بين الجهالة المعرفية والوعي الزائف- كيف تُخنق الثورة باسمها؟

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

لم تكن مأساة الثورة السودانية في أن قُمعت، بل في أنها انكشفت. وانكشاف الثورات لا يحدث عند الهتاف، بل عند الاختيار. ليست الأزمة في نقص الشجاعة أو التضحيات، فهذه وفيرة حدّ الفاجعة
بل تكمن في التباس الوعي داخل المعسكر الثوري نفسه، حيث اختلطت الجهالة المعرفية الطبيعية بظاهرة أخطر: الوعي الزائف

ولعل تجربة «غاضبون» تمثل المثال الأوْضَح على هذا الالتباس، وكيف يتحول الغضب، حين يخلو من المعرفة، إلى أداة ضد نفسه. لقد نشأت كحالة احتجاجية عالية النبرة، أخلاقية الادعاء، لكن ما إن جاءت لحظة الحرب
حتى انشطر هذا الغضب إلى شظايا متناقضة: مناصرة الجيش باسم «الدولة»، أو الدعم السريع باسم «كسر المركز»، أو الانسحاب إلى العمل الخيري كخلاص أخلاقي. هذا ليس اختلافًا سياسيًا طبيعيًا؛ هذا انهيار بوصلة

وهنا يظهر الفرق الحاسم بين الجهالة المعرفية والوعي الزائف

الجهالة المعرفية حالة طبيعية في أي حراك شبابي فُجّر بلحظة تاريخية. صاحبها – يرفع شعارات صحيحة أخلاقيًا.
يخطئ في التحليل، لا في النية
يتعلم حين يُناقش، ويراجع عند عرض الوقائع.هذه الجهالة مرحلة قابلة للتجاوز، وهي مادة خام للثورة. لو كانت «غاضبون» تعاني منها فقط، لسألت عند الاختيار: كيف حدث هذا؟ وما موقعنا؟ ولكن ما حدث كان مختلفًا
الوعي الزائف لا يسأل، بل ينحاز فورًا، ثم يبحث عن خطاب يبرر انحيازه. هو لا ينشأ كنقص، بل كادعاء اكتمال. صاحبه– يتقن لغة الثورة دون فهم بنيتها.
يحوِّل السياسة إلى محكمة أخلاقية.
يرفض النقاش حول التعقيد وموازين القوى.
يدافع، في العمق، عن صورته كرمز ثوري، لا عن الثورة ذاتها.
وهذا ما حدث: الذي انحاز للجيش لم يفعل ذلك لأنه درس الدولة، والذي انحاز للدعم السريع لم يفعَل لأنه فكك البنية القبلية العسكرية، والذي هرب إلى «خدمة المجتمع» لم يكتشف فجأة قذارة السياسة
الجميع تحركوا بدافع أخلاقي مُجرَّد بلا معرفة. الوعي الزائف لا ينتج موقفًا من الواقع، بل يتكيّف مع اللحظة الأقوى ويبحث عن مأوى للضمير—- إما في حضن الدولة العسكرية، أو في أحضان الهامش المليشيوي، أو في عزلة العمل الإنساني
هكذا تتحول الثورة من مشروع تغيير إلى مأزق أخلاقي شخصي—- السؤال يصبح «أين أقف كي لا أشعر بالذنب؟» وليس «ما الذي يجب تغييره؟». وهنا تكمن الكارثة: الجهالة المعرفية قد تُضلل، أما الوعي الزائف فيُضلِّل
لقد عطَّل هذا الوعي بناء برنامج سياسي واقعي، ومزَّق المعسكر المدني من الداخل، وسهّل على العسكر تقديم أنفسهم كـ«الطرف العاقل»، وصادر حق السؤال باسم «النقاء الثوري»

الانسحاب إلى العمل الخيري في لحظة الحرب ليس موقفًا محايدًا؛ إنه استقالة سياسية مغلَّفة بالفضيلة
الثورات لا تُبنى بالإغاثة وحدها، بل بتفكيك أسباب الحاجة إليها
ومن يستبدل السياسة بالعمل الخيري، يسلّم ضمنًا بأن العنف قَدَر، لا نظامًا يمكن تغييره
الخلاصة القاسية هي أن الغضب وحده لا يصنع ثورة؛ أحيانًا يصنع وقودًا لحرب الآخرين
ما جرى لـ«غاضبون» ليس خيانة، بل نتيجة منطقية لوعي ظنّ أن الصراخ يغني عن الفهم، وأن الطهارة الأخلاقية تغني عن التحليل الاستراتيجي
في لحظة الحرب، لم يسأل هذا الوعي — من يملك السلاح والاقتصاد؟ بل سأل فقط– من يبدو أقرب لخطابي السابق؟
الجهالة المعرفية كانت ستتعلّم من الصدمة أما الوعي الزائف فيتبرّر، وينحاز، ويهرب , أخطر ما يصيب الثورات ليس القمع وحده، بل تكلّس الوعي داخلها. إذا لم يجرؤ الحراك الثوري السوداني على نقد ذاته
والاعتراف بأن جزءًا من أزمته هو وعي يدّعي الطهارة ويرفض التعقيد، فسيبقى يكرر هزيمته بلغة أكثر نقاءً، ونتائج أكثر مرارة
الثورة ليست امتحان أخلاق شعوري، بل هي علم وصناعة
وهي تحتاج إلى وعي نقدي لا شعاراتي، واختلاف لا تخوين، ومعرفة تنتج موقفًا، لا موقفًا يبحث عن معرفة تبرره
فالثورات لا تموت فقط حين تُقمع، بل حين يرفض أبناؤها أن يتعلموا.

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

اغتيال الناقل الوطني .. الحرب كآلية لاقتسام الدولة السودانية

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com لا تشكل الحرب في السودان مجرد صراع عسكري على الأرض، بل هي “ستار …