بين التصعيد والتهدئة: هل تعيد معارك النيل الأزرق تشكيل حسابات سد النهضة؟

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة

يُدار ملف سد النهضة الإثيوبي منذ أكثر من عقد وفق نمط دوري من التصعيد والتهدئة، دون أن تفضي جولات التفاوض-حيثما وُجدت-إلى اتفاق شامل أو إطار قانوني ملزم يحكم قواعد الملء والتشغيل وإدارة فترات الجفاف. وقد أخفقت الوساطات المتعددة، من الاتحاد الإفريقي إلى الولايات المتحدة، في تحقيق اختراق حاسم، لتبقى المفاوضات أسيرة فجوة ثقة عميقة وتباين جوهري في تعريف “الأمن المائي” لكل طرف.

ففي الوقت الذي ظلت فيه قاعات التفاوض معلقة منذ آخر جولة برعاية الاتحاد الإفريقي، كانت الميادين في السودان ترسم واقعاً جديداً. لكن هذا الجمود الظاهري يخفي تحولات أكثر عمقاً تجري خارج قاعات التفاوض. فالمشهد الإقليمي، بخلاف المسار التفاوضي، لم يبقَ ساكناً، بل شهد تغيرات متسارعة، أبرزها ما يجري في السودان من إعادة تشكيل لموازين القوى، خاصة في ولاية النيل الأزرق المتاخمة لإثيوبيا.

هذا المتغير الجيوسياسي لا يُنتج اتفاقاً بحد ذاته، لكنه يعيد-بصمت-ضبط حسابات الأطراف، ويؤثر على سقف طموحاتها، بل وعلى تعريفها لما يمكن قبوله أو التنازل عنه. وهنا تحديداً تتجاوز أزمة السد بعدها الفني، لتصبح انعكاساً مباشراً لتحولات القوة في الإقليم.

أولاً: النيل الأزرق كمنطقة ارتكاز جيوسياسي:

تمثل ولاية النيل الأزرق أكثر من مجرد إقليم حدودي؛ فهي نقطة تماس استراتيجية بين السودان وإثيوبيا، وقريبة جغرافياً من منطقة السد، ما يمنحها وزناً يتجاوز بعدها المحلي.

طوال سنوات، شكلت سيطرة الجيش السوداني على هذه المنطقة عنصر استقرار نسبي في معادلة السد، ووفرت لمصر ما يمكن وصفه بـ”عمق استراتيجي صامت”-ليس بالضرورة للاستخدام المباشر-، بل كعامل ردع ضمني.

غير أن الحرب في السودان أعادت رسم هذه الخريطة. فقد أدى تراجع سيطرة الدولة المركزية وانتقال أجزاء من النيل الأزرق إلى قوات الدعم السريع إلى تفكيك هذا التوازن. ووفق تقديرات تستند إلى منهجية مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group في تحليل تأثير الصراعات الداخلية على الأزمات الإقليمية العابرة للحدود، فإن مثل هذه التحولات لا تغيّر الوقائع الميدانية فقط، بل تعيد تشكيل حسابات المخاطر لدى الأطراف الإقليمية.

ثانياً: الموقف المصري – من تعدد الأدوات إلى تضييق الخيارات:
اعتمدت القاهرة على مزيج من الأدوات في إدارة أزمة السد: الدبلوماسية متعددة الأطراف، المسار القانوني، والعمق السوداني كرافعة ضغط غير مباشرة.

لكن التحول في النيل الأزرق يضرب الأداة الثالثة تحديداً. ففقدان السيطرة المتماسكة للجيش السوداني على مناطق التماس يقلل من جدوى أي تصور لخيارات ضغط ميداني غير مباشر.

الأهم من ذلك أن هذا التحول لا يقيّد فقط الخيارات العسكرية، بل ينعكس أيضاً على الحسابات السياسية. فمع غياب شريك سوداني مستقر، تصبح القاهرة أكثر عرضة للعزلة إذا ما اختارت التصعيد، وأقل قدرة على بناء تحالفات إقليمية متماسكة حول موقفها.

ومن هنا، قد لا يكون التحول نحو التهدئة مجرد خيار تكتيكي، بل تعبير عن واقعية قسرية تفرضها البيئة الإقليمية. وهي واقعية تقوم على تقليص سقف التوقعات، والانتقال من السعي إلى اتفاق ملزم إلى القبول بتفاهمات جزئية، مرحلية، وقابلة لإعادة التفاوض.

ثالثاً: الموقف الإثيوبي – من الدفاع إلى إدارة التفوق النسبي:

في المقابل، تبدو إثيوبيا في موقع يسمح لها بإعادة تعريف استراتيجيتها من الدفاع إلى إدارة التفوق النسبي.

فالتغير في الجانب السوداني من الحدود يعني عملياً تراجع احتمال تعرضها لضغوط غير مباشرة. كما أن تعدد الفواعل داخل السودان يقلل من إمكانية تشكل موقف موحد يمكن أن يُستخدم كورقة ضغط عليها.

وفقاً لتقرير صادر عن المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوسChatham House) في أغسطس 2020، فإن مثل هذه البيئة تمنح أديس أبابا ثلاثة مكاسب رئيسية:

  • تثبيت الأمر الواقع دون استعجال التنازلات
  • التفاوض من موقع قوة نفسية وسياسية
  • تقليل الاعتماد على المسار الثلاثي (السودان-مصر-إثيوبيا) لصالح مسارات أكثر مرونة

بعبارة أخرى، لم تعد إثيوبيا مضطرة للبحث عن تسوية سريعة، بقدر ما أصبحت قادرة على إدارة الزمن التفاوضي لصالحها.

رابعاً: التفاوض في ظل بيئة غير مستقرة:

في ضوء هذه التحولات، لا يمكن قراءة مستقبل المفاوضات بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع.
• استمرار الجمود لم يعد فشلاً بقدر ما هو توازن هش
• التفاهمات المرحلية قد تصبح الشكل الطبيعي لإدارة الملف
• الاتفاق الشامل يظل رهيناً بإعادة تشكل النظام الإقليمي نفسه

وهنا يتحول السؤال من: كيف نحل النزاع؟* إلى: *كيف نمنع انفجاره؟

خاتمة: الجغرافيا العسكرية تتفوق على الهيدرولوجيا
تكشف تطورات النيل الأزرق أن ملف سد النهضة لم يعد نزاعاً حول المياه فحسب، بل أصبح مرآة لتحولات القوة في الإقليم. فالتغيرات في الجغرافيا العسكرية داخل السودان أعادت صياغة معادلة الردع، ودفعت الأطراف نحو إعادة تقييم خياراتها.

وفي هذا السياق، لم تعد الهيدرولوجيا-رغم أهميتها-العامل الحاسم الوحيد، بل أصبحت جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها السياسة والأمن والجغرافيا.

وربما تكمن المفارقة الأهم في أن مستقبل السد لا يتشكل فقط عبر المفاوضات، بل عبر ما يجري بعيداً عنها. فكل تحول ميداني في السودان يعيد، بشكل غير مباشر، رسم حدود الممكن في هذا الملف.

ومع ذلك، يظل العامل الأكثر حسماً خارج هذا الإطار كله: مستقبل السودان نفسه. فاستمرار الحرب لا يعني فقط إطالة أمد الأزمة، بل تعميق تشابكها. أما إنهاء الصراع واستعادة الدولة السودانية لدورها، فقد يكون المدخل الوحيد لإعادة التوازن الإقليمي، وخلق بيئة أكثر قابلية لتسويات حقيقية—ليس فقط في ملف السد، بل في مجمل أزمات المنطقة.

فهل تدرك القاهرة وأديس أبابا أن مفتاح سد النهضة لم يعد في أديس أبابا أو القاهرة، بل في سلام السودان وإيقاف الحرب بتجنب انزلاق أي من الدولتين للتورط المباشر في الصراع السوداني؟

قائمة المراجع:

  1. International Crisis Group – منهجية تحليل تأثير الصراعات الداخلية على الأزمات الإقليمية العابرة للحدود (مرجع عام).
  2. Chatham House (The Royal Institute of International Affairs) – “Nile Basin States Must Persist with Water Diplomacy,” Published August 11, 2020.
    متاح على: https://www.chathamhouse.org/2020/08/nile-basin-states-must-persist-water-diplomacy

salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

ملحق تحليلي محدث: حين تعيد الخوارزمية تعريف “القيمة”

بقلم: صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارةفي مقالي المنشور بصحيفة Sudanile بعنوان: “دولي والذكاء الاصطناعي: هل …