تأملات رمضانية

بسم الله الرحمن الرحيم
. هذه سلسلة من التاملات خلال هذا الشهر المبارك نستعرض فيها خلال هذا الشهر بعض الخواطر والتاملات التي توحي بها هذه الايام المباركة،وليالي الشهر الفضيل ،امل ان تجد قبولا لدى قراء سودانايل وتكون خفيفة عليهم، ،واسال الله ان يتقبل من الجميع الصيام والقيام. وكل عام والجمبع بخير وصحة وعافية.

د.احمد الجلي
اليوم الاول:
الاربعاء 1/رمضان /1447ه
الموافق 18/2/ 2026م.

لماذا ومتى فرض صوم رمضان
لم يفرض صوم رمضان منذ بدء نزول الوحي ،بل تأخر فرضه الى السنة الثانية من الهجرةـ “لان فطم النفوس عن مالوفاتهاوشهواتها -كما يقول ابن القيم،-،من اشق الامور واصعبها تاخر فرضه الى وسط الاسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن فنقلت اليه بالتدريج، وكان فرضه في الثانية من الهجرة” (انظر زاد المعاد في هدي خير العباد- ابن القيم ،ص:183)
إن الصوم عبادة لله تعالى في المقام الاول ،و مدرسة لبناء الإنسان. فالصيام في الإسلام عبادةً مركزيةً ذات بعدٍ يتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب، ليشكّل مدرسةً متكاملة لبناء الإنسان روحيًا وأخلاقيًا وسلوكيًا. فهو عبادةٌ لله من حيث الامتثال لأمره وابتغاء مرضاته، لكنه في الوقت نفسه وسيلةٌ تربوية تُهذِّب النفس وتُعيد تشكيل الوعي،ومن الناحية التعبدية، يُجسّد الصيام معنى العبودية الخالصة، إذ يراقب الإنسان ربَّه في السرّ قبل العلن، فيمتنع عمّا أُبيح له في غيره من الأيام، استجابةً لأمر الله وحده. وهذا يعمّق قيمة الإخلاص، ويقوّي صلة العبد بربه.أما من حيث كونه مدرسةً لبناء الإنسان، فإن الصيام يُدرّب النفس على الصبر وضبط الشهوات، ويُنمّي الإرادة ويُرسّخ قيم التعاطف مع الفقراء والمحتاجين. كما يُعلّم الإنسان الانضباط، واحترام الوقت، ومراجعة السلوكيات اليومية، فيتحول الصيام من ممارسة مؤقتة إلى منهج حياة. وعليه، فالصيام ليس مجرد عبادةٍ شعائرية، ولا هو تدريبٌ أخلاقي منفصل، بل هو عبادةٌ تُنتج إنسانًا أكثر وعيًا بذاته، وأكثر التزامًاً بالقيم الانسانية، وأكثر قدرةً على مقاومة النزوات والشهوات. فهو عبادةٌ في ظاهرها، ومدرسةٌ في جوهرها، وغايةُ ذلك كله بناء إنسانٍ متوازنٍ متحرّرٍ من عبودية الشهوة، خاضعٍ لله وحده،مستشعر لمعانة المسلمين لا سيما في غزة والسودان حيث يعيش الناس تحت وطأة الحاجة الى الطعام والمأوى والعلاج .نسال الله ان يلطف باخواننا المسلمين في انحاء العالم ،ويخفف من معاناتهم .
اليوم الثاني:
الخميس /2مضان/1447ه
الموافق 19/2/ 2026م.

الصيام في القرآن: مقاصده وحدوده
مقدمة:يُعدّ الصيام من العبادات المركزية في المنظومة القرآنية، إذ لم يأتِ بوصفه مجرد امتناعٍ جسدي عن الطعام والشراب، بل كتشريعٍ يهدف إلى بناء الإنسان روحيًا وأخلاقيًا، وضبط علاقته بنفسه وبالآخرين وبالله سبحانه وتعالى. ومن خلال آيات الصيام في القرآن، تتجلّى بوضوح فلسفة التشريع الإسلامي القائمة على التيسير، وتحقيق التقوى، وصيانة الكرامة الإنسانية، مع تحديدٍ دقيق لحدود العبادة حتى لا تتحول إلى مشقة أو أداة قهر للنفس..
مقاصد الصيام : قد ورد تشريع الصيام صريحًا في سورة البقرة، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ،لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183.وتكشف الآية أمرين مهمين:أن الصيام عبادة ذات جذور إنسانية عامة، لا خصوصية دينية منغلقة، وأن الغاية من الصيام ليست الحرمان، بل تحقيق مقصد أعلى هو التقوى، الذي صرّحت به الآية في قوله تعالى،”لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، والتقوى هنا ليست مجرد خوف، بل وعيٌ أخلاقي دائم يضبط السلوك ويحرر الإنسان من هيمنة الشهوة والعادة. فالصيام تدريب عملي على المراقبة الذاتية، إذ يمتنع الصائم طوعًا عما هو مباح في الأصل، مما يعمّق معنى المسؤولية الداخلية . اما المقصد الثاني الذي هدف الصيام الى تحقيقه فهوتزكية النفس وضبط الشهوة،اذ ان الصيام وسيلة لإعادة التوازن بين الجسد والروح، فالقرآن لا يدعو إلى قمع الجسد، بل إلى تهذيبه. ومن خلال الامتناع المؤقت، يتعلم الإنسان أن حاجاته لا يجب أن تتحول إلى قيود أو أدوات استعباد.اما المقصد الثالث فهو تعميق الشعور بالآخرين، فرغم أن القرآن لم ينصّ صراحة على البعد الاجتماعي للصيام، إلا أن إشاراته إلى الإطعام والفدية وربط الصيام بالمسؤولية تجاه العاجزين، تؤسس لمعنى التضامن الاجتماعي، حيث يشعر الصائم بمعاناة المحتاج، لا بوصفها فكرة مجردة بل تجربة حسية. اما المقصد الرابع فهو ترسيخ مبدأ اليسر ورفع الحرج ،قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185).وهذا من أعظم مقاصد الصيام، إذ ينسف أي فهمٍ تعذيبي للعبادة، ويؤكد أن القصد هو الإصلاح لا الإعنات، والتكليف لا التعسير.
أما حدود الصيام الزمنية ،فقد حدد القرآن الكريم بدقة زمن الصيام:﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: 187.وهذا التحديد يمنع الغلو ويؤكد أن العبادة منضبطة وليست مفتوحة على المبالغة.
اما حدود التكليف والقدرة، فقدأجاز القرآن الفطر للمريض والمسافر، مع القضاء لاحقًا، وفتح باب الفدية للعاجزين:﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾وهنا تتجلى قاعدة قرآنية كبرى: التكليف مرتبط بالاستطاعة. ولم يشرّع القرآن الصيام الدائم أو الحرمان المستمر، بل حصره في أيام معدودات، في رفضٍ ضمني لكل نزعة رهبانية تُعادي الجسد أو الحياة.
وهكذا يبين ان الصوم ،من منظور قرآني، ليس طقسًا شكليًا، بل ممارسة تربوية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي، وضبط العلاقة بين الحرية والانضباط. فإذا انفصل الصيام عن مقاصده، تحوّل إلى عادة اجتماعية أو مظاهر شكلية، وهو ما يتعارض مع جوهر الخطاب القرآني الذي يبين أن الصيام عبادة ذات بعد مقاصدي عميق، تتكامل فيها الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحرية والانضباط. وقد وضع القرآن حدود الصيام لا لتقييد الإنسان، بل لحمايته من الغلو والانحراف عن المقصد. ومن ثمّ، فإن فهم الصيام فهمًا قرآنيًا مقاصديًا ،هو مدخل أساس لإحياء معناه التحرري والأخلاقي في واقع المسلمين المعاصر.
اليوم الثالث:
الجمعة / 3 رمضان/ 1447ه
الموافق 20/2/ 2026م.

الصوم تحرير للإرادة من العادة والشهوة
أن الصيام لا يقتصر على الامتناع الجسدي عن الطعام والشراب، بل يهدف أساسًا إلى إعادة الإنسان إلى موقع السيادة على نفسه بعد أن تكون العادات والشهوات قد استعبدته دون أن يشعر.ويمكن توضيح المعنى في ثلاث دوائر مترابطة:
أولًا: تحرير الإرادة من سلطة العادة ،فكثير من أفعال الإنسان اليومية لا تصدر عن وعي واختيار، بل عن اعتياد آلي: نأكل في أوقات محددة، نشرب لمجرد توفر الشراب، نلجأ إلى اللذة عند أول ضيق. فيأتي الصوم ليكسر هذا النمط، فيقول للجسد:لستَ أنت من يحدد متى تأكل ومتى تشرب، بل الإرادة الواعية،.وبهذا المعنى،فإن الصوم تدريب عملي على إيقاف السلوك المعتاد، وإثبات أن الإنسان قادر على مخالفة ما ألفه إذا أراد.
ثانيًا: تحرير الإرادة من هيمنة الشهوة:الشهوة في ذاتها ليست مذمومة،بل هي أمر طبيعي ، لكنها تصبح مشكلة حين تتحول إلى قائد للإنسان بدل أن تكون في خدمته. فالصوم يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع رغباته الأساسية (الجوع، العطش، اللذة)، دون قمعها أو إنكارها، بل ضبطها.،فالصائم:يشعر بالجوع، لكنه لا يستجيب فورًا. ويدرك الرغبة، لكنه يؤجلها بإرادته.وهنا تتحقق التربية العميقة: أن تكون قادرًا على أن تقول :لا اريد او انتظر.
ثالثًا: الصوم وبناء الحرية الداخلية: الحرية الحقيقية في التصور القرآني ليست فعل ما نشتهي، بل القدرة على الامتناع.ولهذا ارتبط الصوم في القرآن بالتقوى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى هنا هي يقظة الضمير، وسيادة الوعي على الدافع.فمن لا يملك نفسه أمام شهوته الصغيرة، يصعب أن يملكها أمام:الظلم ،المال ،السلطة ،والغضب. ولهذا كان الصوم مدرسة أخلاقية واجتماعية، لا مجرد عبادة فردية.
فالقول بأن الصوم تحريرٌ للإرادة من العادة والشهوة :يعني أن الصيام:يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وجسده ،ينقل القيادة من الغريزة إلى الوعي، ويؤسس لإنسانٍ حر من الداخل، قادر على الاختيار لا الانسياق ،وهو بهذا المعنى عبادة تُنتج الإنسان القادر على المسؤولية، لا الإنسان المنفلت ولا المكبوت.

اليوم الرابع
السبت:4 رمضان/1447ه
الموافق 21/2/ 2026م.

الصيام والأخلاق: الصدق- والحِلم- وضبط اللسان
لا يقتصر الصيام في الإسلام على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة أخلاقية وتربوية تهدف إلى تهذيب النفس وبناء الإنسان من الداخل. فالمقصد الأسمى من الصيام، كما دلّ عليه القرآن والسنة، هو ترقية السلوك الإنساني، وضبط الشهوات، وإحياء القيم الأخلاقية في واقع الفرد والمجتمع.أولًا: الصيام وقيمة الصدق: الصدق هو أساس الاستقامة الأخلاقية، والصيام من أكثر العبادات ارتباطًا به، لأنه عبادة خفيّة لا يطّلع عليها إلا الله. فالصائم يستطيع أن يفطر سرًّا دون أن يراه أحد، لكنه يمتنع طوعًا وصدقًا مع الله. ومن هنا يتحول الصيام إلى مدرسة لتربية الضمير الحي، وتعميق الرقابة الذاتية، بحيث يصبح الصدق خُلُقًا راسخًا لا سلوكًا ظرفيًا. وقد نبهت السنة النبوية إلى أن الصيام الحقيقي لا ينفصل عن الصدق، إذ قال محمد ﷺ: مَن لم يَدَع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه».
فدلّ ذلك على أن الكذب والزور ينقضان روح الصيام، حتى لو صحّ الامتناع الجسدي عن المفطرات.
ثانيًا: الصيام والحِلم وضبط الانفعال: الحِلم هو القدرة على التحكم في الغضب، والتعامل مع الأذى بسكينة واتزان. والصيام يدرّب الإنسان عمليًا على هذا الخُلُق، لأن الجوع والعطش يثيران التوتر، فإذا استطاع الصائم أن يكبح غضبه في هذه الحالة، كان أقدر على الحِلم في غيرها.
ولهذا أرشد النبي ﷺ الصائم إلى منهج أخلاقي واضح في مواجهة الاستفزاز:فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم». فالصيام هنا ليس مبررًا للغضب، بل دافعًا للسمو الأخلاقي، وتحويل الصراع من ردّ فعل غريزي إلى موقف أخلاقي واعٍ.
ثالثًا: الصيام وضبط اللسان :اللسان مرآة القلب، وأكثر ما يفسد العلاقات ويشوّه القيم. ومن مقاصد الصيام الكبرى تهذيب اللسان، والامتناع عن الغيبة والنميمة والفحش والسبّ. فالصائم الذي يحفظ لسانه إنما يحفظ جوهر صيامه، أما من أطلق لسانه بالأذى فقد أفرغ الصيام من معناه.وقد عبّر بعض السلف عن ذلك بقولهم:أهون الصيام ترك الطعام والشراب”. والمقصود أن الإمساك الحقيقي هو إمساك الجوارح، وفي مقدمتها اللسان عن كل ما يناقض القيم الإنسانية.
خاتمة: يتضح أن الصيام عبادة أخلاقية شاملة، تُعنى ببناء الإنسان الصادق، الحليم، المتزن في قوله وفعله. فهو ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإحياء الضمير، وتحرير الإنسان من سلطان الشهوة والغضب واللسان المنفلت. وبقدر ما ينجح الصائم في ترجمة الصيام إلى صدقٍ وحِلمٍ وضبطٍ للسان، يكون قد حقق مقصده الحقيقي، وبلغ ثمرة الصيام التي عبّر عنها القرآن بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

اليوم الخامس:
الاحد/5 رمضان/1447ه
الموافق 22/2/ 2026م.

الصيام وتحقيق الوعي الاجتماعي، من خلال الإحساس بالفقراء،ومراعاة احوال المساكين،وغيرهم.
يحقق الصيام الوعي الاجتماعي بصورة عميقة، لا بوصفه عبادة فردية فحسب، بل باعتباره تجربة جماعية تربط الإنسان بآلام غيره، وتعيد تشكيل علاقته بالمجتمع، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الإحساس بالفقراء ومراعاة أحوال المساكين. ويمكن بيان ذلك في المحاور الآتية:
أولًا: الصيام كتجربة معيشة لمعاناة الفقراء:الصائم يختبر، ولو مؤقتًا ، الجوع والعطش والحرمان، وهي حالة يعيشها الفقير قسرًا لا اختيارًا. هذا الانتقال من المعرفة النظرية بحال الفقراء إلى المعرفة الوجدانية يوقظ الضمير الاجتماعي، لأن الإنسان لا يتأثر بآلام الآخرين حقًا إلا إذا ذاق شيئًا منها.فالصيام لا يقول للغني: “اعطف على الفقير”، بل يجعله يشعر بما يشعر به الفقير، فيتحول التعاطف من شفقة عابرة إلى إحساس إنساني عميق.
ثانيًا: كسر الأنانية وتعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية:الامتناع عن المباحات خلال الصيام يعلّم الإنسان أن رغباته ليست مركز الكون، وأن كبح الشهوة ليس ضعفًا بل قوة أخلاقية. هذا التهذيب الداخلي ينعكس اجتماعيًا في:مراعاة أحوال المحتاجين ،تقليل التفاخر بالاستهلاك ،الإحساس بأن النعمة مسؤولية وليست امتيازًا مطلقًا ،وهكذا ينتقل الفرد من منطق “ما أملك” إلى منطق “ما أؤدي تجاه غيري”.
ثالثًا: تحويل الشعور إلى سلوك اجتماعي:لم يكتفِ التشريع الإسلامي بإيقاظ الإحساس، بل ربط الصيام بآليات عملية تخدم الفقراء، مثل:الصدقات،وتفطير الصائمين، زكاة الفطر مع نهاية الشهر. وهذا الربط يضمن أن لا يبقى التعاطف مجرد عاطفة، بل يتحول إلى عدالة اجتماعية جزئية تسند الفئات الأضعف،وتعين المحتاجين.
رابعًا: الصيام وتكوين الضمير الجمعي:الصيام عبادة جماعية في زمن واحد، ما يخلق وجدانًا مشتركًا بين أفراد المجتمع، حيث يشعر الجميع بالجوع في وقت واحد، ويفطرون في وقت واحد، فيتقلص التفاوت النفسي بين الطبقات، ولو مؤقتًا.هذا الشعور الجمعي يعزز:التضامن والتراحم،الإحساس بالمصير المشترك،وهو ما يشكل نواة الوعي الاجتماعي الحقيقي.
خامسًا: من الإحسان إلى الوعي بالعدل:الصيام لا يهدف فقط إلى الإحسان للفقراء، بل إلى إعادة التفكير في أسباب الفقر نفسها. فمن يعتاد الإحساس بالمحرومين، يبدأ بطرح أسئلة أعمق عن:توزيع الثروة ،وأنماط الاستهلاك ،ومسؤولية المجتمع والدولة تجاه الضعفاءوهنا يتحول الصيام من عبادة فردية إلى مدرسة وعي اجتماعي وأخلاقي.
وهكذا فإن الصيام يحقق الوعي الاجتماعي لأنه: يوقظ الإحساس بمعاناة الفقراء من الداخل،يهذب النفس من الأنانية ،يحول التعاطف إلى التزام عملي ،يبني وجدانًا جماعيًا متضامنًا ،ويمهد للانتقال من الصدقة إلى التفكير في العدالة،وبذلك يصبح الصيام عبادة تُصلح الفرد، وتُعيد إنسانية المجتمع، لا مجرد امتناع عن الطعام والشراب.

اليوم السادس:
الاثنين/6رمضان/1447ه
الموافق 23/2/ 2026م.

الصيام بين ان يكون طقسا فرديا ومشروعاً إصلاحياً
يمكن بيان ما إذا كان الصيام طقسًا فرديًا أم مشروعًا إصلاحيًا عبر الجمع بين النص القرآني، والمقاصد، والآثار الاجتماعية، على النحو الآتي:
أولًا: الصيام ليس طقسًا فرديًا محضًا: صحيح أن الصيام يُمارَس فرديًا، وأن نية الصائم وسلوكه الشخصي عنصرٌ أساسي فيه، لكن الفردية هنا وسيلة لا غاية. فالقرآن لم يربط الصيام بتزكية النفس فقط، بل ربطه بغاية أوسع هي:﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى مفهوم أخلاقي واجتماعي، لا يقتصر على علاقة الفرد بربه، بل ينعكس في علاقته بالآخرين، وحسن التعامل معهم.
ثانيًا: مؤشرات الصيام كمشروع إصلاحي في النص القرآني:الصيام مدرسة لإعادة تشكيل الوعي،فمن الصيام:يتعلّم الصائم ضبط الرغبة في مجتمع تحكمه الشهوات والمصالح.ويربّي نفسه على التحرر من العبوديات الخفية: الطعام، والاستهلاك، والعادة، والسلطة.وهذا الضبط هو شرط أي إصلاح فردي أو جماعي.
. البعد الاجتماعي للصيام، اقترن الصيام في القرآن والسنة-اضافة الىالإمساك عن مفطرات الصيام بالمعنى الشرعي الديني- بإطعام الفقراءو.التكافل بين الناس،والشعور بحاجة بالآخرين.فالغاية من الصوم اذن- ليست حرمان الجسد، بل إيقاظ الضمير الاجتماعي.ولهذا لا معنى لصيامٍ لا يغيّر علاقة الصائم بالضعفاء والمهمشين.
ثالثًا: من الطقس إلى المشروع الإصلاحي: يتبين الطابع الإصلاحي للصيام عبر هذه المعادلة التي تقوم على الربط بين:الصيام = تربية فردية + مسؤولية اجتماعية + وعي أخلاقي جماعي.فإذابقي الصيام حبيس الامتناع عن الطعام → فهو طقس.أما إذا أثمر:عدلًا في السلوك،ورحمة في العلاقات،ومقاومة للفساد والظلم،فإنه يتحول إلى قوة إصلاحية.
رابعًا: لماذا فشل الصيام أحيانًا في إحداث الإصلاح؟: ان فشل الصائمين في احداث اصلاح في نفوسهم لا يعود الى خلل في تجربة الصوم ، بل في اختزاله،حين يُفصل عن الأخلاق: فالصائم يمسك عن الطعام لا عن الظلم والتعدي على الاخرين،وحين يُفصل عن الواقع، بأن يكون الصوم عبادة بلا اثر في السلوك، وحين يُستعمل الصوم لتبرير السكون، لا للمساءلة،وهذا ما يفسر قول النبي ﷺ:”ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش”.
وهكذا فان الصوم يهدف إلى:بناء إنسانٍ حر من الداخل،قادر على إصلاح المجتمع من الخارج.وكل قراءة تحصره في الطقس تُفرغه من روحه ومقصده.

اليوم السابع:
الثلاثاء:7رمضان/1447ه
الموافق 24/2/ 2026م.

الصوم واثره في تغيير شخصية الصائم
يسهم الصوم – من حيث هو عبادة واعية وممارسة أخلاقية – في مراجعة الذات، ويُنتظر منه من حيث المبدأ أن يُحدث تحوّلًا في شخصية الصائم قبل الصيام وبعده، لكن هذا الأثر ليس آليًا ولا مضمونًا، بل مرتبط بكيفية الصيام وعمق الوعي به.،ويمكن توضيح ذلك في المحاور الآتية:
أولًا: الصوم كفعل كبح وإيقاف للمألوف:الصيام يفرض توقفًا مؤقتًا عن غرائز أساسية (الأكل، الشرب، الشهوة)، وهذا التوقف:يكسر رتابة العادة،ويضع الإنسان وجهًا لوجه أمام ذاته،ويخلق مساحة للتفكير في أنماط السلوك اليومية،وهنا تبدأ مراجعة الذات:لماذا أندفع؟ لماذا أغضب؟ لماذا أعتاد ما أعتاد؟
ثانيًا: الصوم وتربية الإرادة:الصيام ليس مجرد امتناع، بل تدريب على التحكم في الرغبة في، الغضب،في بذاءة اللسان وسوء السلوك،لهذا جاء في الحديث:«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل…»أي أن الصوم الحقيقي يمتد إلى الأخلاق والسلوك والتعامل مع الناس، ولا يتوقف عند الجسد،بان يمتنع عن الاكل والشرب وغيرها من الممارسات الحسية.
ثالثًا: الصوم والضمير الأخلاقي:الصائم يمارس الامتناع في الخفاء؛ فلا أحد يراه إن شرب أو أكل.وهذا يولّد رقابة داخلية،ويقظة في الضمير ،وشعورًا بالمسؤولية الذاتية،وهي عناصر جوهرية لأي تحول نفسي أو أخلاقي حقيقي.
رابعًا: متى لا يحدث التغير؟:قد يخرج الإنسان من رمضان كما دخله، بل أحيانًا يكون أكثر توترًا بعد نهاية الصوم، وذلك عندما:يتحول الصوم إلى عادة اجتماعية ،وينحصر في الامتناع الجسدي فقط،ويغيب عنه التأمل والمحاسبة ،وهذا ما عبّر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر”.
خامسًا: الصوم كتجربة تحويلية:عندما يُعاش الصوم بوعي، فإنه:يخفف مركزية الذات ويعزز التعاطف مع الآخرين، ويرسّخ قيم الصبر، والتواضع، وضبط النفس وبهذا يصبح الصائم شخصًا مختلفًا:أهدأ،وأكثر وعيًا،وأكثر قدرة على مقاومة اندفاعاته،
وخلاصة الامر إن الصوم الصحيح جدير بأن يحدث منعطفًا في الشخصية، و يُفترض أن ينتج عنه تحول أخلاقي في السلوك، لكن ذلك كله مشروط بأن يكون الصوم:واعيًاً،وأخلاقيًاً،وتأمليًا،وإلا بقي مجرد امتناع زمني عن الاكل والشرب والعادات، ولا يترك أثرًا عميقًا في النفس والسوك. نسال الله ن يتقبل منا الصيام والقيام، وان يوفقنا لاتمام ما تبقى من الصيام والقيام،وان يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الفضيل.

ahmedm.algali@gmail.com

عن أ.د. احمد محمد احمد الجلي

شاهد أيضاً

الإسلام السياسي ….وبناء سودان جديد*

بسم الله الرحمن الرحيمالإسلام السياسي ….وبناء سودان جديد*د.احمد محمد اجمد الجليahmedm.algali@gmail.comهذا المقال تعليقا على مقال …