنة، أم وسيلة للعدالة؟ وهل يمكن أن تُولد من رحم الأزمة دولة تُخدم الجميع، لا نخبة محددة؟
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم