بين ” تأسيس” و” صمود”

talaat1706@gmail.com
منذ قيام ثورة ديسمبر وحتى اندلاع الحرب السودانية اللعينة، كنت أدعو وبكل إخلاص الي السلام وكنت ادعم ق ح ط وبعد اندلاع الحرب وقفت في خندق واحد مع ” لا للحرب” أملا في انهائها سريعا قبل ان تستفحل. لكنني صرت علي يقين بان ذلك الشعار غير واقعي علي الاطلاق لأن الكيزان لن يتركونا في سلام .
أصبح الحياد تجاه الكيزان في تقديري بمثابة ” حياد المثقف المأساوي تجاه الشرور” خاصة بعد الدمار الكامل الذي أصاب البلاد والعباد .
اري ان الوطن والاسرة شيء واحد مع اختلاف خصائص كل منهما ، فإذا اعتدت علي منازلكم عصابة فرضت عليكم كل شئ من كيفية دخول الحمام الي طول فستان بناتكم وزوجاتكم وظلت تفسد وتنهب في موارد الأسرة، فإن مواجهتها أمر حتمي لكل شريف. فإذا تصدي لهم اخرين من أبناء الحي، الواجب علينا أن نناصرهم علي الاقل، وذلك دون تحفظ بإعتبار أنها معركة بقاء .
يمكن هنا استدعاء الخطاب التاريخي لوينستون تشرشل المراسل الحربي الشاب الذي شهد معركة كرري واصبح رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
في صيف عام ١٩٤١ ، وبعد ساعات من غزو هتلر للاتحاد السوفيتي قدم الرجل خطابا تاريخيا أذيع من خلال البي بي سي في السادسة من مساء ٢٢ يونيو ١٩٤١م ، أعلن فيه تضامنه وتعاطفه مع الشعب الروسي واعلن دعم بريطانيا للمجهود الحربي دفاعا عن روسيا رغم خلافه مع ستالين والشيوعية، لأن المعركة مع النازية صارت معركة بقاء survival وليس معركة تتوفر فيها الخيارات بناءا علي الافكار والسياسات والمبادئ.
وتجلت حكمة موقفه والبعد الاسترتيجي لها في فكاهة اطلقها تشرشل اثناء الخطاب حتي يكون قادرا علي التواصل مع الشعب البريطاني وذلك حينما قال :
“If Hitler invaded hell, I will make at least a favorable reference to the devil in the house of common.”
اي انه اذا قام هتلر بغزو الجحيم، فانني لن اتردد امام مجلس العموم البريطاني، في تزكية الشيطان الذي يسكنه.
اذا استطاع أحدكم يا سادتي القراء والقارئات إقناعي بأن الحركة الاسلامية اقل خطرا من النازية ، فانا كلي إستعداد لتبديل موقفي الذي تحول الي مساندة قوات تأسيس .
تهمني هنا مواقف ” صمود” رغم إحترامي لقياداتها وتقديري لمجهوداتهم لاحتواء كارثة الحرب وسفك الدماء، إلا انني اري ان اتخاذهم لموقف الحياد بين الفريقين المتقاتلين، قد دفعهم الى تبني خطاب يخدم بروبوقاندا الفلول وقد ظهر ذلك جليا خلال أحداث الجزيرة والفاشر حيث ساهم العديد منهم في تضخيم انتهاكات مزعومة للدعم السريع ومن بعدها قوات تأسيس وانجروا وراء أكاذيب الكيزان لا لشئ، إلا لأن ذلك يخدم موقفهم ” الحيادي” ويؤكد “صحته” . كذلك نجد ان تأسيس تحاول تضخيم تأثيرها مثل ” دورها في تحجيم التدخلات المصرية” الخ من محاولات احتكار المبادرات كممارسة تعويضية. انا لا ازعم انها تفعل ذلك ولكنني فقط انبه الي خطورة ” الحياد” ومآلاته السالبة علي المشهد السياسي المحترق.
كذلك اري ان قيادات صمود تتحدث بتفاؤل كبير حول مبادرات الرباعية، بعد أن وضعوا كل بيضهم في سلة المجتمع الدولي، رغم ان التعامل مع الرباعية يتطلب اتفاؤل يشوبه الحذر لاعتبارات عديدة لا يسع المجال لذكرها.
طلعت محمد الطيب

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

نشاط ” صمود” وغضب البرهان (٢)

استنكر الباشمهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني حديث رئيس الوزراء الكندي مارك كارنى حينما …