زهير عثمان
في الوقت الذي انعقدت فيه الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف لمناقشة تطورات الأوضاع الإنسانية في السودان، ولا سيما في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، كان آلاف المدنيين داخل المدينة ومحيطها يواجهون واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا عنوانه الخوف من اتساع رقعة القتال، وتعطل الخدمات الأساسية، وتزايد المخاوف من موجة نزوح جديدة
وبين قاعات الدبلوماسية الدولية وشوارع المدينة التي تعيش تحت وطأة الحرب، يبرز سؤال يتجاوز الخلافات السياسية والعسكرية – من يتحدث اليوم حقًا باسم المدنيين السودانيين؟
شهدت جلسة مجلس حقوق الإنسان نقاشًا حادًا حول تطورات النزاع في السودان، قبل أن ينسحب وفد حكومة بورتسودان احتجاجًا على ما اعتبره تناولًا غير متوازن للتقارير المعروضة، ورأى أن بعض المداخلات ركزت على اتهامات موجهة إلى القوات المسلحة السودانية دون مراعاة السياق الكامل للحرب أو الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف أخرى
ومن حق أي دولة أن تعترض على ما تعتبره تقارير غير دقيقة أو منحازة، وأن تطالب بتحقيقات مستقلة تستند إلى الأدلة والمعايير المهنية
وغير أن الخلاف الدبلوماسي، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأساسية – المدنيون هم الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الحرب، وهم الذين يدفعون ثمنها يومًا بعد يوم
وجاء انعقاد الجلسة في وقت أطلقت فيه الأمم المتحدة ومسؤولون أمميون تحذيرات متزايدة بشأن تدهور الأوضاع الإنسانية في مدينة الأبيض، مع الإشارة إلى مخاطر تهدد السكان نتيجة استمرار الأعمال القتالية، وتعطل الخدمات، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، واحتمال اتساع موجات النزوح إذا استمر التصعيد
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن السودان يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج عشرات الملايين من السكان إلى مساعدات إنسانية، فيما نزح ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية , وفي ظل هذه الأرقام، تبدو المفارقة مؤلمة
فالجدل في جنيف يدور حول المسؤوليات القانونية والسياسية، بينما ينشغل المدني السوداني في الأبيض أو الفاشر أو نيالا أو الخرطوم بسؤال أكثر بساطة وإلحاحًا – كيف يحمي أسرته؟ وأين يجد الغذاء والدواء والمأوى الآمن؟
إن حماية المدنيين ليست مطلبًا سياسيًا لطرف دون آخر، وإنما التزام قانوني وأخلاقي يفرضه القانون الدولي الإنساني على جميع أطراف النزاع. كما أن احترام المرافق المدنية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والامتناع عن استهداف السكان، تمثل التزامات لا يجوز أن تخضع لحسابات الحرب أو المواقف السياسية
لقد أثبتت التجربة السودانية خلال السنوات الماضية أن الانتصار في معركة الخطاب السياسي أو الدبلوماسي لا يعني بالضرورة إنقاذ حياة المدنيين. كما أن تحقيق مكاسب عسكرية لا يترجم تلقائيًا إلى استقرار أو سلام دائم
ولهذا، فإن الأولوية اليوم ينبغي أن تنصرف إلى إجراءات عملية تتجاوز البيانات والمواقف الإعلامية، وفي مقدمتها تعزيز حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وفتح ممرات آمنة عند الحاجة، ودعم أي جهد جاد لخفض التصعيد وتهيئة الظروف أمام حل سياسي ينهي الحرب ويحافظ على وحدة السودان
ويقع على المجتمع الدولي أيضًا واجب يتجاوز إصدار البيانات وعقد جلسات النقاش، وذلك عبر تكثيف الجهود الإنسانية، ودعم المبادرات الرامية إلى حماية المدنيين، وتشجيع جميع الأطراف على احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني
لقد طالت الحرب، واتسعت دائرة معاناة السودانيين، وأصبح المدني هو الخاسر الأكبر في كل جولة جديدة من الصراع
و لذلك فإن أي نقاش سياسي أو دبلوماسي يفقد معناه إذا لم ينعكس في صورة حماية فعلية للناس على الأرض
قد يكسب هذا الطرف جولة دبلوماسية، وقد يحقق ذاك الطرف تقدمًا عسكريًا، لكن المواطن السوداني لا يقيس الانتصار بعدد البيانات ولا بعدد الجلسات الدولية
مقياسه الوحيد هو أن ينام أطفاله في أمان، وأن يجد ماءً وغذاءً ودواءً، وأن يتمكن من العودة إلى منزله دون خوف
إن القضية السودانية لن تُحسم في قاعات المؤتمرات وحدها، كما لن تُحسم في ميادين القتال وحدها , فالدول تُبنى عندما تصبح حياة الإنسان هي الأولوية، وعندما تتقدم حماية المدنيين على حسابات الحرب والسياسة معًا
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السؤال مطروحًا أمام الجميع: من يتحدث حقًا باسم المدنيين السودانيين؟
zuhair.osman@aol.com
