باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 2 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

بين تحرير الدين من أسر التاريخ ومأزق إثبات «الرسالة الثانية»: نقد علمي للفكر الديني لمحمود محمد طه

اخر تحديث: 2 أكتوبر, 2026 8:03 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال نقد الفكر الديني لمحمود محمد طه بوصفه واحداً من أكثر المشاريع الفكرية السودانية تركيباً وإثارة للجدل في القرن العشرين، لا باعتباره مجرد موقف ديني إصلاحي، وإنما باعتباره محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الإسلام والإنسان والدولة والمجتمع والحرية والديمقراطية والمرأة والهوية والعدالة الاجتماعية. وينطلق المقال من أن مشروع طه نشأ داخل سياق سوداني وتاريخي اتسم بتداخل الدين مع الاستعمار والحركة الوطنية والدولة الحديثة والصراع الاجتماعي والسياسي، ولذلك فإن فهمه ونقده يقتضيان وضع أفكاره داخل تاريخ السودان الفكري والسياسي، وعدم اختزالها في قضية واحدة مثل «الرسالة الثانية من الإسلام» أو موقفه من الشريعة أو حادثة إعدامه.

يبدأ التحليل من الخلفية التاريخية التي سبقت ظهور مشروع محمود محمد طه، ولا سيما المهدية والحركة الوطنية وتكوين الدولة السودانية الحديثة، باعتبار أن الفكر الديني السوداني لم يتشكل في فراغ، بل تطور في سياق طويل من التفاعل بين الإسلام المحلي والتصوف والفقه والحركات السياسية والاستعمار البريطاني المصري ثم الدولة الوطنية. ويبين المقال أن المهدية أسهمت في تشكيل الوعي السياسي والديني الحديث في السودان، وأنها قدمت نموذجاً لتحويل المرجعية الدينية إلى مشروع سياسي واجتماعي، وهو السياق الذي أصبح لاحقاً جزءاً من البيئة الفكرية التي تحرك فيها طه. كما يوضح أن الوطنية السودانية الحديثة لم تكن منفصلة عن الأسئلة الدينية، وأن العلاقة بين بناء الدولة الحديثة والمرجعية الإسلامية ظلت واحدة من القضايا المركزية في التاريخ السياسي والفكري السوداني.

وينتقل المقال بعد ذلك إلى جذور الإصلاح الديني التي حاول محمود محمد طه أن يبني عليها مشروعه، موضحاً أن فكرته الأساسية لا تتمثل في رفض الإسلام أو التخلي عن القرآن، وإنما في إعادة تفسير العلاقة بين مستويين من الخطاب القرآني، وفي التمييز بين آيات المرحلة المكية وآيات المرحلة المدنية من حيث طبيعة الخطاب والوظيفة التاريخية والتشريعية. ويرى طه أن الرسالة المكية تمثل المستوى الأعلى من القيم الإنسانية القائمة على الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، بينما ارتبطت الرسالة المدنية بظروف تاريخية واجتماعية محددة اقتضت تشريعات أكثر ملاءمة لمجتمع القرن السابع. ومن هنا بنى طه مفهوم «الرسالة الثانية» بوصفها محاولة للعودة إلى الأصول الأخلاقية والإنسانية للرسالة المكية وإعادة بناء التشريع بما يتناسب مع تطور المجتمع الإنساني.

ويشرح المقال أن هذه الفكرة تمثل جوهر مشروع طه، لكنها في الوقت نفسه تمثل مصدر القسم الأكبر من الاعتراضات عليه. فالنقاد يرون أن تقسيم القرآن إلى رسالتين أو مستويين تشريعيين يثير إشكالات تتعلق بوحدة النص القرآني وطبيعة التشريع الإسلامي ومفهوم النسخ والعلاقة بين النص التاريخي والنص الملزم. كما يطرح النقد سؤالاً حول المعيار الذي يسمح بتحديد الآيات التي تمثل المستوى النهائي من الرسالة وتلك التي ترتبط بمرحلة تاريخية محددة، وحول ما إذا كان هذا المعيار مستمداً من داخل التراث الإسلامي أم من فلسفة أخلاقية حديثة أعيد إسقاطها على النص الديني.

ويعرض المقال كذلك الجذور الصوفية والعرفانية في فكر طه، ويوضح أن مشروعه لا يمكن فهمه بالكامل من خلال أدوات الفقه التقليدي وحدها، لأن طه أعطى مكانة كبيرة لمسألة التطور الروحي للإنسان، وللعلاقة بين الشريعة والحقيقة، ولإمكانية انتقال الفرد والمجتمع من مستوى ديني تاريخي إلى مستوى أكثر تطوراً من المسؤولية الأخلاقية. ويرى المقال أن هذه الخلفية تساعد في تفسير إصراره على أن الإنسان قادر على بلوغ درجة أعلى من الحرية والمسؤولية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً نقدياً حول معيار التحقق من التجربة الروحية ومكانتها في إنتاج الأحكام العامة التي تنظم المجتمع والدولة.

ويبحث المقال بصورة موسعة في مفهوم الحرية عند محمود محمد طه، باعتبار الحرية إحدى الركائز الأساسية في مشروعه. فالحرية عنده ليست مجرد حق سياسي في التصويت أو المشاركة الحزبية، وإنما هي شرط لتكوين الإنسان المسؤول أخلاقياً. ولذلك يرتبط مشروعه الديني بمفهوم واسع للحرية الشخصية والفكرية والدينية والسياسية. ويبين المقال أن هذه النقطة تجعل مشروع طه قريباً من بعض عناصر الفكر الليبرالي والديمقراطي الحديث، لكنه لا يساوي بينه وبين الليبرالية الغربية؛ إذ حاول طه تأسيس الحرية من داخل رؤية إسلامية للإنسان والتوحيد والمسؤولية الفردية.

ويحلل المقال العلاقة بين الحرية والديمقراطية في مشروع طه، موضحاً أن الديمقراطية عنده ليست مجرد نظام إجرائي لتداول السلطة، بل مرحلة من تطور المجتمع نحو الاعتراف بكرامة الإنسان وقدرته على تحمل المسؤولية. ومن هنا ارتبطت الديمقراطية عنده بإلغاء الاستبداد وبناء مجتمع يستطيع أفراده ممارسة الحرية دون تحويلها إلى فوضى أو استبداد جديد. ويشير المقال إلى أن أهمية هذه الفكرة بالنسبة للسودان تكمن في أن طه حاول معالجة مشكلة ظلّت مركزية في التاريخ السياسي السوداني، وهي التوتر بين الدولة السلطوية والدين والمجتمع المدني.

ويتناول المقال أيضاً موقف طه من الدولة الدينية، موضحاً أن مشروعه لا يدعو إلى إقامة دولة دينية بالمعنى الذي يجعل رجال الدين طبقة حاكمة أو يجعل الدولة الحديثة أداة لفرض التدين على المواطنين. بل إن مشروعه ينتهي، في أحد أهم أبعاده السياسية، إلى ضرورة قيام دولة مدنية ديمقراطية تحترم حرية الفرد. ويبرز هنا التوتر بين البعد الديني لمشروع طه والنتيجة المدنية والسياسية التي يصل إليها، إذ يحاول أن يؤسس دولة غير دينية بالمعنى السلطوي من خلال إعادة تفسير الإسلام نفسه، بدلاً من فصل الدين عن المجال العام بالطريقة التي عرفتها بعض النماذج العلمانية الحديثة.

وينتقل المقال إلى نقد هذه النقطة من خلال السؤال عن العلاقة بين الدين والدولة: هل يمكن تأسيس الدولة المدنية على تأويل ديني محدد، أم أن الدولة المدنية تحتاج إلى حياد مؤسسي تجاه التأويلات الدينية المتنافسة؟ ويبين أن مشروع طه يقدم إجابة مختلفة عن الإجابات العلمانية التقليدية، لأنه لا يبدأ من إخراج الدين من المجال العام، بل من إعادة تفسير الدين بحيث يصبح متوافقاً مع الحرية والمساواة والديمقراطية. وهذا يجعل مشروعه مهماً تاريخياً، لكنه يترك أيضاً سؤالاً مؤسسياً مفتوحاً حول كيفية إدارة التعدد الديني والفكري عندما لا يتفق المواطنون على التأويل الديني نفسه.

ويخصص المقال مساحة كبيرة لموقف طه من المرأة، باعتباره أحد أكثر جوانب مشروعه ارتباطاً بالأسئلة المعاصرة حول المساواة. فقد رأى طه أن كثيراً من الأحكام التي تميز بين الرجل والمرأة ارتبطت بظروف تاريخية معينة، وأن الانتقال إلى مستوى الرسالة الثانية يسمح بإعادة بناء العلاقة بين الجنسين على أساس المساواة الإنسانية والمسؤولية الفردية. وبذلك تجاوز طه، في بعض جوانب مشروعه، القراءات التقليدية التي تعتبر الفروق القانونية بين الرجال والنساء ثابتة وغير قابلة لإعادة النظر.

ويبين المقال أن أهمية هذا الجانب لا تقتصر على قضية المرأة نفسها، بل تكشف منهج طه في التعامل مع النص الديني. فإذا كان من الممكن إعادة تفسير بعض الأحكام المتعلقة بالمرأة على أساس تطور المجتمع، فإن ذلك يعني أن العلاقة بين النص والتاريخ تصبح جزءاً مركزياً من عملية الاجتهاد. ومن هنا تظهر قوة المشروع في قدرته على فتح باب الاجتهاد، ولكن تظهر أيضاً إحدى مشكلاته الأساسية، وهي الحاجة إلى تحديد قواعد واضحة تمنع تحول الاجتهاد إلى انتقائية تفسيرية.

ويتوسع المقال في مناقشة موقف طه من اليسار والحركات الاجتماعية والفكر السياسي، موضحاً أن مشروعه لم يكن مشروعاً فقهياً منعزلاً عن الصراعات الاجتماعية. فقد تعامل مع قضايا الفقر والعدالة الاجتماعية والتمييز والاستغلال والاستبداد باعتبارها قضايا مرتبطة بمفهوم التوحيد وبكرامة الإنسان. كما حاول الجمع بين البعد الروحي والبعد الاجتماعي، بحيث لا يكون الدين مجرد منظومة عبادات فردية، ولا تتحول العدالة الاجتماعية إلى مشروع مادي منفصل عن الأخلاق.

ويبحث المقال كذلك في العلاقة بين فكر طه وقضايا المرأة والعمل الاجتماعي والتغيير السياسي، مبيناً أن مشروعه اكتسب أهمية خاصة بسبب محاولته الربط بين الإصلاح الديني والتحرر الاجتماعي. لكنه يلفت إلى أن تحويل الأفكار الأخلاقية العامة إلى مؤسسات وسياسات يحتاج إلى أكثر من الرؤية الفكرية، ويتطلب تنظيمات سياسية ومؤسسات قانونية واقتصادية قادرة على تنفيذ المبادئ بصورة عملية.

ويعالج المقال علاقة فكر محمود محمد طه باللغة والتاريخ والأدب والثقافة السودانية، موضحاً أن مشروعه لم يكن منفصلاً عن البيئة الثقافية السودانية التي تداخل فيها التصوف والدين واللغة والشفاهية والتاريخ المحلي. ويؤكد أن دراسة طه تحتاج إلى وضعه ضمن تاريخ أوسع للفكر السوداني، إلى جانب مفكرين ومثقفين سودانيين آخرين اختلفوا معه أو تأثروا ببعض الأسئلة التي طرحها، لأن النقاش حول الدين والدولة والهوية لم يكن ملكاً لاتجاه واحد.

ويتناول المقال أيضاً نقد بعض المفكرين السودانيين لمناهج تفسير المجتمع السوداني التي تعتمد على ثنائيات جاهزة مثل المركز والهامش أو الرعوية والحداثة أو العرب والأفارقة. ويستخدم هذا النقاش لتوضيح أن نقد الفكر الديني لمحمود محمد طه لا ينبغي أن يتحول إلى نقد ثقافي اختزالي يفسر أفكاره فقط من خلال هويته أو موقعه الاجتماعي، بل يجب تحليل النصوص والأفكار والحجج التي قدمها فعلياً.

ويبحث المقال في إسهام منصور خالد وغيره من المثقفين السودانيين في نقد الدولة والمجتمع السياسي، موضحاً أن فكر طه يمكن وضعه ضمن تيار أوسع من التفكير السوداني الذي انتقد الاستبداد والدولة المركزية والعلاقة غير المتوازنة بين المركز والأقاليم. لكنه يوضح أيضاً أن مشروع طه يتميز عن مشاريع النقد السياسي الأخرى بأنه حاول بناء الأساس الأخلاقي والديني للتغيير السياسي، بينما ركز آخرون بدرجات مختلفة على الدولة والمؤسسات والتاريخ والاقتصاد والسياسة.

ويتوسع المقال في قضية الهوية السودانية وعلاقتها بمشروع طه، موضحاً أن الفكر الجمهوري قدم تصوراً للسودان باعتباره مجتمعاً يمكن أن يتجاوز الانقسامات الدينية والإثنية والثقافية من خلال المواطنة والحرية والمساواة. ويكشف هذا الجانب أهمية مشروع طه في النقاش السوداني حول «السودان الجديد» والتعددية، حتى عندما لا يكون هناك تطابق مباشر بين الفكر الجمهوري والمشاريع السياسية التي ظهرت لاحقاً تحت هذا الاسم.

كما يدرس المقال علاقة مشروع طه بالتنوير، ويشير إلى أن استخدام مفهوم التنوير في وصف مشروعه يحتاج إلى حذر منهجي، لأن طه لم يدعُ إلى تبني النموذج الأوروبي كما هو، ولم يعتبر الحداثة الغربية مصدراً وحيداً للمعرفة. وإنما حاول إنتاج حداثة ذات أساس إسلامي، تجمع بين العقل والروح، وبين الحرية والمسؤولية، وبين التطور الاجتماعي والقيم الدينية. ولهذا فإن وضعه في خانة التنوير الإسلامي يحتاج إلى تعريف دقيق للمفهوم وعدم تحويله إلى وصف تقويمي.

ويحلل المقال موقف طه من الشريعة بصورة معمقة، باعتباره المركز الأكثر حساسية في تقييم مشروعه. فالرسالة الثانية عنده لا تعني إلغاء الإسلام أو إلغاء القرآن، وإنما إعادة تحديد المجال الذي ينبغي أن تصبح فيه الأحكام التاريخية ملزمة. وهو يرى أن الشريعة في صورتها التاريخية كانت مناسبة لمستوى معين من التطور الاجتماعي، بينما يحتاج المجتمع الحديث إلى الانتقال نحو مستوى أرقى من التشريع يقوم على الحرية والمساواة والمسؤولية.

ويعرض المقال أهم الاعتراضات الفقهية على هذا التصور، ومنها الاعتراض على التمييز بين الآيات المكية والمدنية باعتباره أساساً لتحديد المستوى التشريعي النهائي، والاعتراض على إعادة تفسير النسخ، والاعتراض على اعتبار بعض الأحكام التاريخية غير مناسبة للمجتمع الحديث. كما يناقش اعتراضات ترى أن طه لم يقدم نظرية أصول فقه مكتملة تسمح بتحديد قواعد الاجتهاد بطريقة قابلة للتطبيق العام، وأن بعض استنتاجاته تعتمد على منظومة فلسفية وروحية خاصة به أكثر مما تعتمد على قواعد متفق عليها في علوم القرآن والحديث وأصول الفقه.

ويبيّن المقال في المقابل أن النقد الفقهي وحده لا يكفي للحكم على مشروع طه، لأن مشروعه يمثل أيضاً محاولة فلسفية وأخلاقية لإعادة تعريف وظيفة الدين في العصر الحديث. فالسؤال ليس فقط هل تتفق قراءته مع المدرسة الفقهية التقليدية، وإنما أيضاً هل قدم إطاراً متماسكاً للتعامل مع مشكلات الدولة الحديثة والحقوق الفردية والمساواة والديمقراطية والتعددية. ومن هذا المنظور يصبح تقييمه أكثر تركيباً من مجرد القول بأنه تقليدي أو حداثي أو علماني أو إسلامي.

ويتناول المقال قضية العلاقة بين الإنسان والنص، موضحاً أن طه أعطى للإنسان موقعاً مركزياً في عملية التطور الديني والأخلاقي. فالغاية النهائية من الدين، في قراءته، ليست مجرد الامتثال الشكلي للقواعد، وإنما بناء الإنسان الحر المسؤول. وهذا التصور يفسر اهتمامه بالصلاة والعبادة والتربية الروحية، ولكنه يثير أيضاً سؤالاً حول إمكانية التوفيق بين التجربة الفردية والمعيار القانوني العام الذي تحتاجه الدولة الحديثة.

ويخصص المقال جزءاً مهماً لمسألة التعدد الديني، موضحاً أن مشروع طه كان أكثر انفتاحاً على المساواة بين المواطنين من كثير من التصورات التقليدية للدولة الإسلامية. فالحرية الدينية عنده مرتبطة بحرية الإنسان، ولا يمكن للدولة أن تفرض العقيدة بالقوة. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في السودان بسبب التنوع الديني والثقافي والجغرافي، وبسبب التاريخ الطويل للصراع حول طبيعة الدولة وعلاقة الإسلام بالمواطنة.

ويبحث المقال في العلاقة بين مشروع طه والاستبداد السياسي، ويبين أن موقفه من نظام جعفر نميري ومن قوانين سبتمبر 1983 أصبح جزءاً مركزياً من ذاكرة الفكر السياسي السوداني. فقد عارض طه تطبيق قوانين سبتمبر، واعتبرها مخالفة لمقتضيات الإسلام الذي ينشده، كما عارض استخدام السلطة السياسية للدين. وقد أدى هذا الموقف إلى صدام مباشر مع النظام، انتهى باعتقاله ومحاكمته وإعدامه في 18 يناير 1985.

ويحلل المقال إعدام محمود محمد طه باعتباره حدثاً سياسياً وقانونياً وفكرياً بالغ الأهمية، لا مجرد واقعة في تاريخ رجل دين أو مفكر. فالمحاكمة ارتبطت بالسؤال حول حدود حرية الفكر والتعبير، وحول استخدام القانون الجنائي في قضايا العقيدة، وحول علاقة القضاء بالسلطة السياسية، وحول قدرة الدولة على تحويل الخلاف الديني إلى جريمة. كما أصبحت قضية طه لاحقاً جزءاً من النقاش السوداني والدولي حول حقوق الإنسان وحرية الدين والمعتقد.

ويؤكد المقال أن إعدام طه لا يحسم علمياً صحة مشروعه الفكري، كما أن الاضطهاد السياسي لا يجعل أي نظرية صحيحة تلقائياً. وفي المقابل فإن طريقة محاكمته وإعدامه لا يمكن فصلها عن السياق السياسي لنظام نميري وعن استخدام الدين في الصراع على السلطة. ولذلك ينبغي الفصل بين تقييم حجج طه الفكرية وبين تقييم الظروف السياسية والقانونية التي أحاطت بنهايته.

وينتقل المقال إلى مقارنة مشروع طه بتيارات الإصلاح الديني الأخرى، موضحاً أنه يشترك معها في محاولة التوفيق بين الإسلام والحداثة، لكنه يختلف عنها في الطريقة التي عالج بها العلاقة بين القرآن والتشريع. كما يقارن بينه وبين تيارات إسلامية أخرى أكثر تمسكاً بالمفهوم التقليدي للشريعة، وبين اتجاهات علمانية تفصل الدين عن الدولة بصورة أكثر وضوحاً. وتكشف المقارنة أن طه يمثل مساراً ثالثاً يقوم على إعادة بناء الإسلام من الداخل بدلاً من علمنة الدولة من الخارج أو إعادة إنتاج النموذج الفقهي التاريخي.

ويعرض المقال نقاط الالتقاء والاختلاف بين طه وبعض مشاريع الإصلاح الإسلامي الحديثة، مع التركيز على أسئلة الاجتهاد والحرية والدولة والمرأة والعدالة. ويخلص التحليل المقارن إلى أن القيمة العلمية للمشروع لا تكمن في مطابقته لمشروع فكري آخر، وإنما في الأسئلة التي أثارها وفي محاولته تقديم إجابات مترابطة عن قضايا ظلت عصية على الحل في الفكر الإسلامي الحديث.

ويتناول المقال كذلك الانتقادات الموجهة إلى مشروع طه من داخل التيارات الإسلامية، والتي ترى أن مشروعه تجاوز حدود الاجتهاد المقبول وأن مفهوم الرسالة الثانية يؤدي إلى تعطيل أحكام شرعية ثابتة. كما يعرض الانتقادات العلمانية التي ترى أن بقاء المشروع داخل المرجعية الدينية قد يترك مشكلة المرجعية النهائية دون حل، لأن الدولة ستظل بحاجة إلى تحديد أي تأويل ديني يصبح أساساً للتشريع.

ويعرض في الوقت نفسه الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى المشروع من منظور اجتماعي وسياسي، ومنها أن البناء النظري المرتفع لا يصاحبه دائماً تصور مؤسسي تفصيلي لكيفية إدارة الدولة والاقتصاد والقضاء والأمن والعلاقات بين السلطات. فالفكرة الأخلاقية عن الحرية والمساواة تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وآليات تنفيذ ورقابة حتى تتحول إلى نظام سياسي قابل للاستمرار.

ويصل المقال إلى أن إحدى نقاط القوة الأساسية في مشروع طه تتمثل في محاولته عدم الفصل بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي والاجتماعي. لكنه يحدد في المقابل أحد أبرز جوانب الضعف في الحاجة إلى تطوير آليات أكثر وضوحاً للانتقال من المبادئ الفلسفية إلى المؤسسات. فالدعوة إلى الحرية والمساواة لا تكفي وحدها لإدارة دولة متعددة الأديان والثقافات والمصالح، ما لم تقترن بنظام دستوري واضح وقضاء مستقل ومؤسسات منتخبة وآليات لحماية الحقوق.

ويربط المقال هذه النتائج بالسودان المعاصر، موضحاً أن الأسئلة التي طرحها طه ما زالت حاضرة بصورة مباشرة في قضايا بناء الدولة بعد الحروب والانقلابات والاستبداد، وفي النقاش حول الدستور والحقوق والحريات والدولة المدنية والمواطنة والمساواة. ولذلك لا ينبغي التعامل مع فكر طه باعتباره موضوعاً تاريخياً مغلقاً، وإنما باعتباره أحد المصادر الفكرية التي يمكن الاستفادة من أسئلتها في بناء النقاش السوداني حول الدولة المستقبلية.

ويؤكد المقال أن الدرس السوداني الأهم لا يتمثل في تبني مشروع طه كاملاً أو رفضه كاملاً، وإنما في التعامل معه باعتباره تراثاً فكرياً قابلاً للفحص والنقد وإعادة البناء. فبعض أفكاره المتعلقة بالحرية والمساواة ورفض الاستبداد الديني والسياسي يمكن دراستها في إطار بناء الدولة المدنية، بينما تحتاج أفكاره المتعلقة بالتفسير والنسخ والرسالتين إلى فحص علمي دقيق من علماء القرآن والحديث وأصول الفقه والفلسفة والتاريخ، حتى لا يتحول النقاش إلى مواقف عقائدية مسبقة.

ويشير المقال إلى أهمية إعادة قراءة طه في ضوء التجربة السودانية اللاحقة، لأن الأحداث التي وقعت بعد إعدامه أظهرت أن مشكلة السودان لم تكن في غياب الأفكار وحدها، وإنما في ضعف المؤسسات وفي العلاقة غير المستقرة بين الجيش والسياسة والدين وفي المركزية المفرطة وفي الصراع على الموارد والهوية. ومن ثم فإن المشروع الفكري لا يمكن أن يحل وحده مشكلة الدولة، لكنه يستطيع أن يقدم إطاراً أخلاقياً وفلسفياً لتحديد نوع الدولة التي يراد بناؤها.

ويطرح المقال مجموعة من الأسئلة الكبرى التي ينبغي أن تستمر في البحث، منها: هل يمكن بناء نظرية إسلامية متماسكة للحقوق الفردية دون الاعتماد على القراءة التقليدية للشريعة؟ هل يمكن جعل الحرية الدينية حقاً أصيلاً لجميع المواطنين دون استثناء؟ هل يمكن تحويل مفهوم الرسالة الثانية إلى منهج اجتهادي مؤسسي قابل للتطبيق وليس مجرد رؤية فكرية فردية؟ وكيف يمكن التوفيق بين المرجعية الدينية والتعددية الدينية والثقافية؟ وما الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الاجتهاد الديني والتشريع السياسي؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول أي قراءة دينية، بما فيها قراءة طه، إلى سلطة أيديولوجية جديدة؟

ويؤكد المقال أن هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في السودان بسبب التاريخ الطويل لتسييس الدين، وبسبب التجربة المريرة لقوانين سبتمبر، وبسبب الحروب الأهلية والانقسامات السياسية، وبسبب الحاجة إلى دستور يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين بصرف النظر عن الدين والجنس والأصل والمنطقة. ولذلك فإن قراءة طه ينبغي أن تتم ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الفكر السياسي السوداني وليس في إطار الجدل حول شخصه وحده.

ويقدم المقال تصوراً منهجياً جديداً لقراءة محمود محمد طه يقوم على أربعة مستويات مترابطة: المستوى التاريخي الذي يضع أفكاره في سياق السودان والعالم الإسلامي في القرن العشرين؛ والمستوى النصي الذي يفحص تفسيراته للقرآن والسنة ومفهوم النسخ والرسالتين؛ والمستوى الفلسفي الذي يدرس تصوراته للإنسان والحرية والأخلاق والتطور؛ والمستوى السياسي والمؤسسي الذي يسأل عن كيفية تحويل هذه الأفكار إلى دولة وقوانين ومؤسسات. ويسمح هذا المنهج بتجاوز القراءة الأحادية التي تختزل طه في موقف ديني واحد أو حادثة إعدامه.

ويؤكد المقال أن المقارنة بين طه والتيارات الإسلامية والعلمانية والإصلاحية المختلفة يجب أن تكون مقارنة في الأفكار والحجج والمؤسسات والنتائج التاريخية، لا مقارنة في النوايا أو الأشخاص. كما ينبغي التمييز بين ما كتبه طه بنفسه وبين ما نسبه إليه خصومه أو أنصاره لاحقاً، وبين النصوص الأصلية والتفسيرات اللاحقة، وبين المواقف التي ثبتت في كتبه ومواقفه السياسية والمواقف التي أضيفت إلى صورته الفكرية في السجالات اللاحقة.

وفي الجانب النقدي النهائي، يرى المقال أن مشروع محمود محمد طه يمثل محاولة جريئة لإعادة بناء الفكر الإسلامي من داخل المرجعية الإسلامية، وأن قيمته التاريخية تكمن بدرجة كبيرة في أنه طرح أسئلة لم تكن تحظى بالمساحة نفسها في الخطاب الديني والسياسي السوداني التقليدي، وخاصة أسئلة الحرية والمساواة وحقوق المرأة والديمقراطية ورفض استخدام الدين أداة للاستبداد. وفي الوقت نفسه، فإن مشروعه يظل بحاجة إلى نقد منهجي صارم في قضايا المنهج التفسيري وأصول الاستنباط وإثبات التمييز بين المستويات القرآنية وإمكانية تحويل رؤيته الروحية إلى نظام تشريعي ومؤسسي عام.

وينتهي المقال إلى أن محمود محمد طه لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد شهيد سياسي، ولا بوصفه مجرد مفكر ديني مخالف للتراث، ولا بوصفه صاحب إجابات نهائية عن علاقة الإسلام بالدولة. وإنما ينبغي قراءته بوصفه مفكراً سودانياً قدم مشروعاً متكاملاً نسبياً لإعادة تفسير الدين في ضوء الحرية والتطور الأخلاقي، ثم إخضاع هذا المشروع للنقد التاريخي والنصي والفلسفي والسياسي والمؤسسي. وتتمثل أهميته بالنسبة للسودان في أنه فتح بصورة مبكرة سؤالاً لا يزال قائماً: كيف يمكن بناء دولة حديثة، ديمقراطية ومتعددة، يكون فيها الدين جزءاً من المجال الثقافي والأخلاقي للمجتمع دون أن يتحول إلى أداة لإلغاء المواطنة أو فرض التأويل الواحد أو تبرير الاستبداد؟

وبهذا المعنى، فإن نقد الفكر الديني لمحمود محمد طه لا ينبغي أن ينتهي إلى إدانة المشروع أو تمجيده، وإنما إلى تفكيك عناصره، وتمييز ما هو تاريخي عما هو منهجي، وما هو روحي عما هو سياسي، وما هو قابل للتحويل إلى مؤسسة عما يظل تجربة فكرية فردية. وتصبح القيمة الحقيقية للدراسة في قدرتها على تحويل الجدل حول طه من صراع بين مؤيدين وخصوم إلى بحث علمي في النص والدين والتاريخ والدولة والحرية والعدالة، بما يسمح بإعادة إدخال الفكر الجمهوري وميراث محمود محمد طه في النقاش السوداني المعاصر حول الدولة المدنية والدستور والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: لماذا يبقى مشروع محمود محمد طه اختباراً مركزياً لإمكان تجديد الفكر الديني في السودان؟

يمثل محمود محمد طه واحدة من أكثر التجارب الفكرية والدينية السودانية إثارة للجدل في القرن العشرين، ليس فقط بسبب مواقفه السياسية أو بسبب الطريقة التي انتهت بها حياته في 18 يناير 1985، وإنما لأن مشروعه حاول إعادة بناء العلاقة بين القرآن والتشريع والدولة والحرية والمساواة والمرأة والآخر الديني من داخل المرجعية الإسلامية نفسها. وقد تأسس الحزب الجمهوري في أكتوبر 1945 في سياق الحركة الوطنية السودانية، ثم شهد المشروع تحولاً فكرياً عميقاً بعد خلوة طه التي بدأت في مطلع الخمسينيات، وخصوصاً منذ 1951، عندما أخذت الفكرة الجمهورية صورتها الدينية الجديدة بصورة أكثر وضوحاً. وقد بلور طه هذه الرؤية في مؤلفات متتابعة، كان من أبرزها «قل هذه سبيلي» في 1952، و«أسس دستور السودان» في 1955، و«طريق محمد» و«رسالة الصلاة» في 1966، ثم «الرسالة الثانية من الإسلام» في 1967، التي أصبحت النص المركزي في مشروعه الفكري (Mahmoud, 2001؛ Thomas, 2010). وتؤكد الدراسات التاريخية أن الحزب الجمهوري لم يكن منذ البداية مطابقاً للحركة الجمهورية التي عُرفت في الستينيات والسبعينيات؛ فقد بدأ كحزب سياسي وطني معارض للاستعمار، ثم أعيد تشكيله تدريجياً بوصفه حركة دينية إصلاحية بعد التحول الفكري لطه في الخمسينيات (Badri, 2015؛ Mahmoud, 2001).

ويكتسب نقد طه أهمية إضافية لأن مشروعه لم يكن مجرد دعوة إلى إصلاح بعض الأحكام الفقهية، بل محاولة لإعادة تعريف الطريقة التي يُفهم بها الإسلام نفسه. فقد انطلق من التمييز بين القرآن المكي والقرآن المدني، ورأى أن القرآن المكي يمثل المستوى الأخلاقي والإنساني الأعلى للإسلام، بينما مثل القرآن المدني استجابة تشريعية تاريخية لواقع المجتمع الإسلامي في القرن السابع. وبناءً على ذلك اقترح الانتقال في المستقبل من «الرسالة الأولى» التي قامت عليها الشريعة التاريخية إلى «الرسالة الثانية» التي تستعيد المبادئ المكية باعتبارها الأساس الملائم لمجتمع حديث قائم على الحرية الفردية والمساواة والعدالة والسلام (Taha, 1987). وتصف الدراسات الأكاديمية الحديثة هذه الفكرة بأنها المحور الذي تنتظم حوله بقية عناصر المشروع الجمهوري، بما في ذلك إعادة تفسير النسخ والشريعة والمرأة والحرية الدينية والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين (Rusin, 2025؛ Adrahtas, 2020).

ويقوم هذا المقال على منهج نقدي لا يبدأ من قبول طه أو رفضه، ولا يحول النقد العلمي إلى محاكمة دينية للشخص، وإنما يميز بين أربعة مستويات يجب ألا تختلط: وصف ما قاله طه فعلاً، وإعادة بناء منطقه الداخلي، واختبار مقدماته النصية والأصولية والتاريخية، ثم تقييم مدى قدرة هذه المقدمات على إنتاج النتائج التشريعية والاجتماعية التي أرادها. وقد تم ترتيب المادة وفق تسلسل بحثي مقصود يقترب من أفضل ممارسات بناء المقالات الفكرية المقارنة: يبدأ بالسياق التاريخي، ثم يعيد بناء النظرية من مصادرها الأصلية، ثم يفحص مركزها المنهجي، ثم يختبر تطبيقاتها في الشريعة والمرأة والحرية والدولة، وبعد ذلك ينتقل إلى النقد السوداني والعربي والدولي، ثم يقارن الاعتراضات، وينتهي بتحديد ما يمكن إثباته وما يحتاج إلى إعادة تأسيس، مع استخلاص دروس عملية قابلة للاستخدام في السودان المعاصر. والغاية من هذا الترتيب هي منع الانتقال المبكر إلى الحكم قبل تعريف موضوع الحكم نفسه، ومنع الخلط بين النقد النصي والنقد السياسي والنقد التاريخي.

ولا تكمن المشكلة العلمية الأساسية في السؤال عما إذا كان محمود محمد طه «مجدداً» أو «مخالفاً للتراث»، لأن كلا الوصفين يحتاج إلى تفصيل. فالتجديد لا يثبت صحة النظرية، ومخالفة الموروث لا تثبت بطلانها. والسؤال الأكثر صرامة هو: هل قدم طه سلسلة استدلال متماسكة يمكن أن تنتقل من النص القرآني إلى نظرية جديدة في التشريع دون افتراضات معيارية أو معرفية لا يبرهن عليها المشروع بصورة كافية؟ وإذا كانت الإجابة جزئية، فما المجالات التي يظل فيها مشروعه بالغ القوة بوصفه فلسفة أخلاقية ودينية، والمجالات التي تظل فيها بنيته الأصولية بحاجة إلى تطوير؟

الفصل الأول: من الحزب الجمهوري إلى «الفهم الجديد للإسلام» ــ المسار التاريخي الذي لا يمكن فصله عن النظرية

وُلد محمود محمد طه في رفاعة بالسودان عام 1909، وتلقى تعليمه الهندسي وعمل في مجال الهندسة، ثم انخرط في الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار البريطاني. وفي أكتوبر 1945 أسس مع رفاقه الحزب الجمهوري، وكان الهدف السياسي في بدايته إقامة سودان مستقل وجمهوري وديمقراطي والحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز أوضاع العاملين والمزارعين ومكافحة الجهل؛ وتوضح وثائق الحزب المبكرة أن المشروع السياسي الأول كان ذا طابع وطني واضح قبل التحول اللاحق إلى حركة دينية ذات برنامج فكري متكامل (Taha, 1963؛ Badri, 2015). وتُظهر الوثائق المنشورة عن دستور الحزب الجمهوري لعام 1945 أن أهدافه تضمنت الاستقلال الكامل، وإقامة حكومة سودانية حرة وديمقراطية وجمهورية، والوحدة الوطنية، والنهوض بالفرد والعناية بالعامل والمزارع، ومكافحة الجهل، وهي عناصر تكشف أن بدايات طه السياسية لا يمكن اختزالها في مشروعه الديني اللاحق.

تعرض طه للاعتقال في الحقبة الاستعمارية بسبب نشاطه السياسي، ثم دخل مرحلة من التحول الفكري والروحي في مطلع الخمسينيات. وتجمع المصادر الأكاديمية التي تناولت سيرته على أن سنة 1951 تمثل نقطة انعطاف أساسية في تطور المشروع، إذ خرج طه من مرحلة الحزب السياسي التقليدي إلى تصور جديد للإسلام أصبح أساساً لإعادة بناء الحركة الجمهورية. وفي 1952 نشر «قل هذه سبيلي»، ثم توالت أعماله التي تناولت الصلاة والتشريع والدستور وطبيعة الإسلام والعلاقة بين الفرد والمجتمع (Mahmoud, 2001؛ Thomas, 2010). وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف الحزب الجمهوري نفسه، الذي أصبح تدريجياً حركة دعوية وفكرية واجتماعية أكثر منه حزباً انتخابياً بالمعنى التقليدي (Badri, 2015؛ Mahmoud, 2001).

وفي هذا السياق ظهرت «الرسالة الثانية من الإسلام» سنة 1967 بوصفها التعبير الأكثر تركيزاً عن النظرية الجديدة. وفي ترجمتها الإنجليزية التي قدمها عبد الله أحمد النعيم ونشرتها جامعة سيراكيوز سنة 1987، يعرض طه مشروعاً لتأسيس صيغة حديثة من الشريعة تقوم على نقل مركز الثقل التشريعي من فئة من النصوص القرآنية إلى فئة أخرى، بما يسمح ــ في تصوره ــ بإقامة مساواة مدنية وسياسية واقتصادية بين البشر بصرف النظر عن الجنس أو الدين (Taha, 1987). وتؤكد البيانات الببليوغرافية للكتاب أن الترجمة الإنجليزية تتكون من 178 صفحة وأنها تمثل أول ترجمة إنجليزية كاملة للعمل، الأمر الذي جعلها أحد أهم المداخل الأكاديمية الدولية إلى فكر طه.

لكن تاريخ الحركة بعد ذلك يكشف عن مفارقة مهمة: كلما أصبح مشروعها أكثر جرأة في نقد الشريعة التاريخية، أصبحت قاعدتها الاجتماعية والسياسية أضيق. فقد خلص غيرهارد ليشتنتالر إلى أن الحركة الجمهورية كانت حركة سودانية أصلية ذات جذور صوفية وإصلاحية، وأن برنامجها دعا إلى المساواة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكنها ظلت محدودة التأثير بسبب جذرية مواقفها في قضايا الشريعة والمرأة والزواج، إضافة إلى مواقفها السياسية المثيرة للجدل، وعلاقتها السابقة بنظام جعفر نميري، وما ترتب على ذلك من عزلة اجتماعية وسياسية (Lichtenthäler, 1995). ويضيف محمد محمود أن الحركة مرت بتحول أيديولوجي حاد بعد 1951، وأنها سعت إلى المصالحة بين الإسلام والحداثة، إلا أن هذا التحول نفسه أسهم في تحديد موقعها الهامشي في السياسة السودانية اللاحقة (Mahmoud, 2001).

وقد بلغت المواجهة ذروتها بعد إعلان نميري قوانين سبتمبر 1983، التي اتجهت إلى أسلمة النظام القانوني السوداني وفرض عقوبات مستمدة من الشريعة. عارض طه والجمهوريون تلك القوانين، واعتبروا أن تطبيقها يمثل عودة إلى مرحلة تاريخية لم تعد مناسبة للمجتمع الحديث. وفي يناير 1985 اعتُقل طه مع عدد من الجمهوريين، ثم حُكم عليه بالإعدام ونُفذ الحكم في 18 يناير 1985. وتظهر الدراسات القانونية أن القضية أحاطت بها إشكالات إجرائية ودستورية خطيرة، وأن المحاكمة والعقوبة لا يمكن فهمهما بمعزل عن النظام السياسي والقانوني لنميري في ذلك الوقت (O’Sullivan, 2001). كما تذهب دراسات قانونية إلى أن حكم الإدانة اللاحق في عام 1986 عُدّ انتهاكاً للدستور وللقوانين نفسها، وهو ما جعل قضية طه جزءاً من تاريخ العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضاء والشريعة في السودان، وليس مجرد نزاع ديني حول تفسير القرآن.

وهنا ينبغي الفصل بين مسألتين: لا تثبت الأخطاء الإجرائية أو الطابع السياسي للمحاكمة صحة أفكار طه، كما أن اختلاف الباحث مع نظرية طه لا يمنح شرعية للمحاكمة التي أُعدم فيها. إن استقلال نقد النظرية عن تقييم عدالة المحاكمة شرط أساسي للنزاهة العلمية.

الفصل الثاني: البناء الداخلي للفكر الجمهوري ــ الحرية والتطور والرسالة الثانية بوصفها منظومة واحدة

لا يمكن اختزال الفكر الجمهوري في فكرة «النسخ المعكوس»، لأن هذه الفكرة جزء من بنية أوسع تتكون من تصور للإنسان، وتصوف، وفلسفة للأخلاق، ونظرية للتشريع، وفهم للتاريخ، ورؤية للدولة والمجتمع. وقد وصف عدد من الباحثين طه بأنه جمع بين التصوف والإصلاح الإسلامي والديمقراطية والاشتراكية والحرية الفردية، في محاولة لصياغة إسلام حديث لا يقوم على الإكراه وإنما على المسؤولية الفردية (Hatina, 2022؛ Adrahtas, 2020). وقد أكدت دراسة حديثة في «مجلة تاريخ الإسلام» أن «الرسالة الثانية من الإسلام» هي العمل المركزي الذي يمكن من خلاله فهم معظم مكونات أيديولوجية طه، وأن التمييز بين المرحلتين المكية والمدنية هو المفتاح البنيوي لفهمها (Rusin, 2025).

ينطلق طه من تصور للتطور الإنساني والديني يرى أن الإنسان لم يكن قادراً في المرحلة الأولى من التاريخ الإسلامي على تطبيق المستوى الأعلى من الحرية والمسؤولية الذي يراه كامناً في القرآن المكي. ومن ثم جاءت الأحكام المدنية ــ في تفسيره ــ بوصفها استجابة تاريخية لمجتمع لم يكن قادراً بعد على تحمل المستوى الأعلى من الحرية. ولا تعني هذه الفكرة في منطقه أن الآيات المدنية كانت «خطأ»، وإنما كانت مناسبة لمرحلة معينة من التطور. أما «الرسالة الثانية» فتتمثل في العودة إلى المبادئ المكية عندما يصبح الإنسان الحديث أكثر قدرة على تحمل المسؤولية الفردية والحرية (Taha, 1987).

وتظهر هنا واحدة من أكثر نقاط القوة في المشروع: فقد أدرك طه مبكراً أن السؤال حول الشريعة ليس سؤالاً فنياً حول تطبيق مجموعة من الأحكام، بل سؤال حول العلاقة بين النص والتاريخ. فالقرآن نزل في سياقات اجتماعية محددة، وبعض الأحكام عالجت قضايا اقتصادية وأسرية وسياسية وعسكرية كانت جزءاً من واقع المجتمع العربي في القرن السابع. وبالتالي فإن السؤال عن كيفية التعامل مع تلك الأحكام في دولة حديثة ذات مواطنة متساوية ومؤسسات دستورية وحقوق مدنية ليس سؤالاً مفتعلاً، وإنما هو أحد الأسئلة المركزية في الإصلاح الإسلامي الحديث.

لكن الانتقال من هذه الملاحظة الصحيحة إلى النظرية الكاملة لا يحدث تلقائياً. فالقول إن الحكم نشأ في سياق تاريخي لا يعني بالضرورة أنه تاريخي فقط، كما أن القول إن نصاً يتضمن قيمة أخلاقية كونية لا يعني أنه ألغى كل الأحكام الأخرى. ولذلك يجب أن يُفصل بين ثلاثة استنتاجات مختلفة: تاريخية السياق، وتاريخية الحكم، وتاريخية الإلزام. قد يكون سياق الحكم تاريخياً، بينما يظل مبدأ الحكم قابلاً للاستمرار؛ وقد يكون الحكم مرتبطاً بسياق محدد لكنه يظل قابلاً لإعادة التفسير؛ وقد يكون الحكم نفسه قابلاً للاستبدال بحكم آخر عندما تتغير الظروف. وكل واحدة من هذه النتائج تحتاج إلى حجة مستقلة.

ويرتبط بذلك مفهوم طه للحرية. فالحرية عنده ليست مجرد حق سياسي، وإنما هي غاية من غايات التطور الروحي والأخلاقي. وقد عرض طه الإنسان بوصفه كائناً مسؤولاً ينبغي أن ينتقل تدريجياً من الوصاية الخارجية إلى المسؤولية الذاتية، وربط الحضارة الحقيقية بالحرية وليس فقط بالثروة والتكنولوجيا. وتكشف كتاباته أن نقده للحضارة الغربية لم يكن رفضاً مطلقاً للحداثة؛ فقد كان ينتقد استخدامها للعلم والتكنولوجيا في الحرب والهيمنة، وفي الوقت نفسه يستفيد من مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة التي رأى أنها يمكن أن تتلاقى مع القيم القرآنية (Taha, 1987). وتؤكد دراسات لاحقة أن مشروعه كان تركيباً معقداً بين التصوف والديمقراطية والاشتراكية ومفاهيم الأخلاق والحرية والمساواة (Hatina, 2022).

وهذا يوضح أن وصف المشروع بأنه «استيراد للحداثة الغربية» يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فوجود مفاهيم حداثية في فكر طه لا يثبت وحده أن المشروع تلفيق؛ فالتركيب الفكري يمكن أن يكون أصيلاً حتى عندما يستفيد من مصادر متعددة. وفي المقابل فإن القول إن هذه القيم «إسلامية خالصة» يحتاج إلى تمييز دقيق بين النص القرآني نفسه وبين القراءة التي أعاد بها طه تنظيم النص. وهذه هي النقطة التي تجعل وصف المشروع بأنه «توفيقي» قابلاً للنقاش، ولكنه ليس حكماً كافياً بذاته.

الفصل الثالث: قلب النظرية ــ المكي والمدني والنسخ والانتقال من «الرسالة الأولى» إلى «الرسالة الثانية»

تتمثل أكثر نقاط الفكر الجمهوري حساسية في إعادة بناء مفهوم النسخ. ففي الفقه وعلوم القرآن التقليدية توجد مناقشات واسعة حول النسخ، وتعريفه، وشروطه، وأنواعه، وعدد الآيات التي يمكن القول بنسخها. لكن طه أعاد توظيف المفهوم بطريقة مختلفة: فقد رأى أن القرآن المكي يمثل الرسالة الأصلية ذات القيم الإنسانية العامة، وأن الأحكام المدنية مثلت مستوى تشريعياً تاريخياً مناسباً لمرحلة معينة، وأن المستقبل يمكن أن يشهد الانتقال إلى المبادئ المكية باعتبارها أساس التشريع الجديد (Taha, 1987). وقد وصفت دراسات أكاديمية حديثة هذا التصور بأنه إعادة نظر جذرية في علاقة المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، ودرسته باعتباره محاولة لتجديد الشريعة بما يجعلها أكثر توافقاً مع القيم الإنسانية الحديثة (Kurniawatie, 2017؛ Shalahuddin, 2022).

من الناحية الفكرية، تبدو النظرية جذابة لأنها تحاول حل مشكلة حقيقية دون التخلي عن القرآن. فإذا كانت بعض الأحكام القرآنية قد استجابت لظروف اجتماعية وسياسية محددة، وإذا كان الهدف الأخلاقي للدين هو إقامة العدل والرحمة والحرية، فقد يبدو من المعقول أن يُعاد تفسير التشريع في ضوء الظروف التاريخية الجديدة. ولذلك لم يكن مشروع طه مجرد رفض للشريعة، بل محاولة للقول إن الشريعة نفسها يجب أن تتطور، وإن الجمود على أحكام مرحلة تاريخية قد يتعارض مع الغاية الأخلاقية للدين (Taha, 1987).

غير أن الجاذبية الأخلاقية للنظرية لا تكفي لإثبات سلامتها الأصولية. والسؤال الحاسم هو: ما المعيار المستقل الذي يحدد أن آية مكية تمثل المستوى النهائي للتشريع، وأن آية مدنية تمثل مستوى تاريخياً مؤقتاً؟

فالتمييز بين المكي والمدني في علوم القرآن تصنيف تاريخي يتعلق بزمن النزول ومكانه وسياقه العام، لكنه لا يساوي تلقائياً حكماً معيارياً بأن المكي أعلى تشريعياً من المدني. كما أن القرآن المكي لا يتكون من مبادئ أخلاقية مجردة فقط، والقرآن المدني لا يتكون من أحكام قانونية تاريخية فقط؛ فكلا القسمين يشتمل على العقيدة والأخلاق والقصص والحجاج والقيم والتشريع بدرجات مختلفة. ومن ثم فإن تحويل التصنيف الزمني إلى هرم معياري يحتاج إلى خطوة استدلالية إضافية.

وهنا تظهر مشكلة يمكن تسميتها مشكلة القفزة من التاريخ إلى المعيار. فإذا قلنا إن الآية المكية نزلت في ظروف أقل ارتباطاً ببناء الدولة، فهذا لا يثبت أنها أكثر كونية. وإذا قلنا إن الآية المدنية جاءت في ظروف الدولة والمجتمع، فهذا لا يثبت أنها مؤقتة. وإذا قلنا إن مبادئ الحرية والمساواة هي الأعلى، فعلينا أن نوضح هل نستخرج هذه المبادئ من القرآن ذاته، أم من العقل الأخلاقي الحديث، أم من حقوق الإنسان، أم من مزيج بين هذه المصادر.

وهذه ليست مشكلة خاصة بطه وحده؛ إنها مشكلة مركزية في كل مشروع للتجديد الديني. غير أن أهميتها في الفكر الجمهوري أكبر لأن نظرية الرسالة الثانية تعتمد عليها في عدد كبير من نتائجها.

وقد ناقشت دراسات نقدية لنظرية النسخ عند طه هذه المسألة من زوايا مختلفة. فالدراسات التي تناولت مفهوم النسخ عنده تشير إلى أنه لا يكرر النظرية التقليدية، وإنما يعيد بناء العلاقة بين المكي والمدني والناسخ والمنسوخ بهدف تطوير التشريع الإسلامي (Muzammil, 2014؛ Fikri, 2021؛ Shalahuddin, 2022). وهذا يوضح أن النقد الجاد يجب ألا يقول ببساطة إن طه «أنكر النسخ»، لأن الأدق أنه أعاد تعريف وظيفته واتجاهه. وفي المقابل، فإن إعادة التعريف تحتاج إلى إثبات أن المفهوم الجديد يحافظ على صلاحية الاستدلال النصي ولا يتحول إلى أداة يمكن استخدامها لإنتاج النتيجة المطلوبة مسبقاً.

وتبرز هنا مشكلة أخرى هي قابلية الاختبار. فإذا أمكن للباحث أن يقرر أن الآيات التي تتفق مع القيم الحديثة هي «الرسالة الثانية»، ثم يستخدم هذه النتيجة لإثبات أن القيم الحديثة موجودة في الرسالة الثانية، فإننا ندخل في دائرة تفسيرية مغلقة. ولكي تكون النظرية قابلة للاختبار يجب أن تحدد مسبقاً معاييرها: ما خصائص النص المكي الأعلى؟ هل هي الحرية؟ المساواة؟ العمومية؟ قلة التفاصيل القانونية؟ أم طبيعة الخطاب الأخلاقية؟ وهل يمكن تطبيق هذه المعايير على نصوص لم يستخدمها طه نفسه ثم الوصول إلى نتائج متسقة؟

إذا لم توجد إجابة واضحة، تظل النظرية قوية بوصفها إطاراً تأويلياً إصلاحياً، لكنها تصبح أضعف بوصفها نظرية أصولية موضوعية يمكن أن تحسم الخلافات التشريعية.

الفصل الرابع: من التاريخية إلى التأويل ــ أين تنجح نظرية طه وأين تتعثر؟

من أهم إنجازات الفكر الجمهوري أنه رفض القراءة التي تتعامل مع النص الديني وكأنه منفصل عن التاريخ. وهذا المبدأ له سند قوي في العلوم التاريخية الحديثة؛ إذ إن فهم أي نص ديني يتطلب معرفة السياق الذي نشأ فيه، والمخاطبين به، والأسئلة التي عالجها، واللغة التي استخدمها، وبنية المجتمع الذي نزل فيه. غير أن التاريخية المنهجية لا تعني بالضرورة التاريخية التشريعية. وهذه التفرقة أساسية في تقييم طه.

فعندما يقول الباحث إن حكماً معيناً ارتبط بظروف القرن السابع، يمكن أن يعني أحد ثلاثة أشياء: أن فهم الحكم يحتاج إلى معرفة تلك الظروف؛ أو أن تطبيقه الحرفي في العصر الحديث يحتاج إلى إعادة نظر؛ أو أن الحكم فقد صلاحيته التشريعية تماماً. الانتقال من المعنى الأول إلى الثاني يحتاج إلى تحليل فقهي ومقاصدي، والانتقال من الثاني إلى الثالث يحتاج إلى حجة إضافية أكثر قوة.

وهنا يمكن تطوير مشروع طه نفسه باتجاه أكثر صرامة، بدلاً من رفضه أو قبوله بالكامل. فبدلاً من جعل الانقسام المكي والمدني هو المعيار الوحيد، يمكن استخدام منهج متعدد المستويات يجمع بين تاريخ النزول، والسياق الاجتماعي، وبنية الخطاب، ومقاصد الحكم، والوظيفة الاجتماعية، والنتائج الأخلاقية، ومدى إمكانية تعميم الحكم، والتغيرات المؤسسية التي طرأت على المجتمع.

ومن شأن هذا المنهج أن يخفف من الثنائية الحادة بين «المكي» و«المدني». فالآية لا تصبح أكثر أو أقل صلاحية لمجرد مكان النزول؛ وإنما تُدرس ضمن شبكة أوسع من الأدلة. ويمكن مثلاً تحليل الأحكام المتعلقة بالمرأة من خلال النص، والسياق الأسري في الجزيرة العربية، وتطور بنية الأسرة، ومقاصد العدالة، والآثار الاجتماعية المعاصرة، ثم السؤال عما إذا كان استمرار الحكم الحرفي يحقق الغاية التي يمكن إثباتها من مجمل النصوص أم لا.

وهذه المقاربة أكثر مرونة من نظرية «الرسالة الثانية» في صورتها الأصلية، لأنها لا تفترض أن كل المكي أعلى من كل المدني، ولا أن كل المدني مؤقت، بل تجعل طبيعة الحكم ومقصده ووظيفته ودليل استمراره موضوع البحث.

وقد قدم بعض الباحثين بالفعل قراءات تتجاوز الاختيار الثنائي البسيط. وتظهر الدراسات الحديثة أن فكر طه يمثل أحد المسارات الممكنة لإعادة بناء الشريعة، لكنه ليس المسار الوحيد، وأن مشاريع أخرى في الإصلاح الإسلامي تعتمد على المقاصد، أو التاريخية، أو السياق، أو التمييز بين الشريعة والفقه، أو إعادة تعريف السلطة التشريعية في الدولة الحديثة. وهذا يوضح أن القيمة الأساسية لفكر طه قد تكمن في أنه فتح المجال لسؤال الإصلاح، حتى عندما تكون بعض أدواته بحاجة إلى مراجعة.

الفصل الخامس: الحرية والمساواة والمرأة والآخر ــ أقوى نتائج المشروع وأصعب اختباراته النصية

تحتل الحرية الفردية مركزاً رئيسياً في الفكر الجمهوري. فالإنسان عند طه ليس مجرد موضوع لتطبيق الأحكام، وإنما غاية أخلاقية وروحية، وتزداد مسؤوليته بقدر ازدياد حريته. ولذلك ربط المشروع بين الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية، ورفض الإكراه الديني، ودافع عن مساواة البشر أمام القانون، وعن نظام سياسي ديمقراطي واجتماعي أكثر عدلاً (Taha, 1987؛ An-Na’im, 1988).

وتظهر هذه الرؤية بوضوح في اقتراحاته الدستورية والسياسية المبكرة والمتأخرة. فقد كان طه يريد دستوراً سودانياً يقوم على الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية، ويرى أن الديمقراطية ليست مجرد إجراء انتخابي وإنما إطار يسمح للفرد بالنمو وتحمل المسؤولية. وهذا الجانب يفسر لاحقاً تأثير فكره في عبد الله أحمد النعيم الذي نقل كثيراً من الأسئلة الجمهورية إلى مجال حقوق الإنسان والقانون العام والإصلاح الإسلامي (An-Na’im, 1988؛ An-Na’im, 1990).

لكن قوة النتيجة السياسية والأخلاقية لا تحسم تلقائياً مصدرها الديني. فإذا كانت الحرية قيمة أخلاقية يمكن الدفاع عنها بالعقل وحقوق الإنسان والتجربة التاريخية، فمن الممكن بناء دفاع قوي عنها دون الحاجة إلى إثبات أنها تمثل «الرسالة الثانية». أما إذا كان الادعاء هو أن القرآن نفسه يوجب أن تصبح الحرية الفردية المطلقة أساس التشريع الحديث، فإن المطلوب إثبات هذه النتيجة من النص والمنهج.

وتتكرر المسألة نفسها في المساواة بين الرجال والنساء. فقد كان مشروع طه من أكثر المشاريع الإسلامية السودانية جرأة في إعادة التفكير في مكانة المرأة، وشاركت «الأخوات الجمهوريات» في تطوير خطاب عملي حول المساواة في الأسرة والحقوق القانونية. وتكشف مواد منشورة عن الجمهوريين أن ثلاث كتيبات حول قانون الأسرة أُنتجت ووزعت عام 1975، وأن النساء الجمهوريات لم يكن مجرد جمهور تابع، وإنما كن جزءاً من النشاط الفكري والدعوي للحركة (Badri, 2015).

وفي قضايا المرأة، تتضح إحدى أكثر نقاط المشروع أهمية: فقد حاول طه التمييز بين مبدأ أخلاقي عام وبين حكم قانوني تاريخي. فالمساواة، في منطقه، ليست إضافة خارجية إلى الإسلام، وإنما تعبير عن مستوى أعلى من الرسالة. وقد تناولت دراسة حديثة في مجلة «هوا» منهج طه في تفسير الآية 4:34، وقارنته بمقاربات نسوية إسلامية أخرى، مشيرة إلى أن طه يربط بين التمييز بين المكي والمدني وبين إعادة تفسير القضايا المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة (Saleem, 2024). وهذه الدراسات تجعل من الخطأ اختزال موقفه من المرأة في خطاب سياسي عام؛ فقد كانت له نظرية تفسيرية لها نتائج قانونية محددة.

ومع ذلك فإن النقد يظل قوياً من ناحية الأساس المنهجي. فإذا كانت المساواة نتيجة صحيحة أخلاقياً، فإن ذلك لا يثبت أن كل حكم تقليدي مخالف للمساواة يجب أن يُعد من «الرسالة الأولى» المؤقتة. وإذا كانت الآية المدنية هي التي تتضمن الحكم المختلف، فلا بد من إثبات أن المبدأ المكي المقابل يملك سلطة تشريعية ناسخة في المستقبل. وهذه هي الحلقة التي تظل أكثر عرضة للنقد.

أما في قضية الرق، فقد اتجه طه إلى قراءة التطور الأخلاقي للإسلام باعتباره مساراً نحو إنهاء نظام الرق، لا نحو إعادة إنتاجه. وفي قضية غير المسلمين، دفع باتجاه مساواة دينية ومدنية أوسع ورفض الإكراه، وهي عناصر جعلت مشروعه قريباً من قضايا حقوق الإنسان الحديثة. وقد أظهرت دراسات الإصلاح القانوني أن هذه العناصر كانت مركزية في تطوير قراءة حديثة للإسلام عند طه، ولا سيما من خلال النعيم الذي حاول نقل منهجه إلى قضايا القانون الدولي وحقوق الإنسان والعلاقات بين الأديان (An-Na’im, 1988؛ An-Na’im, 1990).

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: قد تكون النتيجة الحقوقية قوية، بينما تكون الحجة التفسيرية التي بُنيت عليها بحاجة إلى مزيد من البرهنة. وهذه ليست مفارقة؛ فالفكرة يمكن أن تكون مهمة أخلاقياً حتى لو احتاجت إلى إعادة تأسيس ديني.

الفصل السادس: الشريعة والحدود والجهاد والدولة ــ الاختبار الذي يكشف الفجوة بين الإصلاح الأخلاقي والهندسة القانونية

كان نقد طه للشريعة التاريخية من أكثر عناصر مشروعه إثارة للجدل. فهو لم يرَ أن تطبيق الحدود والأحكام الجنائية التاريخية في دولة حديثة هو بالضرورة تحقيق للدين، بل رأى أن ذلك قد يكون عودة إلى مستوى تشريعي سابق. وقد أصبح هذا الموقف عملياً شديد الأهمية بعد قوانين سبتمبر 1983، لأن طه لم يكن يناقش مسألة نظرية بعيدة عن السياسة، وإنما كان يعارض نظاماً قانونياً قائماً في السودان في ذلك الوقت.

وتوضح الدراسات التاريخية والقانونية أن قوانين سبتمبر 1983 أدخلت مجموعة من القوانين ذات الطابع الإسلامي في النظام السوداني، منها القانون الجنائي لسنة 1983، وقوانين الإجراءات الجنائية والأدلة والمعاملات المدنية والزكاة وغيرها، وأن هذا التحول القانوني أصبح أحد أهم أسباب المواجهة بين نظام نميري والجمهوريين (Warburg, 1990). وقد كان طه من أبرز المعارضين لهذا الاتجاه، وانتهت المواجهة بإعدامه في يناير 1985. وتكشف الأدبيات القانونية أن قضية طه أصبحت لاحقاً جزءاً من النقاش حول مدى استخدام القانون والشريعة لأغراض سياسية، ومدى احترام الإجراءات الدستورية والقانونية في المحاكمة (O’Sullivan, 2001).

لكن من الناحية النظرية توجد مشكلة مختلفة: رفض تطبيق حكم تاريخي لا يجيب وحده عن السؤال: ما القانون البديل؟

إذا رفضنا الحدود مثلاً، فإن الدولة الحديثة تحتاج إلى نظام جنائي بديل يقوم على مبادئ واضحة للعقوبة، والردع، والإصلاح، وحماية الضحايا، والضمانات الإجرائية، والتناسب، والمساواة. وإذا رفضنا التمييز التاريخي بين المسلمين وغير المسلمين، نحتاج إلى تصور دستوري للمواطنة. وإذا رفضنا سلطة الفقهاء على التشريع، نحتاج إلى تحديد علاقة البرلمان والمحكمة الدستورية والقضاء والشريعة والمجتمع المدني.

وهنا يظهر حد مهم في المشروع الأصلي: فقد كان طه أقوى في نقد النموذج القديم من وضع نموذج مؤسسي تفصيلي مكتمل يحل محله في كل المجالات القانونية.

وقد حاول عبد الله أحمد النعيم لاحقاً تطوير هذه المساحة، فانتقل من نظرية طه في التجديد الداخلي إلى تصور أكثر وضوحاً لعلاقة الإسلام بالدولة والقانون وحقوق الإنسان. وتصبح هذه النقلة ذات دلالة منهجية: فهي تشير إلى أن مشروع طه كان قادراً على إنتاج فلسفة للإصلاح، لكنه احتاج إلى تطوير إضافي كي يتحول إلى نظرية قانونية ودستورية تفصيلية (An-Na’im, 1990).

وهذا لا يعني أن النعيم يمثل «تصحيحاً» لطه بقدر ما يعني أن تطور المدرسة الجمهورية نفسها يكشف الفرق بين النظرية الدينية والنظرية القانونية. الأولى تستطيع أن تحدد الاتجاه الأخلاقي، أما الثانية فتحتاج إلى مؤسسات وقواعد وإجراءات وآليات لحسم الخلاف.

الفصل السابع: التصوف والتجربة الروحية والسلطة المعرفية ــ أقوى عناصر المشروع وأصعبها اختباراً

كان البعد الصوفي جوهرياً في فكر محمود محمد طه، وليس مجرد زخرفة روحية أضيفت إلى نظرية قانونية. وقد لاحظت الدراسات التاريخية أن الحركة الجمهورية كانت ذات جذور صوفية واضحة، وأن تصورها للتطور الروحي والإنسان والحرية لا يمكن فهمه من خلال أصول الفقه وحدها (Lichtenthäler, 1995؛ Thomas, 2010). كما وصفت دراسات حديثة المشروع بأنه تركيب بين التصوف والديمقراطية والاشتراكية والأخلاق والحرية والمساواة (Hatina, 2022).

ويقدم هذا البعد تفسيراً مهماً لبعض المفاهيم التي يصعب فهمها إذا قرئت طه بوصفه مصلحاً قانونياً فقط. فالفرد عنده لا ينتقل من الشريعة التاريخية إلى الحرية الحديثة بقرار سياسي فحسب؛ بل يمر بمسار من التطور الروحي والأخلاقي. والحرية ليست مجرد إزالة القيود، وإنما قدرة الإنسان على تحمل المسؤولية أمام الله. والتشريع ليس غاية نهائية، وإنما وسيلة للانتقال بالإنسان نحو مستوى أعلى من المسؤولية.

لكن هذا البعد يطرح مشكلة معرفية شديدة الأهمية: هل يمكن تحويل التجربة الروحية الشخصية إلى قاعدة تشريعية عامة؟

يمكن قبول التجربة الصوفية باعتبارها مصدراً للمعنى الشخصي والأخلاقي، لكن الدولة تحتاج إلى قواعد يمكن لجميع المواطنين مناقشتها، بمن فيهم من لا يشتركون في التجربة الروحية نفسها. فإذا كان طه يقرر أن بعض مستويات فهم القرآن مرتبطة بالتجربة الروحية أو بالمقام، فإن ذلك لا يمكن أن يكون وحده أساساً لقانون ملزم لجميع المواطنين.

ومن ثم ينبغي التمييز بين المعرفة الروحية والحجة العامة. يمكن أن تكون الأولى مصدر إلهام لصاحبها ولأتباعه، لكن الثانية تحتاج إلى صياغة عقلانية ونصية وتاريخية يمكن اختبارها بصورة مستقلة. وإذا لم يُجر هذا الفصل، يمكن أن تتحول سلطة التجربة الشخصية إلى سلطة تفسيرية لا تخضع لمعيار خارجي.

وهذه مشكلة عامة في الفكر الديني، وليست اتهاماً خاصاً لطه. لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يدعي المشروع أنه لا يقدم تجربة صوفية خاصة، بل يقدم نظرية لتغيير القانون والمجتمع والدولة.

وقد وصف الباحث محمد محمود طه من منظور أكاديمي بأنه مفكر معقد يجمع الفلسفة السياسية والروحانية الإسلامية، وأن النظرية الأكثر تعريفاً بمشروعه هي «الرسالة الثانية»، إلى جانب اهتمامه بالصلاة وتقليد النبي والجبر والاختيار والحرية والتحقق الروحي (Mahmoud, 2007). ويشير هذا العمل إلى أن طه لا يمكن اختزاله في مجرد منظّر للنسخ، بل يجب فهمه بوصفه صاحب رؤية دينية وفلسفية متكاملة.

الفصل الثامن: نقد التوفيقية والتلفيقية ــ بين اعتراض أمين حامد زين العابدين ورد عبدالله الفكي البشير

من أحدث موجات النقد السوداني المباشر للفكر الجمهوري كتاب أمين حامد زين العابدين «الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار» الصادر عام 2025. وقد خصص الكتاب مساحة لنقد المشروع الفكري الديني لمحمود محمد طه، وطرح، من بين قضايا أخرى، أن مشروعه اتسم بنزعة توفيقية وتلفيقية واستوعب مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية، مثل الحكم الدستوري الديمقراطي والحرية الفردية والمساواة والعدالة والاشتراكية، وربطها بإعادة تفسير الإسلام (زين العابدين، 2025). وقد أدى هذا النقد إلى سلسلة مطولة من الردود التي نشرها عبدالله الفكي البشير خلال 2026، وجعل فيها كتاب زين العابدين نموذجاً لدراسة ما اعتبره مشكلات في الكتابات السودانية عن فكر طه.

ويتمثل الاعتراض الأساسي للفكي البشير في أن الخلاف مع طه مشروع، لكن تمثيل فكره يجب أن يكون دقيقاً، وأن الباحث ينبغي أن يعود إلى المصادر الأصلية وأن يتجنب الاجتزاء والحذف والإضافة وإلحاق النص باستنتاج لم يقله صاحبه. وقد ركزت حلقاته المنشورة في أغسطس وسبتمبر 2026 على هذه المسألة، وناقشت بصورة خاصة الادعاء بأن طه لم يشرح أسباب تخلف السودان والمجتمعات العربية والإسلامية، كما ناقشت وصف مشروعه بالتوفيقية والتلفيقية، وأكدت ضرورة فحص نصوص طه الأصلية قبل إصدار أحكام عامة عليه (الفكي البشير، 2026).

وهذه الملاحظة المنهجية مهمة حتى بالنسبة إلى ناقد لا يتفق مع طه. فالنقد العلمي لا يصبح أقوى بتحميل النص ما لا يحتمل؛ بل على العكس، يصبح أقوى عندما يقدم أقوى نسخة ممكنة من موقف الخصم ثم يبين موضع الخلل فيها.

أما من ناحية مضمون الاعتراض نفسه، فإن وصف طه بالتوفيقية لا يمكن أن يحسم القضية. فكل مشروع فكري حديث تقريباً يتأثر بأكثر من مصدر. والمشكلة ليست في التعدد، وإنما في طبيعة العلاقة بين العناصر المختلفة. فإذا أخذ طه مفهوم الديمقراطية من الفكر الحديث، ثم وجد له سنداً أو مقابلاً في فهمه للحرية الإسلامية، فلا يكفي أن نقول إن هذا «تلفيق». ينبغي أن نوضح هل هناك تناقض منطقي بين العنصرين، وهل استخدم طه مفهوماً غربياً دون تعديل، وهل أخفى مصدره، وهل استند إلى مقدمة لا يمكن قبولها من داخل نظريته.

وقد ذهب باحثون دوليون إلى أن مشروع طه بالفعل محاولة لتركيب الإسلام والتحديث، لكنهم لم يختزلوه بالضرورة في الاستيراد. فقد وصف فاسيليوس أدراختاس فكره بأنه «إسلام تقدمي» يتحرك بين التقليد والحداثة، بينما ركز مير حطينة على الجمع بين التصوف والديمقراطية والاشتراكية والحرية والمساواة (Adrahtas, 2020؛ Hatina, 2022).

والخلاصة المنهجية هنا هي أن النقد الذي يثبت وجود عناصر حداثية في فكر طه يثبت التأثر أو التفاعل، لكنه لا يثبت وحده «التلفيق». ولكي يصبح الحكم أقوى، يجب تحديد مصدر كل مفهوم، وطريقة انتقاله إلى مشروع طه، ومدى تعديله له، وما إذا كان منسجماً مع بقية منظومته.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن طه لا يجوز أن يتحول إلى حصانة ضد النقد. فإثبات أن ناقداً أخطأ في نقل فقرة لا يثبت أن النظرية صحيحة، وإثبات أن طه تحدث عن التخلف والتعليم والمجتمع لا يثبت أن تفسيره لأسباب التخلف كافٍ. ولذلك ينبغي الفصل بين نقد صحة النقل ونقد صحة النظرية.

الفصل التاسع: خارطة النقد السوداني والعربي والدولي ــ من الرفض العقدي إلى النقد التاريخي والتحليل الأكاديمي

لا توجد مدرسة واحدة لنقد محمود محمد طه، وإنما توجد اتجاهات مختلفة تختلف في أدواتها ومقدماتها وغاياتها. ويأتي في مقدمتها النقد الديني التقليدي الذي يرفض نظرية الرسالة الثانية بسبب مخالفتها لما استقر عليه جمهور علماء أصول الفقه حول النسخ والمكي والمدني وحجية الأحكام المدنية. وهذا الاتجاه قد يكون مهماً لفهم الاعتراض الفقهي، لكنه يصبح محدوداً إذا اكتفى بالقول إن طه «خالف الجمهور»، لأن مخالفة الجمهور لا تكفي وحدها لإبطال الحجة الجديدة.

ويأتي اتجاه آخر أكثر تاريخية وسياسية، يمثله مثلاً محمد محمود في دراسته عن صعود الحركة الجمهورية وتراجعها، حيث لا يكتفي بتقييم أفكار طه، وإنما يسأل لماذا لم تتحول النظرية إلى حركة اجتماعية واسعة، وكيف أثرت مواقف الحركة السياسية في مصيرها (Mahmoud, 2001). ويقدم هذا الاتجاه درساً مهماً: صحة الفكرة النظرية وقابليتها للانتشار الاجتماعي مسألتان مختلفتان.

أما ليشتنتالر فيركز على العلاقة بين التصوف والإصلاح والبرنامج الاجتماعي، ويشير إلى أن جذرية المواقف المتعلقة بالشريعة والمرأة والزواج، إلى جانب عوامل سياسية أخرى، ساعدت على إبقاء الحركة على هامش المجتمع السياسي والديني السوداني (Lichtenthäler, 1995).

ومن الاتجاهات المهمة كذلك العمل التاريخي لسيرة طه، ولا سيما كتاب إدوارد توماس «الإسلامي الغريب الكامل» الذي درس حياته ومشروعه وتطور الحركة الجمهورية في سياق السودان السياسي والديني. وتزداد أهمية هذا العمل لأنه يتيح فهم العلاقة بين التطور الشخصي لطه والتطور الفكري للحركة، بدلاً من التعامل مع «الرسالة الثانية» وكأنها ظهرت منفصلة عن التاريخ الشخصي والسياسي لصاحبها (Thomas, 2010). كما أظهرت دراسة عربية منشورة في جامعة الأنبار عام 2023 أن حياة طه ومؤلفاته أصبحت موضوعاً لبحث تاريخي مستقل، مع التركيز على طبيعة الجدل الذي أثارته أفكاره داخل السودان وخارجه (حميد وجاسم، 2023).

وفي السنوات الأخيرة ظهر نقد سوداني أكثر مباشرة ومنهجية. فقد نشر تاج السر عثمان في 2025 كتاب «تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان (1945–1985)»، وجعل موضوعاته تشمل نشأة وتطور الفكرة الجمهورية، والمرأة في الفكر الجمهوري، وعلاقة الجمهوريين بالماركسية، وغيرها من القضايا. وتنبع أهمية هذا العمل من أنه لا يحصر النقد في «الرسالة الثانية»، بل يحاول دراسة الحركة بوصفها فكراً وتاريخاً وصراعاً سياسياً واجتماعياً. كما يصرح عثمان بأنه يختلف فكرياً ومنهجياً مع الجمهوريين، لكنه يدافع عن حقهم في طرح أفكارهم ومواجهة الفكر بالفكر والحجة بالحجة، وهي قاعدة مهمة في التمييز بين النقد الفكري والعنف ضد الفكر (عثمان، 2025).

وفي الاتجاه المقابل ظهرت كتابات دفاعية أو تفسيرية أكثر حداثة، منها سلسلة عبدالله الفكي البشير عام 2026، وكتابات زهير عثمان حمد حول «أنسنة الإسلام» والفكر الجمهوري. ففي يونيو 2026 وصف حمد المشروع الجمهوري بأنه محاولة لوضع الإنسان في مركز الاهتمام الديني وربط الدين بالحرية والكرامة والمساواة، بينما تناول في كتابات أخرى الفكر الجمهوري بوصفه محاولة لإعادة تفسير الإسلام بما يتناسب مع العصر الحديث (حمد، 2026). وهذه الكتابات ليست نقداً مباشراً لطه بقدر ما تمثل تياراً تفسيرياً يدافع عن القراءة الإنسانية للفكر الجمهوري ويعارض اختزاله في «النسخ المعكوس» فقط.

كما أن كتاب عيسى إبراهيم «الفكرة الجمهورية من خلال الردود على معارضيها» يمثل اتجاهاً دفاعياً يقوم على تحليل اعتراضات الخصوم والرد عليها، وهو مهم بالنسبة إلى دراسة بنية الجدل نفسه، لكنه لا ينبغي أن يصنف ضمن «نقد طه» إلا بوصفه مصدراً لفهم الرد الجمهوري على النقد (إبراهيم، 2026). وقد وصف تقديم الكتاب بأنه يحاول إظهار ما يراه ضعفاً في معرفة بعض المنتقدين بالفكرة الجمهورية، وهو بذلك يمثل جزءاً من السجال الدفاعي لا النقدي.

وعلى المستوى الدولي، يمثل عمل حطينة اتجاهاً نقدياً مهماً لأنه يركز على الجرأة التي أحدثها طه في تفكيك بعض المسلمات الدينية والتاريخية، ويصف تقسيمه الحاد بين المكي والمدني بأنه قطيعة كبيرة مع بعض الموروثات السابقة. كما يربط بين رؤيته للإنسانية وبين مواقفه من الذاكرة العربية للصراع العربي الإسرائيلي، بما في ذلك دعوته إلى المصالحة مع إسرائيل (Hatina, 2022). وتفيد هذه الدراسة في توسيع النقد من حدود الشريعة إلى بنية المشروع الثقافية والسياسية الأوسع.

وفي المقابل، يقدم أدراختاس قراءة أكثر تفسيرية، يرى فيها أن فكر طه يمثل محاولة متقدمة للمزاوجة بين التقليد والحداثة، بينما ركزت دراسات أخرى على القيمة القانونية لإعادة بناء الشريعة وفق منهجه (Adrahtas, 2020؛ Amir & Rahman, 2025). وتوضح هذه الأدبيات أن المشروع لا يزال حاضراً في الدراسات الأكاديمية المعاصرة، وليس مجرد موضوع تاريخي مغلق.

الفصل العاشر: من نقد «الرسالة الثانية» إلى نقد منهجي قابل للاختبار ــ ماذا يمكن إثباته، وما الذي يحتاج إلى إعادة تأسيس؟

يمكن تقسيم النقد العلمي لمحمود محمد طه إلى خمسة مستويات مترابطة. المستوى الأول هو النقد النصي، ويبحث فيما إذا كانت قراءة طه للآيات المكية والمدنية والناسخ والمنسوخ تتفق مع النصوص التي يستند إليها، وهل يقرأها في سياقها الكامل أم ينتقي منها ما ينسجم مع نظريته. وهذا المستوى يحتاج إلى العودة إلى أعمال طه الأصلية، وليس فقط إلى الكتب التي تلخصه أو تنتقده.

والمستوى الثاني هو النقد الأصولي، ويتعلق بالسؤال عما إذا كان يمكن عكس اتجاه النسخ الذي ساد في كثير من التصورات الفقهية التقليدية. لا يكفي هنا القول إن النسخ موجود، بل يجب إثبات أن آية مكية يمكن أن تستعيد سلطة تشريعية على حكم مدني سابق، وما القاعدة التي تسمح بذلك، وما الذي يحدد بداية «الرسالة الثانية» ونهايتها.

والمستوى الثالث هو النقد المعرفي، ويتعلق بموقع التجربة الصوفية في إنتاج المعرفة الدينية. فإذا كانت التجربة الروحية مصدراً لفهم خاص، فكيف يصبح هذا الفهم معياراً عاماً؟ وإذا كانت النظرية قابلة للقبول من خلال الحجة العامة وحدها، فيجب أن يمكن إعادة بناءها دون الاعتماد على التجربة الشخصية لصاحبها.

والمستوى الرابع هو النقد المؤسسي. فحتى إذا قبلنا المبادئ الأخلاقية للمشروع، يبقى السؤال عن الدولة: من يقرر القانون؟ ومن يحدد أن حكماً أصبح تاريخياً؟ وما دور البرلمان؟ وما دور المحكمة الدستورية؟ وهل يحق للدولة أن تفرض تفسيراً دينياً بعينه؟ وكيف تحمي الأقلية التي لا تتبنى «الرسالة الثانية»؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل ثانوية، لأنها تحدد ما إذا كانت النظرية قابلة للتحول إلى نظام دستوري مستقر.

والمستوى الخامس هو النقد الاجتماعي والتاريخي. فالحركة الجمهورية كانت صغيرة نسبياً ولم تتحول إلى حزب جماهيري واسع، وهو أمر يحتاج إلى تفسير مستقل عن صحة النظرية. ويمكن تفسير ذلك جزئياً بجذرية مواقفها الدينية والاجتماعية والسياسية، وبالبيئة السودانية التي كانت فيها الطرق الصوفية والطائفية والحركات الإسلامية التقليدية أكثر رسوخاً، وبالاستقطاب السياسي في عهد نميري، وبالمواجهة مع الإسلاميين، وبالموقف من قضايا إقليمية حساسة (Lichtenthäler, 1995؛ Mahmoud, 2001). وهذا يوضح أن قابلية الانتشار الاجتماعي ليست معياراً لصحة الفكرة، لكنها مؤشر مهم على طبيعة علاقتها بالمجتمع.

ومن هنا يمكن بناء مصفوفة نقدية أكثر صرامة. إذا كان الادعاء هو أن المكي أعلى من المدني، يجب تحديد معيار «الأعلى». وإذا كان الادعاء أن المدني تاريخي، يجب تحديد دليل التاريخية. وإذا كان الادعاء أن الحرية هي غاية التشريع، يجب إثبات كيفية استخراج هذا المبدأ. وإذا كان الادعاء أن المرأة يجب أن تحصل على مساواة قانونية كاملة، يجب تحديد العلاقة بين النصوص الخاصة بالمرأة والمبادئ الأخلاقية العامة. وإذا كان الادعاء أن الدولة يجب أن تكون ديمقراطية، يجب تحديد كيفية ترجمة ذلك إلى دستور ومؤسسات. وإذا كان الادعاء أن الشريعة يمكن أن تتطور، يجب تحديد من يملك سلطة التطوير وما حدودها.

وهذه الطريقة أفضل من الحكم الكلي على المشروع، لأنها تسمح بنتائج أكثر دقة. فقد تكون بعض مقدماته قوية، وبعضها ضعيفاً، وبعض نتائجه مقنعاً أخلاقياً، وبعضها غير مكتمل قانونياً، وبعض عناصره قابلاً للتطوير دون الاحتفاظ بكل مقدماته الأصلية.

الفصل الحادي عشر: نحو إعادة بناء نقدية للفكر الجمهوري ــ ما الذي يمكن تطويره من داخل المشروع وما الذي يجب إعادة تأسيسه؟

إذا أُريد تطوير مشروع طه بدلاً من الاكتفاء بتأييده أو رفضه، فإن أول خطوة هي فصل ثلاثة أشياء كثيراً ما اختلطت في الجدل: القرآن، وتفسير طه للقرآن، والنتيجة القانونية الحديثة التي اقترحها. فالقول إن طه اقترح المساواة لا يعني أن القرآن قال بالصيغة القانونية الحديثة نفسها؛ والقول إن القرآن يتضمن قيماً للعدل والرحمة لا يعني تلقائياً أن كل حكم تاريخي يجب إلغاؤه. الفصل بين هذه المستويات يجعل النقاش أكثر دقة.

والخطوة الثانية هي إعادة بناء نظرية التاريخية. فبدلاً من اعتبار المكي والمدني معياراً وحيداً، يمكن الجمع بين التاريخ والسياق والمقصد والنتيجة. وهذا لا يعني التخلي عن الفكرة الجمهورية، بل يمكن أن يجعلها أكثر قابلية للدفاع؛ لأن نظرية التطور التشريعي تصبح قائمة على مجموعة أدلة وليس على الثنائية الزمنية وحدها.

والخطوة الثالثة هي بناء معيار مستقل للتجديد. ويمكن لهذا المعيار أن يجمع بين: عدم الإكراه، والمساواة في المواطنة، وحماية الكرامة الإنسانية، والتناسب في العقوبة، وسيادة القانون، وحماية الأقليات، وحرية الاعتقاد، والمشاركة السياسية، والعدالة الاجتماعية. ثم تُدرس النصوص والأحكام التاريخية لمعرفة مدى توافق تطبيقها المعاصر مع هذه المبادئ، بدلاً من تقرير النتيجة مسبقاً بأنها «مكية» أو «مدنية».

والخطوة الرابعة هي تحويل الإصلاح الديني إلى إصلاح مؤسسي. فالمشكلة السودانية لم تكن في النصوص وحدها؛ فقد أثبت تاريخ السودان أن قوانين الشريعة عندما تُفرض من سلطة عسكرية أو سلطوية يمكن أن تصبح جزءاً من بنية الاستبداد. ولذلك فإن الإصلاح الديني يحتاج إلى إصلاح دستوري وقانوني يضمن استقلال القضاء، وحماية حرية الاعتقاد، والمساواة أمام القانون، وعدم استخدام التكفير أو الردة كأداة سياسية.

والخطوة الخامسة هي إدخال التجربة التاريخية السودانية في صلب التحليل. فالسودان ليس مختبراً نظرياً مجرداً. فقد شهد البلد تطبيقاً لقوانين سبتمبر في 1983، ومواجهة الجمهوريين لها، وإعدام طه في 1985، ثم إسقاط نظام نميري، ثم إلغاء أو تعديل أجزاء من المنظومة القانونية الإسلامية في مراحل لاحقة، ثم عودة الإسلاميين إلى السلطة بعد انقلاب 1989. هذه الوقائع تجعل السودان حالة مهمة لدراسة العلاقة بين الدين والقانون والدولة والسلطة.

والخطوة السادسة هي مقارنة طه بالمشروعات الإسلامية الإصلاحية الأخرى. فهناك اتجاهات تركز على مقاصد الشريعة، واتجاهات تعيد تعريف السنة، واتجاهات تميز بين الشريعة والفقه، واتجاهات تاريخية، واتجاهات حقوقية، واتجاهات علمانية تتعامل مع الدين بوصفه مصدراً أخلاقياً لا تشريعياً. ومن خلال هذه المقارنة يمكن معرفة ما الذي يضيفه طه فعلاً وما الذي يمكن أن يُستفاد من البدائل.

وهنا يظهر الدرس الأهم: قيمة الفكر الجمهوري لا تعتمد على صحة كل تفاصيله. يمكن لنظرية ما أن تكون مهمة تاريخياً لأنها فتحت سؤالاً جديداً، حتى إذا احتاجت بعض أدواتها إلى إعادة صياغة. وقد كان طه من أوائل المفكرين المسلمين في القرن العشرين الذين جعلوا المساواة والحرية الفردية وإعادة بناء الشريعة في قلب مشروع ديني سوداني مستقل، وهذه قيمة تاريخية وفكرية لا يلزم إثبات كل مقدماته لكي نعترف بها.

الفصل الثاني عشر: الخاتمة النقدية ــ بين قوة السؤال وضعف بعض جسور الاستدلال

يكشف التحليل المتكامل للفكر الديني لمحمود محمد طه عن مشروع أكثر تعقيداً من الصورة التي يقدمها عنه كل من مؤيديه وبعض خصومه. فهو ليس مجرد صاحب نظرية في النسخ، وليس مجرد سياسي سوداني أُعدم بسبب أفكاره، وليس مجرد مصلح ديني متأثر بالغرب. إنه مفكر حاول أن يعيد بناء الإسلام حول الإنسان والحرية والمسؤولية والتطور الروحي، وأن يفسر العلاقة بين القرآن والتاريخ بطريقة تسمح باستيعاب الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة وحرية الاعتقاد.

وتكمن القوة الكبرى للمشروع في أنه طرح أسئلة حقيقية لم تختفِ بعده. كيف يمكن التعامل مع الأحكام التي نشأت في سياقات تاريخية مختلفة جذرياً عن الدولة الحديثة؟ كيف يمكن التوفيق بين المرجعية الإسلامية والمواطنة المتساوية؟ كيف يمكن حماية المرأة من التمييز القانوني دون قطع الصلة بالتراث الديني؟ كيف يمكن أن تكون حرية الاعتقاد جزءاً من مشروع إسلامي وليس مجرد مبدأ مستورد؟ كيف يمكن التمييز بين الدين التاريخي والفقه التاريخي؟ وكيف يمكن أن يصبح الإسلام مصدراً للحرية بدلاً من أن يكون أداة للإكراه؟

وقد أثبت التطور اللاحق للدراسات الإسلامية وحقوق الإنسان أن هذه الأسئلة لم تكن هامشية. بل أصبحت مركزية في أعمال عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين، وفي مقدمتهم عبد الله أحمد النعيم الذي حاول تطوير منهج طه في اتجاه حقوق الإنسان والقانون والدولة (An-Na’im, 1990).

لكن قوة الأسئلة لا تثبت صحة الأجوبة كلها. وأهم موطن ضعف في النظرية يتمثل في الجسر الذي يفصل بين الملاحظة التاريخية والحكم التشريعي. فكون الآية مكية أو مدنية لا يكفي وحده لإثبات أنها أعلى أو أدنى في الإلزام. وكون حكم ما ارتبط بسياق تاريخي لا يكفي وحده لإثبات أنه مؤقت. وكون الحرية والمساواة قيمتين إنسانيتين مرغوبتين لا يثبت وحده أن القرآن يجعل كل تطبيق حديث لهما بديلاً تشريعياً عن الأحكام المدنية. ولذلك تظل نظرية «الرسالة الثانية» بحاجة إلى معيار أكثر استقلالاً وقابلية للاختبار.

كما أن مفهوم النسخ عند طه يحتاج إلى إعادة بناء أكثر دقة. فالمشروع لا يكتفي بإعادة تفسير النسخ، بل يعكس الوظيفة التقليدية للمفهوم لكي يصبح أداة لتطوير التشريع. وهذه خطوة فكرية جريئة، لكنها تثير سؤال السلطة: من يقرر أن مرحلة «الرسالة الثانية» قد بدأت؟ وهل يمكن لشخص آخر يستخدم المنهج نفسه أن يصل إلى نتائج مختلفة تماماً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما آلية حسم الاختلاف؟

أما في الجانب الحقوقي، فإن طه يبدو أكثر قوة. فالدفاع عن الحرية والمساواة وحقوق المرأة ورفض الإكراه يتوافق مع مبادئ دستورية وحقوقية أصبحت جزءاً مركزياً من النظام القانوني الدولي الحديث. لكن حتى هنا ينبغي ألا تتحول المطابقة بين بعض نتائج طه ومعايير حقوق الإنسان إلى دليل على صحة نظريته التفسيرية؛ فالنتيجة يمكن أن تكون مقبولة حقوقياً دون أن تكون كل سلسلة الاستدلال الديني التي اقترحها طه هي السبيل الوحيد للوصول إليها.

وتكشف الكتابات السودانية الحديثة أن الخلاف حول طه لم ينتهِ. فقد قدم أمين حامد زين العابدين نقداً مباشراً لمشروعه، مركزاً على التوفيقية والتلفيقية ومشكلة علاقته بالحداثة، بينما رد عبدالله الفكي البشير على هذه القراءة، مؤكداً ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية ورفض الاجتزاء وتحميل النصوص ما لا تحتمل (زين العابدين، 2025؛ الفكي البشير، 2026). كما قدم تاج السر عثمان تقويماً نقدياً أوسع للفكر الجمهوري وتاريخه بين 1945 و1985، بينما قدمت كتابات زهير عثمان حمد وعيسى إبراهيم قراءات تفسيرية ودفاعية للفكرة الجمهورية (عثمان، 2025؛ حمد، 2026؛ إبراهيم، 2026).

والدرس الأهم من هذا السجال هو أن النقد الجاد يجب أن يكون مزدوجاً: صارماً تجاه النظرية، وعادلاً تجاه صاحبها. لا يجوز أن تتحول الأخطاء المحتملة في النظرية إلى تكفير للشخص، ولا أن يتحول احترام طه وتاريخه وضحايته السياسية إلى حصانة تمنع نقد أفكاره. كما لا يجوز استخدام إعدامه لإثبات صحة فكره، تماماً كما لا يجوز استخدام رفض الفقهاء لفكره لإثبات بطلانه. فالمحاكمة السياسية شيء، وصحة النظرية شيء آخر؛ والحرية الفكرية شيء، وصحة الاستدلال شيء آخر.

وبالنسبة إلى السودان المعاصر، فإن أهم درس عملي يمكن استخلاصه هو أن مشكلة الدين والدولة لا تُحل بمجرد إعلان مبدأ عام. فإذا أُريد تأسيس دولة حديثة مستقرة، فإن القضايا الدينية يجب أن تُترجم إلى مبادئ دستورية واضحة: المساواة في المواطنة، حرية الاعتقاد، عدم الإكراه، استقلال القضاء، سيادة القانون، حماية المرأة، حماية الأقليات، عدم استخدام التكفير أو الردة كأدوات سياسية، ووجود مؤسسات تشريعية وقضائية قادرة على حسم الخلافات. وفي هذا المجال يمكن أن يكون طه مصدراً مهماً للأسئلة، لكن لا ينبغي اعتباره وحده مصدراً لنظام دستوري مكتمل.

كما أن إعادة بناء الفكر الديني السوداني بعد الحرب تتطلب تجاوز الاستقطاب القديم بين «التدين» و«العلمانية» إلى سؤال أكثر دقة: ما القيم التي يجب أن تكون ملزمة لجميع المواطنين، وما الذي يبقى في مجال الاعتقاد الشخصي، وكيف يمكن للدين أن يساهم في المجال الأخلاقي العام دون أن يتحول إلى أداة لإكراه الدولة؟ وهنا يمكن أن تستفيد الدراسات السودانية من جرأة طه في طرح الأسئلة، ومن النقد الموجه إليه في تطوير معايير أكثر صرامة للتأويل.

والنتيجة النهائية الأكثر اتزاناً هي أن محمود محمد طه نجح بصورة استثنائية في إعادة صياغة السؤال حول مستقبل الإسلام في المجتمع الحديث، لكنه لم يحسم بصورة نهائية الجسر المنهجي بين القيم الأخلاقية التي أرادها وبين النظرية الأصولية التي استخدمها لإثباتها. وتظل «الرسالة الثانية» أكثر أجزاء مشروعه ابتكاراً وأكثرها تعرضاً للنقد في الوقت نفسه؛ فهي تقدم حلاً جذرياً لمشكلة تاريخية التشريع، لكنها تحتاج إلى معيار مستقل يثبت لماذا تكون المكية نهائية والمدنية مرحلية، وكيف ينتقل هذا الترتيب من التاريخ إلى القانون.

ومن ثم فإن أفضل طريقة علمية للتعامل مع طه ليست تكرار الدفاع عنه ولا تكرار رفضه، وإنما إعادة بناء مشروعه بالكامل، وقراءته من مصادره الأصلية، واختبار مفاهيمه واحداً واحداً، ومقارنته بالمناهج الحديثة في تفسير النص، وأصول الفقه، وحقوق الإنسان، والقانون الدستوري، ثم التمييز بين ما يثبت تاريخياً، وما يثبت نصياً، وما يثبت فلسفياً، وما يمثل اختياراً معيارياً. وبذلك يمكن أن يتحول الجدل حول محمود محمد طه من سجال سوداني متكرر إلى مساهمة أكثر نضجاً في سؤال عالمي: هل يستطيع الفكر الديني أن يتجدد من داخله، وأن يحافظ في الوقت نفسه على مرجعيته الدينية وعلى حرية الإنسان ومساواته وكرامته في الدولة الحديثة؟

المراجع

  1. إبراهيم عيسى. الفكرة الجمهورية من خلال الردود على معارضيها. الخرطوم؛ 2026.
  2. البشير عبدالله الفكي. ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه: كتاب الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجاً. سودانايل والحوار المتمدن؛ 2026. تاريخ الوصول: 1 أكتوبر 2026.
  3. حمد زهير عثمان. أنسنة الإسلام في الفكر الجمهوري: الإنسان غاية الدين لا وسيلته. سودانايل؛ 2026. تاريخ الوصول: 1 أكتوبر 2026.
  4. حمد زهير عثمان. الفكر الجمهوري السوداني والصراع الفكري في السودان. سودانايل؛ 2024. تاريخ الوصول: 1 أكتوبر 2026.
  5. حميد جنان مجيد، جاسم إياد ناظم. محمود محمد طه دراسة تاريخية في حياته ومؤلفاته. مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإنسانية. 2023;20(3):2060-2094.
  6. زين العابدين أمين حامد. الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار. الخرطوم؛ 2025.
  7. عثمان تاج السر. تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان (1945–1985). الخرطوم؛ 2025. تاريخ الوصول: 1 أكتوبر 2026.
  8. طه محمود محمد. الرسالة الثانية من الإسلام. ترجمة وتقديم عبد الله أحمد النعيم. سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز؛ 1987.
  9. طه محمود محمد. أسس دستور السودان. الخرطوم؛ 1955.
  10. عثمان تاج السر. تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان (1945–1985). الخرطوم؛ 2025.
  11. An-Na’im AA. Mahmud Muhammed Taha and the Crisis in Islamic Law Reform: Implications for Interreligious Relations. Journal of Ecumenical Studies. 1988;25(1):1-21.
  12. An-Na’im AA. Toward an Islamic Reformation: Civil Liberties, Human Rights, and International Law. Syracuse: Syracuse University Press; 1990.
  13. Adrahtas V. From tradition to modernity and vice versa: The progressive Islam of Mahmoud Muhammad Taha. Journal for the Academic Study of Religion. 2020;33(2):155-165.
  14. Badri B. Women’s Equal Rights and Islam in Sudanese Republican Thought: A Translation of Three Family Law Booklets from 1975, Produced and Circulated by the Republican Sisters. Oslo: Chr. Michelsen Institute; 2015.
  15. Fikri MA, Mustaniruddin A. Studi kritis terhadap pemikiran Mahmud Muhammad Taha tentang konsep nasakh al-Qur’an. Tajdid: Jurnal Ilmu Ushuluddin. 2021;20(2):431-455.
  16. Hatina M. Dismantling the sacred in the name of humanity: Mahmud Muhammad Taha’s cultural revolution. Journal of Political Ideologies. 2022;27(1):31-52.
  17. Kurniawatie N. Kontekstualisasi konsep Makkî-Madânî dan Nâsikh-Mansûkh Mahmoud Muhammad Thaha (1909-1985) terhadap ayat-ayat kepemimpinan. Syariati. 2017;3(1):25-42.
  18. Lichtenthäler G. Muslih mystic and martyr: The vision of Mahmud Muhammad Taha and the Republican Brothers in the Sudan: towards an Islamic reformation? Islam et sociétés au Sud du Sahara. 1995;9:57-81.
  19. Mahmoud M. Mahmud Muhammad Taha and the rise and demise of the Jumhuri movement. New Political Science. 2001;23(1):65-88.
  20. Mahmoud ME. Quest for Divinity: A Critical Examination of the Thought of Mahmud Muhammad Taha. Syracuse: Syracuse University Press; 2007.
  21. O’Sullivan D. The death sentence for Mahmoud Muhammad Taha: misuse of the Sudanese legal system and Islamic Shari’a law? International Journal of Human Rights. 2001;5(3):45-70.
  22. Rusin C. A different kind of political Islam: The ideas of the Sudanese scholar Mahmoud Mohamed Taha. Journal of Islamic History. 2025;5(2).
  23. Saleem Z. Addressing Qurʾan 4:34: Muslim feminists’ hermeneutics vs. Mahmoud Muhammad Taha’s hermeneutics. Hawwa. 2024;22(3-4):266-290.
  24. Shalahuddin S. Teori naskh Mahmoud Muhammad Taha dan sumbangsihnya bagi pembaruan hukum Islam di dunia modern. Al-Mazaahib: Jurnal Perbandingan Hukum. 2022;3(2):401.
  25. Taha MM. The Second Message of Islam. Translated by Abdullahi Ahmed An-Na’im. Syracuse: Syracuse University Press; 1987.
  26. Thomas E. Islam’s Perfect Stranger: The Life of Mahmud Muhammad Taha, Muslim Reformer of Sudan. London: I.B. Tauris; 2010.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
القوات المسلحة : تحرير منطقة المزروب بولاية شمال كردفان عنوةً واقتداراً
منبر الرأي
نتائج الصبر على (الحبر) !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله
منبر الرأي
منطق الطير… حين يتجاوز الفهم حدود اللغة
منبر الرأي
فنومنولوجيا المهدية: المرشد إلى فهم مهدية محمد أحمد بن عبدالله (6) .. بقلم: الحارث إدريس الحارث
الأخبار
تظاهرات بكسلا وخشم القربة عقب الحكم على قتلة الشهيد احمد الخير

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

رحل نُقد وفي نفسه نَهَم لم يشبع .. بقلم: عمر العمر

عمر العمر
منبر الرأي

الذكري ال 21 لانقلاب يونيو 1989م ….. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

أحزمة حمدوك الخمسة كرة اخرى – تعقيب وتعليق .. بقلم: عبد السلام سيداحمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

حول أصول سكان السودان -12- … بقلم: د. أحمد الياس حسين

د. أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss