بعد أكثر من ثلاثة عقود من العيش والعمل في كندا، أستطيع أن ألخص تجربتي في جوانب إيجابية وأخرى سلبية، بعيدًا عن المبالغة أو التعميم، فلكل مجتمع مزاياه وتحدياته.
الإيجابيات
تتميز كندا بنظام تعليم عام مجاني وعالي الجودة، يتيح فرصًا متكافئة للأطفال بغض النظر عن مستوى دخل أسرهم. كما تتميز المدن بالنظافة، وتنتشر الحدائق العامة والمرافق التي تجعل الحياة أكثر راحة وجودة.
ويعد النظام الصحي من أبرز نقاط القوة؛ فالمستشفيات مجهزة ونظيفة، والرعاية الصحية الأساسية متاحة للجميع دون مقابل. أما الأدوية، فهي مجانية للعاطلين عن العمل، بينما يتحمل التأمين الصحي الذي توفره جهات العمل الجزء الأكبر من تكلفتها للعاملين، مما يجعل أسعارها في متناول معظم الناس.
كما تنعم كندا بدرجة عالية من الأمن، ويتميز الشارع العام بالهدوء والانضباط واحترام القانون.
التحديات التي تواجه المهاجر
في المقابل، يواجه كثير من المهاجرين تحديات حقيقية في سوق العمل. فما زالت الشهادات والخبرات المكتسبة خارج كندا والولايات المتحدة لا تحظى، في كثير من الأحيان، بالتقدير الذي تستحقه، وهو ما يحد من فرص التوظيف والترقي.
وتتميز المنافسة على الوظائف بشدتها، كما أن العلاقات الشخصية والوساطة ليست غائبة تمامًا عن بعض التعيينات والترقيات. وخلال سنوات عملي، حدث في أكثر من مناسبة أن كان المسؤول المباشر أقل خبرة وكفاءة فنية من بعض العاملين الذين يشرف عليهم.
ومن خلال تجربتي رئيسًا لنقابة الزراعيين في شمال غرب أونتاريو، وهي فرع من النقابة العامة للعاملين في القطاع العام، أتيحت لي فرصة الاطلاع على شكاوى العاملين وتمثيلهم أمام الإدارة. وقد لاحظت أن ما يقارب ثلاثة أرباع التظلمات كانت مقدمة من مهاجرين، وكانت تدور في معظمها حول التعسف الإداري أو التمييز أو سوء المعاملة.
ورغم أن قوانين العمل في كندا ديمقراطية وتوفر حماية قانونية جيدة للعاملين، خاصة في أماكن العمل التي توجد بها نقابات قوية، فإن الاستفادة من هذه الحقوق تتطلب شجاعة وثقة بالنفس.
وكثير من المهاجرين يأتون من بلدان يسود فيها الفساد أو الاستبداد، ولذلك يترددون في تقديم الشكاوى أو الاعتراض على الممارسات غير العادلة. ويغلب عليهم الاعتقاد بأن الصمت أكثر أمانًا من مواجهة الإدارة، خوفًا من انتقام يتصورونه، رغم أن القانون الكندي يمنع أي إجراءات انتقامية ضد الموظف بسبب ممارسته لحقه القانوني، متى كانت شكواه موثقة بالأدلة، سواء بالمراسلات الإلكترونية أو بشهادة الزملاء.
إن معرفة الحقوق القانونية، واللجوء إلى النقابات عند الحاجة – إذا كانت موجودة، إذ إن كثيرًا من العاملين في القطاع الخاص لا يتمتعون بتمثيل نقابي معترف به – إلى جانب توثيق أي تجاوزات، كلها عوامل تساعد المهاجر على حماية حقوقه والاندماج بصورة أفضل في بيئة العمل الكندية.
لقد علمتني تجربتي أن القانون في كندا يوفر حماية حقيقية للعامل، لكن هذه الحماية لا تصبح فعالة إلا إذا عرف الإنسان حقوقه، ووثق ما يتعرض له، وتحلى بالشجاعة للمطالبة بها.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
