تعلمت من قراءاتي في نقد ما بعد الحداثة أهمية الانطلاق من التجارب الذاتية والتواصل مع الآخرين عبرها بدلا عن المبالغه فى ادعاءات الموضوعية كما فعلت تجربة الحداثة، ولأن ذلك يجعل تناول الشأن العام أكثر قرباً من الناس وأكثر فائدة. ومن هذا المنطلق أود أن أشارك بعضاً من تجربتي الشخصية في الاغتراب، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به السودان، ذلك الوطن الذي لا يزال يمثل بالنسبة لي مهد الذكريات العزيزة والحضن الدافئ لكل من عرفت من أهل وأصدقاء.
عملت في اليمن لمدة خمس سنوات مع شركة “دي إتش ال” للاستشارات وشركة “أقروفيشن هولاند”، تحت إشراف وزارة التنمية والتعاون الهولندية. وخلال تلك الفترة عملت طبيباً بيطرياً. ومن اليمن تقدمت بطلب الهجرة إلى كندا، ووصلت إليها في أوائل تسعينيات القرن الماضي بعد حصولي على الإقامة الدائمة، ثم نلت الجنسية الكندية بعد نحو ثلاث سنوات.
لم تكن البدايات سهلة. فقد كانت الظروف الاقتصادية صعبة، الأمر الذي اضطرني للعمل في وظائف مختلفة لا تمت بصلة إلى تخصصي. عملت في المصانع، كما عملت سائق تاكسي في عدد من المدن الكندية في كل من مقاطعتي أونتاريو وألبرتا. وبعد ذلك التحقت بالوكالة الفيدرالية الكندية لتفتيش الأغذية واللحوم، حيث عملت قرابة عشرين عاماً. وعقب تقاعدي منها واصلت العمل مع وزارة الزراعة التابعة لمقاطعة أونتاريو لمدة تقارب خمس سنوات، وأنا الآن على أعتاب التقاعد النهائي بعد أن تجاوزت عمر النبوة بسنتين ، والحمد لله على نعمه.
كانت تجربة الهجرة والعمل في كندا مليئة بالتحديات. فالبلد يوفر فرصاً كبيرة، لكنه في الوقت نفسه من البلدان مرتفعة التكلفة، خاصة فيما يتعلق بالسكن. فالكثير من الأسر تدفع ما بين ألفي وثلاثة آلاف دولار كندي شهرياً ما بين إيجار أو أقساط عقارية للبنك. وفي حالتي تبلغ ضريبة العقار نحو 600 دولار كندي شهرياً.
يضاف إلى ذلك نحو 600 دولار أخرى لفواتير الكهرباء والمياه، وحوالي 400 دولار للغاز الطبيعي وإيجار وصيانة أنظمة التدفئة والتبريد المركزية. ثم تأتي تكاليف التأمين على المنزل والسيارات، وهي ضرورة لا غنى عنها في بلد مترامي الأطراف – وتموت من البرد حيتانه كما كتب يوما الراحل المقيم الطيب صالح – ويعتمد سكانه بصورة كبيرة على السيارات في تنقلاتهم. وتبلغ فاتورة التأمين الشهرية في حالتي نحو 950 دولاراً كندياً.
ولأنني عملت في كل من الحكومة الفيدرالية وحكومة أونتاريو، فإن وضعي التقاعدي أفضل نسبياً من كثيرين. فقد خضعت شروط عملي لما يعرف باتفاقيات التفاوض الجماعي (Collective Agreements) التي تبرم بين النقابات والحكومة. ووفقاً لهذه الاتفاقيات يُحسب المعاش التقاعدي بنسبة 2% من متوسط أعلى راتب عن كل سنة خدمة.
وبافتراض خدمة تمتد إلى 25 عاماً، فإن المعاش يعادل نحو 50% من أعلى راتب تقاضاه الموظف. ومع انخفاض ضريبة الدخل بعد التقاعد، يصبح الدخل الصافي قريباً من 60% من الراتب السابق. فإذا افترضنا أن الموظف كان يتقاضى 100 ألف دولار كندي سنوياً، فإن دخله التقاعدي قد يبلغ نحو 60 ألف دولار سنوياً قبل خصم الضرائب. والضرائب تعادل خمس المرتب تقريبا.
وهنا يبرز السؤال الذي يواجه معظم المتقاعدين والمهاجرين على حد سواء: هل يستطيع شخص يعيش على دخل تقاعدي أن يواجه هذه الالتزامات الشهرية المتزايدة وتكاليف المعيشة المرتفعة؟
سأعود في حلقة ثانية للحديث بمزيد من التفصيل عن تجربتي مع الهجرة وتحديات العمل والحياة في كندا، وما تعلمته من دروس خلال هذه الرحلة الطويلة.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
