قامت الحركة الإسلامية، منذ أن قامت، على مفاهيمَ خرقاءٍ للحكم، وعلى العُجْبِ المفرطِ بالذاتِ، وعلى الصلف، والغرور، والغطرسة. لقد اتخذت حركة الإخوان المسلمين السودانية، في مسارها الدمويِّ، المأساويِّ، الكارثيِّ، الطويلِ، مسمَّياتٍ مختلفةٍ، لكن، طبيعتها الجوهرية بقيت كما هي. ولا غرابة أبدًا في ذلك في أيِّ تنظيمٍ أيديولجيٍّ، خاصةً حين تكون الأيديولوجيا منسوجةً من قماشة الدين. وعلى الأخص، حين تكون منسوجةً من قماشة الدين الإسلامي، الذي جرى تحريفه منذ الفتنة الكبرى. فهو دينٌ لم يجد تزييف جوهره إسهامًا إصلاحيًا مؤثرًا ، يوائم بينه وبين الحاجات المتجددة والطاقات النامية للمجتمعات. لقد جرى تحويل الإسلام، منذ الحقبة الأموية، من لاهوتٍ للتحرير، إلى لاهوتٍ للطغيان والاستبداد. وتحول في عصرنا الحديث هذا إلى حراسة للتخلف. لقد قاد العجز عن المراجعة النقدية للتاريخ الإسلامي إلى استمرار الاستبداد، وإلى أن يتسيَّد ساحة التديُّن، في النطاق الإسلامي، من يهرفون بما لا يعرفون الذين يعرضون تصوراتٍ غير قابلةٍ، أبدًا، للمواءمة مع مقتضيات الحياة الحديثة.
لم تسلك الحركة الإسلامية السودانية، وهي تسعى إلى الحكم، منذ نشأتها في نهايات النصف الأول من القرن العشرين، إلَّا الطرقَ الملتوية. فهي، أصلاً، لم تكن تملك ما ينهض بالأمة فكريًّا وعلميًّا ووجدانيًّا وسلوكيًّا، وحضاريًا. كان همها الأكبر هو الوصول إلى السلطة وإخضاع غيرها لإرادتها، وإحكام سيطرتهاعلى الموارد والسلاح والإعلام، وتوظيف كل أولئك في مشروعها الخياليٍّ الفج، العابر للأقطار. قامت الحركة الإسلامية بكبح كل الطاقات الخلاقة في الأمة السودانية، ومنعتها أن تتحرك لتنمو خارج الإطار المعرفي والوجداني والسلوكي الفقير، المتمثِّل في بنيتها الأيديولجية الكابتة الكاتمة للأنفاس. فالمنحي الطهراني الذي أبدوه حين قاموا بانقلابهم على النظام الديمقراطي في يونيو 1989، زاعمين أنهم إنما جاءوا لإنقاذ البلاد والنهوض بها وتزكية نفوس أهلها، ما لبث أن تحوَّل وسط عضويتهم إلى نهمٍ ماليٍّ، وجشعٍ بلا حدودٍ، وفتونٍ بالسلطة والوجاهة. إضافةً إلى رعونةٍ فالتةٍ، لا تنفك تتباهي بقوة السلاح وبالقدرة على إخراس أصوات المواطنين بالقبضة الأمنية، وبالمال، وبالخطاب الديني الكاذب، وبالإعلام المضلل.
عدم الاكتراث بالبلاد والعباد
لا أظن أن هناك جماعة سودانية ربطت نفسها بالدين، مدعيةً، زيفًا، العمل على إعادة إحياء قيمه، في حين أنها، نفسها، تعاني فقرًا روحيًا وأخلاقيًّا مُدقعًا، كجماعة الإخوان المسلمين السودانية. ولقطع المجادلات الفارغة التي لا ينفك دهاقنتها يدفعون بها هذه التهمة عن أنفسهم، يكفي، أن نورد شهادة مرشدهم الروحي، الشيخ، حسن الترابي، عنهم. فقد قال في مقابلته له مع أحمد منصور على قناة الجزيرة: إنهم أكلوا المال أكلاً عجيبًا، واعترف أن الحركة أهملت الجانب التربوي، وأن الفساد قد أمسك بخناق تلاميذه. بل، وقال: إن ذلك الفساد جرى تحت سمعه، وبصره، وعجزه. لم يُظهر قياديو هذه الجماعة، في أي لحظةٍ من لحظات سنواتهم الست والثلاثين الكالحة، أي تعاطفٍ مع البلاد وأهلها، وهم يعانون ما يعانون من عنتهم وسوء إدارتهم للبلاد، وفسادهم المقزز، وحبسهم الشعب في دائرة الفقر والعوز وتري الخدمات بكل أنواعها. كل ما فعلوه لم يخرج من دائرة الإسراف في القهر، والقتل، وسفك والدماء، وزعزعة الأوضاع. ولذلك، فقد أوصلوا الأمور إلى قمة المأساة، المتمثلة في إشعالهم هذه الحرب الكارثية، التي هددوا بها في إفطاراتهم في رمضان 2023، لكي ينسفوا كامل المسرح الذي قامت عليه ثورة الشعب. لقد أصبح السودان على يديهم، وعبر ستة وثلاثين عامًا، القطر الأكثر تخلُّفًا في البنى التحتية في الإقليم، والأسوأ في مجالي التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية، والأكثر فسادًا مؤسسيًا، والأسوأ في استخدام أجهزة الإعلام، والأكثر طردًا لمواطنيه، والأكثر بيعًا لأراضيه، والأكثر هدرًا لثرواته. بل، تجاوز الأمر بيع الأراضي للاستثمار، من وراء ظهر الشعب، فبلغ درجة التنازل عن مثلث حلايب السوداني لمصر، الذي أعلن عنه المصريون، في الأيام الأخيرة. وقد صمتت عنه حكومة بورتسودان، نظير دعم مصر للبرهان للبقاء في السلطة.
يُؤتى الحَذِرُ من مأمنه
هذا الفقر الروحاني ونهج الخيانة والدسيسة والتآمر الذي يجعل الطاغية يخاف من ظلِّه، جعل جماعة الإخوان المسلمين في السودان، جماعةً دائمة الوسواس، فأصبحت تتوقع الخيانة من داخل بنيتها نفسها، خاصةً بعد أن تشقَّقت بنيتها. وتمثل ذلك التشقق في المؤتمر الوطني، والمؤتمر الشعبي، وحركة الإصلاح الآن، وتيار السائحون، والإحياء والتجديد، والعدالة والتنمية، وفي شظايا أخرى أصغر حجمًا ووزنا. وبسبب الانتفاضة الشعبية التي جرت في عام 2013، وتزايد الضغط الشعبي، أصبح عمر البشير يدير البلاد بارتجالٍ وعشوائيةٍ، مع شلَّةٍ صغيرةٍ من فسدة الحركة الإسلامية، الذين تحلَّقوا حوله في مجمعه الضخم في ضاحية كوبر. وعمومًا، تحوَّل الرجل في نظر جماعته إلى عبءٍ ثقيل.
وصل تذمُّر أعضاء الحركة الإسلامية من عمر البشير حدًّا جعلهم يجهرون برأيهم فيه، مطالبين بألَّا يترشح لانتخابات 2020. وفي المقابل، أخذ هو يستهين بالحركة الإسلامية، ويتحدث ضدها في خطاباته الرسمية، معلنًا أنها لم تعد تعني بالنسبة له شيئا. لذلك، حين اندلعت ثورة ديسمبر 2018، وقف عددٌ من قادة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني ضد عمر البشير، وسعوا لإزاحته. أَمِنَ البشير لفترةٍ طويلةٍ جماعته، لكن الذي جرى جعل جماعته هي الثغرة التي جرى منها اختراق حصون أمنه. عقب الثورة، تحالف الجيش والدعم السريع، ومن ورائهم قطاعٌ من الإسلاميين ضد قوى الثورة، وقاما بالانقلاب عليها في 25 أكتوبر 2021. لكن، بعد أقل من عامٍ من الانقلاب خرج قائد قوات الدعم السريع ليعلن على الملأ فشل ذلك الانقلاب. ومن ثم، ظهر في الأفق حل الاتفاق الإطاري، فانحازت له قوات الدعم السريع، دون تردد. وهكذا أصبحت قوى الثورة وقوات الدعم السريع في جانب، والجيش المسيطَر عليه من قبل الإخوان المسلمين والمصريين، في الجانب الآخر. فقد الجيش، من حيث لا يحتسب، قوات الدعم السريع التي طالما اعتمد عليها في تأمين نفسه. وفي المقابل، أصبح للقوى المدنية، التي طالما استهان بها الجيش، وبطش بها، بلا هوادة، ظهيرًا يحمل بندقيةً ذات وزنٍ وتجربةٍ قتاليةٍ كبيرة. هنا كان لابد للفريق البرهان وللإخوان المسلمين، ومن ورائهم المصريون، من التخلُّص من قوات الدعم السريع والانفراد بالمدنيين وسحق حراكهم، ونسف كامل المسرح الذي قامت عليه الثورة. فقاموا بإشعال الحرب، غير أنها فشلت، هي الأخرى، وجاءهم الطوفان من حيث لا يحتسبون.
انكسار بندقية الطغيان
من يقرأ مسيرة استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة بالقوة منذ يونيو 1989، يستطيع أن يقرأ بوضوحٍ كيف أكلت هذه الحركة الرعناء نفسها بنفسها. والآن، يواصل الفريق البرهان، الذي يصر على أن يكون رئيسًا للبلاد حتي بعد أن جعل منها كومةً من الرماد، وجزرًا متقطعة، نفس ألاعيبه المعتادة، منخرطًا في خطةٍ جديدةٍ لخلط الأوراق. إنه يسير، حذو النعل، وراء الرئيس اليمني المقتول، علي عبد الله صالح. يلعب البرهان الآن بثلاث بطاقات متعارضات؛ أطرافها: الإخوان المسلمون وكتائبهم المسلحة، التي لا ترضى بغير استعادة السلطة كاملة. وكذلك، “القوات المشتركة” التي غادرت حواضنها الاجتماعية وأتت لتشد من أزر جيشٍ هزيلٍ، قوامه ضباطٌ استغرقتهم الأعمال التجارية. وأصبح البرهان لا يدري البرهان ماذا يفعل بقوات المشتركة المتذمرة المغاضبة، التي وجدت نفسها تقاتل في محيطٍ معادٍ لها. وإلى جانب كل هذا التعقيد، هناك مصر، والسعودية، والمجتمع الدولي، اللتان تريدان من البرهان تقليم أظافر الإسلاميين القتالية، ليتهيأ الجو لصيغة حكمٍ جديدةٍ تصبُّ في مصلحة مصر ضمن مخططها لابتلاع السودان واحتكار موارده المتنوعة، الثرَّة، ومنح حلفائها من العرب نصيبًا منها.
“وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ”
ما ظلت تفعله الحركة الإسلامية منذ أن سطت على السلطة في يونيو 1989 دلَّ على شيءٍ واحدٍ، لا غير، وهو “الغباء الروحاني”، الذي يقود، وبالضرورة، إلى إهمال جانب الله. لقد طغوا وتجبَّروا واستبدُّوا ونسوا الله نسيانًا تمامًّا، وظنوا في غفلتهم الطويلة المطبقة، أن الأمر بيدهم وحدهم، فأنساهم الله أنفسهم. لقد فاق البرهان، في الغباء الروحاني، الرئيس المخلوع عمر البشير بمراحل. وأحدث من الدمار ما لم يحدثه أحدٌ قبله، قط. ومع ذلك، لا يزال هذا الرجل العابد لذاته، الغارق في أوهامه، يخرج ويخطب في الناس بعباراتٍ فارغةٍ ميِّتةٍ، كفراغ عيونه ذات النظرات الثعبانية، الخالية من أي تعبيرٍ إنساني. يخرج هذا الرجل المريض، كل يومٍ وآخرَ، ليخطب بنفس مفتوحةٍ، وإصبعٍ ممدود، يشير به ويهدد، وكأنَّه لم يفعل كل هذا الخراب والدمار والتشرد والعذاب. لقد وصلت به شهوة الحكم والاستهتار بالبلاد وأهلها وضيق الأفق، حد استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة في قلب مركز الحكم في عاصمة البلاد لإخراج قوات الدعم السريع منها. وكذلك، في أطرافها مستهدفًا بها الفقراء الأبرياء من المدنيين. ومع كل هذا، لا يزال أعضاء الحركة الإسلامية وصحافيوهم المرتشون يمارسون دجلهم القديم، ظانين أنه لا يزال في وسعهم استعادة ملكهم التافه الغارب، الذي لم يحقق مجدًا للبلاد ولم يرفع اسمها بين العالمين. بل، كانت حصيلته النهائية خراب ودمار وتشرد وفوضى غير مسبوقة، وجعل البلاد مطمعًا لكل طامع. لقد كان ملكًا هلاميًّا تافهًا تمرَّغوا في أمواله المنهوبة من عرق الشعب المسكين، ومن كنوز باطن أرضه، لستةٍ وثلاثين عامًا. ملكٌ طويلٌ لم يتعلموا فيه شيئًا، ولم يشعروا فيها قطُّ بالخزي والعار، وهم يرون دول الجوار الإفريقية، تثب من حولهم وثبًا، في حين ظلوا هم من خراب شديدٍ، إلى خراب ودمارٍ أفدح وأنكأ. ما جرى ويجري الآن مشحونٌ بإلعديد من إشارات الغيب، لمن يبصرون. وكل ذلك إنما يقول بلسانٍ مبين: إن حقبة الإخوان المسلمين الكارثية التخريبية الطويلة والكئيبة، قد انطوت، مرَّةً، وإلى الأبد؛ عَلِمَ من عَلِم، وجَهٍلَ من جَهِل: “أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”. صدق الله العظيم.
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم