بين نيودلهي وهمشكوريب! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
10 ديسمبر, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
26 زيارة
نحن مشغولون بالمصائب التي تدور في العاصمة (الخرطوم الكبرى) ولكن كثيرين لابد أنهم شاهدوا في منابر التواصل الاجتماعي صورة فيديو لسور مزعزع من القش والأعواد وراكوبة متهالكة قالوا إنها (مركز صحي) في محلية همشكوريب، وما بداخلها صورة نادرة (لم فاته أن يعيش في القرون الوسطى) لكراكيب و(بقج) وقناني قالوا إنها أدوية ومعدات طبية! وأذكر كنا في رحلة للنقعة والمصورات وخرجنا إلي بئر بجانب الموقع فوجنا فتاة لا يزيد عمرها عن إحدى عشر عاماً ومعها شيخ كبير وثالثهما حمار هزيل، يجر حبلاً طويلاً في نهايته قربة مهترئة من الجلد، والشيخ والصبية الصغيرة يهرولان خلف الحمار إلي مسافة بعيدة لأن البئر شديدة العمق ثم يعودان لنشل الدلو الجلدي ويفرغانه في أوعيتهما، ثم يعاودان الكرة في ذلك النهار الحار.. سألنا عن مساكن الصبية والشيخ فقالوا إنها على مسافة (نصف نهار).. كان هذه الكلام قبل سنوات قليلة فهل تغيّر الحال يا ترى؟ وهل عجزت كل المحليات والبلديات وجماعات (تقليص الظل الإداري) من توفير موتور (سكند هاند) يريح هؤلاء المعذبين من هذا المارثون الذي يشبه عذاب سيزيف مع الصخرة والجبل؟.كم تبعد النقعة عن الخرطوم؟ ثم هل هذان المشهدان هما الاستثناء الوحيد لعذابات الناس في بوادي السودان وقراه؟
أما حكاية المركز الصحي في همشكوريب فهي من (الأفلام المرعبة) إذا صدق الفيديو.. وإذا لم يكن محتملاً للصدق لما تمّ عرضه! وحتى لو كان مخترعاً فإنه من (دراما الواقع) التي تصوّر أحوال السودانيين في الأرياف البعيدة من العيون و(بعيدة من القلوب)! هل يذهب وزير الصحة إلي همشكوريب ليتفقد الخدمات الصحية هناك، ويكشف لنا (بالمرة) عن زيف هذا الفيديو؟! والأمل ألا يكون هذا الطلب بعيداً عن مهام الوزير (أو همته)! فهو قد ذهب قبل أيام قلائل في عز أزمة السيولة وانهيار الكتلة النقدية واحتقان الاقتصاد إلي الهند تلك البلاد التي تركب الأفيال من أجل أن يحضر بشخصه مؤتمراً عنوانه (حملة مكافحة التبرز في العراء) ولا ندرى ما هو الأمر الجلل الذي يتطلب حضور وزير الصحة شخصياً لهذا المؤتمر، ولم يتم تكليف طاقم السفارة السودانية في الهند للقيام بالمهمة!
هل أعلنت الحكومة فعلاً التقشف واختصار النفقات؟ إذا كان ذلك حقيقة.. فهل وافق مجلس الوزراء على سفر وزير الصحة لهذا المؤتمر؟ مَنْ ذهب في (معية الوزير)؟ وكم كلّف هذا السفر؟ وهل تساءل البرلمان عن رحلة الوزير حتى يقف على حجم هذه المشكلة في البر السوداني، وحتى يوضح الوزير للنواب المحترمين تفاصيل الإستراتيجية الخاصة التي قال إن وزارته أعدتها حول التبرز في العراء للأعوام 2018-2022؟ ثم هل التبرز في العراء يتبع لوزارة الصحة؟ ولماذا لم تنازعه في هذا الاختصاص جهات أخرى مثل وزارات البيئة ووزارة البُنى التحتية والتخطيط العمراني أو وزارة الحكم الاتحادي؟ أم أنها (مشكلة قومية فيدرالية)؟! ..اللهم لا اعتراض في حكمك يا رب!!
murtadamore@yahoo.com