بين الحرب والتسوية: ما الذي تبقّى أمام الجنرال البرهان؟

muhammedbabiker@aol.co.uk
د. محمد بابكر عبدالله

بين أطلال الخرطوم وأصوات الرصاص التي لم تهدأ منذ أبريل 2023، يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عند مفترق طرق تحيط به الأشواك من كل جانب. لم تعد المعضلة في كيف انزلقت البلاد بهذه السرعة إلى هذا الدمار، بل في البحث عن مخرج من متاهة تبدو مخارجها جميعاً إما موصدة أو مخيفة. الرجل الذي حرص، قبل اندلاع الحرب، على الظهور بثوب “حامي المسار الديمقراطي”، يبدو اليوم محاصراً بين مطرقة قتال لا يُحسم، وسندان تسوية تُشبه الهزيمة.

الخيار الأول: وهم الحسم العسكري

لا يزال الخطاب العسكري الرسمي يتحدث عن “تطهير البلاد” و”استعادة الدولة”، كما لو أن الحرب مجرد عملية أمنية واسعة النطاق. غير أن الواقع على الأرض يروي قصة أخرى: حرب مدن طاحنة تُسحق فيها الأحياء السكنية والبنية التحتية، وجيش يخوض حرب استنزاف داخل جغرافيا مدنية معقدة. وحتى لو افترضنا تحقق نصر عسكري ما، فما قيمة السيطرة على مدن أشباح، واقتصاد مدمّر، ومجتمع منقسم؟

الأثمان هنا لا تُقاس بعدد الدبابات، بل بشرعية ستتآكل، ودولة ستبقى خاوية حتى لو استُعيد شكلها الخارجي. فالحروب الطويلة لا تُفني الخصم وحده، بل تُضعف فكرة الدولة ذاتها، وتُراكم أحقاداً يصعب احتواؤها لاحقاً.

الخيار الثاني: فخ التفاوض

يبدو هذا المسار، في نظر الخارج والقوى المدنية السودانية المنهكة، الخيار الأكثر عقلانية. لكن مقاربة البرهان لطاولة التفاوض أكثر تعقيداً. كيف يمكن إقناع بنية عسكرية صلبة، تقاتل منذ أشهر وتُغذّي نفسها بوهم “النصر المجيد”، بأن نهاية الطريق هي تسوية؟ ثم أي تسوية؟

هل هي إعادة تدوير شراكة هشة مع الخصم، شبيهة باتفاقات سابقة لم تصمد؟ أم مسار سياسي أوسع قد يعيد إلى الواجهة مطالب تفكيك الاقتصاد الحربي وتقليص نفوذ العسكر؟ التفاوض المتعجل قد يُوقف الرصاص مؤقتاً، لكنه يحمل في داخله بذور صراع جديد، وفي أفضل الأحوال قد يؤجل الانفجار لا أكثر.

لا يُنظر إلى السودان، في كثير من العواصم، كقضية إنسانية ملحّة بقدر ما يُنظر إليه كساحة لتقاطع المصالح. بعض القوى الإقليمية ترى في الفوضى تهديداً لأمنها، بينما يراها آخرون فرصة لإعادة ترتيب النفوذ. الخطاب الدولي يفيض بدعوات وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار الديمقراطي، لكن الممارسة العملية تنحصر غالباً في “إدارة الأزمة” والحد من تداعياتها. في هذا السياق، يحاول البرهان السير على حبل مشدود: يستميل بعض العواصم العربية طلباً للدعم السياسي والمالي، ويقدم نفسه للغرب باعتباره سداً في وجه الفوضى. غير أن هذا التوازن يزداد هشاشة كلما طال أمد الحرب.

ثمّة خيار ثالث، غير مُعلن، لكنه حاضر في كواليس التفكير العسكري: لا حسم نهائياً ولا تسوية شاملة، بل إدارة صراع طويل الأمد. في هذا السيناريو تُدار البلاد بمنطق الطوارئ، وتتكرس مناطق النفوذ، وتُنسج تحالفات تجعل من البرهان “الرجل الذي لا غنى عنه”. قد يضمن هذا النهج بقاء السلطة العسكرية فترة أطول، لكنه يفتك بالدولة تدريجياً. إنه تفكيك بطيء للسودان، حيث تُدار السياسة بعقلية الميليشيات، ويتحول الاقتصاد إلى شبكة مصالح حربية، ويغدو السلام الاجتماعي وإعادة الإعمار أمراً بعيد المنال.

خلف هذه الخيارات التكتيكية، يختبئ سؤال جوهري: كيف يرى البرهان نفسه؟ هل هو قائد عسكري مؤقت، مهمته إنهاء هذه الكارثة وفتح الطريق أمام سلطة مدنية، حتى لو كلّفه ذلك نفوذه؟ أم أنه يعتقد أن الحرب منحته شرعية جديدة، تجعله مؤهلاً لبناء نظام أكثر صلابة وأشد انغلاقاً؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مسار قراراته المقبلة.

وإذا جاز استشراف ما قد تؤول إليه الأمور، فإن التجارب المقارنة في المنطقة تشير إلى أن الحروب الأهلية التي تطول تفرض في النهاية تسوية ما، حتى لو جاءت متأخرة ومشوّهة. استمرار الاستنزاف سيُضعف جميع الأطراف، بما في ذلك المؤسسة العسكرية نفسها، التي قد تجد أن كلفة البقاء في الحكم أعلى من كلفة إعادة التموضع داخل نظام سياسي جديد. ليس من المرجح أن يخرج العسكر من المشهد دفعة واحدة، لكن دورهم قد يُعاد تعريفه تحت ضغط داخلي وإقليمي ودولي متزايد. أما السودان، فمستقبله لن يُحسم بانتصار طرف على آخر بقدر ما سيتحدد بقدرته على إنتاج صيغة دولة تتجاوز ثنائية الانقلاب والميليشيا، وتعيد الاعتبار لفكرة الحكم المدني المستقر. الطريق إلى ذلك لن يكون قصيراً، لكنه يظل أقل كلفة من حرب بلا نهاية.

في المحصلة، جميع الخيارات المطروحة مُكلفة. لكن الأسوأ بينها هو الاستمرار في الدوران داخل اللحظة الراهنة من دون رؤية واضحة لمستقبل البلاد. فالتاريخ يُظهر أن الجيوش قد تكسب معارك، لكنها نادراً ما تبني دولاً. والشرعية التي تولد من فوهة البندقية تبقى مؤقتة، وتنتهي حين يزول الخوف أو يظهر بديل. السودان لن يخرج من أزمته بمنتصر عسكري، بل بتسوية تعيد تعريف الدولة نفسها، وتُقرّ بأن السودانيين شركاء في وطن، لا رعايا في زمن حرب مفتوحة.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الخرطوم ؛ المدينة التي لم يطمئن اليها اهلها بعد

دكتور محمد عبداللهثلاثة عشر في المئة فقط. هذا هو عدد الذين عادوا إلى الخرطوم بعد …