في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للراحل المقيم الطيب صالح، وبعد عودة الراوي من أوروبا واستقبال أهل القرية له، سأله ود الريس: “هل صحيح أنهم في الغرب لا يتزوجون، وإنما يعيش الرجل مع المرأة بالحرام؟” فأجابهم الراوي بأن الأوروبيين يتزوجون، ويربون أبناءهم، ولهم أخلاق حسنة مثل غيرهم. عندها علّقت بنت مجذوب ضاحكة: “خفنا أن تعود إلينا بنصرانية غلفاء.”
تكشف هذه المحاورة عن حالة الفضول والصدمة الثقافية تجاه “الآخر”، وتعكس الصورة التي كانت سائدة في أذهان كثيرين عن المجتمعات الغربية، وهي صورة تشكلت بفعل الشائعات والانطباعات المسبقة أكثر مما تشكلت بالمعرفة المباشرة.
وبعيدًا عن الصورة التي رسمتها بعض أفلام هوليوود من جهة، أو الخطاب الدعوي والسياسي الذي قدّم الغرب بوصفه مجتمعًا بلا قيم أخلاقية من جهة أخرى، فإن تجربتي الشخصية بعد ثلاثة وثلاثين عامًا في كندا تقرّبني كثيرًا من موقف الراوي في الرواية. فقد تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، كما قال الطيب صالح.
من خلال معايشتي للمجتمع الكندي، وجدت أن أبرز الفوارق الاجتماعية تتمثل في انتشار علاقة الصديق والصديقة (Boyfriend/Girlfriend). لكنها، في معظم الحالات، ليست علاقة عابرة أو قائمة على العبث، وإنما تقوم على الالتزام والمسؤولية والوضوح أمام الأسرة والمجتمع، ويُنظر إلى الخيانة فيها بالاستنكار والازدراء، كما هو الحال في الزواج. وكثير من هذه العلاقات ينتهي بالزواج. ومن هذه الزاوية أراها أكثر وضوحًا وشفافية من بعض الصيغ التي عرفتها مجتمعاتنا، كالزواج العرفي أو زواج المسيار، التي قد تُستخدم أحيانًا للتحايل على المسؤولية الاجتماعية.
أما الفارق الثاني فيتعلق بالملبس. ففي الغالب يتناسب مع طبيعة الطقس والحياة اليومية، ولا يثير اهتمامًا خاصًا، لأن المجتمع اعتاد هذا النمط من اللباس، وأصبح جزءًا من المألوف. ومع مرور الزمن يتسع ما يمكن تسميته بـ”نطاق الاعتياد” أو Zone of Comfort، فلا تُحمَّل الملابس دلالات أخلاقية كما يحدث في بعض مجتمعاتنا، بل يُنظر إليها بوصفها خيارًا شخصيًا ما دام في إطار احترام الآخرين والقانون.
ولا يعني ذلك أن المجتمع الغربي مجتمع مثالي أو خالٍ من المشكلات، كما لا يعني أن مجتمعاتنا تخلو من الفضائل. لكن تجربتي علمتني أن الحكم على أخلاق الشعوب لا ينبغي أن يقوم على الصور النمطية أو الدعاية الأيديولوجية، وإنما على المعايشة المباشرة والواقع.
لكن أكبر المشاكل التى تواجه أبناءنا القلق الذى ينتاب الآباء والأمهات المسلمين من جرعة الحريات المتوفرة هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان المساجد فى الغرب تسيطر عليها الجماعات السلفية والمكتب العالمى للاخوان المسلمين التى تتبنى مفاهيم تستطيع ان تخفف من قلق الآباء والأمهات وتقدم هوية جديدة فى مجتمع غريب لكنها تعمق روح الكراهية وتعيق مسألة التصالح والتكامل مع المجتمع الجديد الذى تسوده قيم التعدد الثقافى والتسامح والتعايش السلمى بين البشر.
طلعت محمد الطيب
