أزمة الحزب الشيوعي السوداني اليوم ليست مجرد تراجع في النفوذ الجماهيري أو انكماش في الخارطة السياسية، بل أصبحت أزمة أدوات تحليلية ورؤية فكرية
نحن أمام تصادم بين جيل تكلس في قوالب الماضي وآخر تجاوز بفعل التحولات الاجتماعية والرقمية، يبحث عن أدوات جديدة لفهم واقع متغير
الجمود التاريخي الإرث كعائق
الجيل المؤسس أو من قاد الحزب خلال مراحل الصراع المسلح ظل محصورًا في أنماط تحليلية مشتقة من تجربة الحرب نفسها. القيادة الحربية، المركزية الصارمة، والتصور الثنائي للواقع (صديق/عدو، ثوري/متخلف) صارت النظارة التي يُقرأ من خلالها المشهد السوداني
هذا التكلس الفكري أدى إلى عزلة متزايدة، حيث قوبلت أحداث مثل حرب أبريل 2023 بتفسيرات ظلت أسيرة الولاءات القديمة أو التماهي مع أطراف الصراع دون نقد
كما أشارت د. ناهد محمد الحسن، الحزب بحاجة إلى إعادة تقييم جذرية لمكانته في المشهد الحديث، بدل الانغماس في الدفاع عن الموروثات التاريخية
الدفاع عن تاريخ حزبي مهما كان نضاليًا، لا يصنع حضورًا سياسيًا في زمن اشتعلت فيه التناقضات بغير صيغها الكلاسيكية
جيل يتجاوز ما بعد الصراع التقليدي
على الضفة الأخرى، ظهر تيار شاب، يعبر عن نفسه في نقاشات عامة ومواقع سودانية مثل د. صديقي الزيلعي وباوا، يرى أن الصراع السياسي التقليدي بثنائياته القديمة لم يعد فعالًا في مجتمع تغيرت بناه وهياكله. هذه الأصوات لا تنطلق من رفض التاريخ أو الهوية، بل من إدراك أن السياسة اليوم لم تعد حكرًا على التنظيمات الطليعية أو الخطابات الجامدة
مطالب هذا التيار تشمل الاشتغال على فضاءات الحداثة الرقمية والتنظيمية، وإعادة الاعتبار للمجتمع المدني كفاعل مستقل لا مجرد ترس في ماكينة الحزب، وفهم التحولات الإقليمية والدولية بعيدًا عن خطابات المؤامرة أو التبعية ووضعها في خرائط تحليلية معقدة
هذا التوجه ليس مجرد حداثة شكلية، بل محاولة لبناء أداة تحليلية مرنة قادرة على مساءلة الواقع بدل الارتطام به
صراع الأجيال أم صراع الرؤى؟
التوتر داخل الحزب ليس شخصيًا، بل تصادم أدوات فكري
الجيل القديم يقرأ الأحداث من خلال إرث تاريخي مباشر، يُسقط فيه تجربة الماضي على الحاضر، بينما يسعى الجيل الجديد إلى قراءة واقعية تستحضر الحداثة، وتضع الحرب الأخيرة وتداعياتها الإقليمية في إطار تحليلي يستوعب التعقيد
هذا الانقسام بلغ حد الأزمة العميقة التي تجعل الانشقاق خيارًا مطروحًا. الجمود التنظيمي وعدم قدرة الهياكل التقليدية على التكيف مع التحولات، يضع الحزب أمام مفترق طرق: إما إعادة بناء أدواته الفكرية أو الاستمرار في ضمور سياسي متسارع
نحو رؤية متكاملة
الحل لا يكمن في استبدال جيل بآخر، بل في بناء جسر معرفي بين التحليل التاريخي العميق والفضاء الحداثي
إعادة قراءة التاريخ الحزبي، الأخطاء والهزائم، ليس بدافع التبرير أو النفي، بل من منظور تحليلي نقدي يستفيد من أدوات العلوم الاجتماعية الحديثة
إفساح مساحة للشباب في القيادة وصياغة الاستراتيجيات وأدوات التحليل، لأن الحداثة التي يدعو إليها الشباب ضرورة لفهم مجتمع متأثر بالحرب ومنفتح على تدخلات إقليمية
تعزيز الوعي النقدي الداخلي بحيث لا يكون كل موقف دفاعًا عن الماضي أو انعكاسًا لولاءات خارجية
البيان الأخير الذي فسر الحرب بشكل ضعيف أبرز ضرورة النقد الداخلي
في انتظار حزب جديد
أزمة الحزب الشيوعي السوداني ليست أزمة ولاءات أو أسماء، بل إطار تحليلي عاجز عن استيعاب تحولات السودان منذ التسعينيات وحتى حرب أبريل 2023
الجيل القديم يحتاج مرونة تمكنه من نقد تجربته دون شعور بالخيانة، والشباب يحتاج تاريخية واعية تحميه من سذاجة الحداثة واستنساخ أخطاء الماضي
النجاح سيكون عندما يلتقي التحليل التاريخي العميق مع الحداثة النقدية، لينتج حزبًا قادرًا على فهم السودان المتشظي والمتعدد والمتحرك، لا السودان الذي تخيله الماضي، ولا السودان الذي تريده القوى الخارجية.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم