بُكائية ترمب من أعلى سد النهضة

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في تغريدة له بمنصة تروث سوشيال بأنه لن ينال جائزة نوبل للسلام على الرغم مِن أنه (أسهم في المحافظة على السلام بين مصر وإثيوبيا). قد لا تعدو أن تكون هذه التغريدة عبارة عن بث النجوى والشكوى، إنطلاقاً من شعور لرجل مسجون في ذاتية مفرطة التضخم. يشعر بأن مجرد تدخله في أي قضية كفيل بحلها. وأنه جدير بأي مكافئة تضعه في مصاف العظماء.
كان تدخل دونالد ترمب إبان إدارته الأولى واحدا من المساعي الدبلوماسية التي طرقها فرقاء السد للبحث عما أسموه حث إثيوبيا على (توقيع على إتفاق ملزم)، ولم تكن هنالك أي إرهاصات لمواجهة عسكرية محتملة بين مصر وإثيوبيا. وحتى فكرة الإتفاق الملزم هذه لم تتحقق. وبالتالي لم يكن لتدخل ترمب أي تأثير على مسار الأحداث في أزمة السد. فالشواغل المصرية التي تعبر عنها فيما تسميه بـ (حقوقها التاريخية من مياه النيل) ما زالت هي نفسها. وشواغل السودان “الرسمي” حول ما يراه مِن ضرورة (تبادل المعلومات حول ملء وتشغيل السد) هي الأخرى لم تتغير.
فقد أدى النزاع الداخلي في السودان إلى إضعاف القدرة السياسية للدولة على التعامل مع ملف السد بجدية. حيث ضمرت المؤسسات وتضاءل دورها حد العدم. وضعفت جهود التنسيق مع مصر في مواجهة المخاطر المشتركة. وأصبح السودان مشغولًا بصراعاته الداخلية، مما جعله عاجزًا عن التصرف كطرف فاعل في النزاع مع إثيوبيا.
أما مصر فقد إنشغلت بملف غزة بإعتباره أولوية أمن قومي أدى إلى تحويل الموارد الدبلوماسية والعسكرية بعيداً عن قضية السد. فالواضح أن النزاع في شمال شرق مصر، بما له من تداعيات إنسانية وأمنية، استنزف طاقتها السياسية فضلا عن تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً مع وجود علاقات قوية بين إسرائيل وإثيوبيا، مما يزيد من تعقيد الموقف المصري. هذا إضافة للمعطى الجديد الذي فرضته الحرب بين إيران وإسرائيل. والذي يشير بقوة لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في المنطقة، مما يجعل مصر تواجه تحديات مضاعفة في مواقفها الإقليمية.
ومع ذلك يظل الأمن المائي لمصر مهددا إذ تعتمد مصر بنسبة تفوق ال 90% على مياه نهر النيل وهو المصدر شبه الوحيد لديها. فبناء السد يهدد بتقليل حصتها من المياه، خاصة خلال فترات الجفاف الممتد. فأي إنخفاض فوق المتوسط سيؤثر مباشرة على قدراتها على الزراعة، الصناعة، وتوافر المياه الصالحة للشرب.
فالقضية التي يمكن أن تفجر صراعا لا يبقي و لا يذر هو نظرة إثيوبيا ومنطقها الذي تنظر به لقضية مياه نهر النيل الأزرق. حيث تقوم هذه النظرة على أساس أنها صاحبة سيادة على هذا المورد المائي الدولي المهم. وأن تلك السيادة على المياه غير قابلة للتفاوض كما صرح بذلك أكثر من مسؤول إثيوبي.
أما المخاطر على السودان فهي مخاطر ماثلة، وذلك للموقع الجغرافي للسد من الحدود السودانية، وسعته التي تتجاوز ال 74 مليار متر مكعب. مما يجعل السودان في دائرة مخاطر مؤكدة وغير مقبولة حال إنهيار السد وهو أمر لا يمكن لأي أحد الجزم بعدم إمكانية حدوثه. إن كان ذلك بسبب سوء إدارة، أو أخطار طبيعية بفعل زلزال أو غيره تقود لدمار السد ومن ثم محق السودان النيلي قاطبة من الوجود.
رغم تدخلات ترمب عبر وزارة خزانته، وتدخلات مجلس الأمن الدولي، ومجهودات الإتحاد الإفريقي لم يتم حل أزمة السد التي لا يمكن التكهن بما قد تقود إليه من نذر حرب، طالما أصبح السد يهدد أمن مصر المائي وبقاء السودان الوجودي حال الوعي بالمخاطر الحقيقية التي يشكلها لكلا البلدين حتى وإن صرفتهما عنه صروف واقعهما المحلي والإقليمي المعقد.
لقد كان تدخل ترمب أوان إدارته الأولى مجرد إستعراض أولي للهواجس من الأطراف، وليس تدخلا ينزع فتيل أزمة حول قضية معقدة في منطقة تتسم بالحيوية الإستراتيجية في هذا الجزء من العالم.
إن أهم ما يلفت النظر في تغريدة ترمب أنه قد أكدت على أن السد قد دُعِم بصورة غبية بأموال الولايات المتحدة الأمريكية
(Stupidly financed by the United States of America.)
وأنه يعلم بأن السد يحد من تدفق المياه بشكل كبير في مجرى النهر.

كتب أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …