زهير عثمان
وسط جحيم “حرب الوجود” المشتعلة من أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، ظهر كيان جديد باسم “تحالف السودان التأسيسي” (تأسيس)
الميثاق المضاد في نيروبي فبراير 2025 جمع الدعم السريع مع قوى سياسية وحركات مسلحة، على رأسها الحركة الشعبية جناح الحلو، وكمان فيالق من الفصائل وأسماء محسوبة على أحزاب تاريخية زي الأمة والاتحادي، مع كتلة من المدنيين
اللي خرجوا من عباءة الكيان المدني الوحيد
لكن من أول ما ظهر، السؤال الجوهري اتفرض في صالونات المثقفين والسياسيين هل “تأسيس” ده فعلاً مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة المنهكة، ولا مجرد تكتيك عسكري لشرعنة قوة البندقية في مناطق النفوذ؟
البعد التاريخي الهامش والمركز.. هل تبدلت الأدوار؟
ما ممكن نفهم “تأسيس” بعيد عن المظلمة التاريخية اللي حكمت السودان من الاستقلال لحد هسه. الصراع بين “المركز القابض” في الخرطوم و”الهوامش المشتعلة” في الأطراف هو المحرك الأساسي للأزمة
تاريخياً، الهامش كان بيطالب بـ “العدالة التوزيعية” والاعتراف بالتنوع، لكن المفارقة اليوم إنو التحالف الجديد بيحاول يخلق مركز بديل في نيالا، يستخدم خطاب الهامش كغطاء لقوة عسكرية كبيرة، وهي الدعم السريع
ده معناه إنو احنا قدام نسخة جديدة من صراع الهامش والمركز، لكن المرة دي بالقوة العسكرية والمحاصصة الإقليمية، مش بالحوار أو التفاوض
من نيروبي لنيالا هل هذا “فقه” الموازاة والشرعية
الإعلان عن التحالف جاء في لحظة استقطاب حاد على الشرعية و الجيش كان بيحاول “يستعدل” ميزان الدولة من بورتسودان، والتحالف اتجه لبناء دولة موازية في نيالا
الميثاق ما كان مجرد ورق، بل كان إعلان نوايا لتحويل السيطرة الميدانية لسلطة إدارية وسياسية
وفي يوليو 2025، أعلنوا من نيالا تشكيل المجلس الرئاسي حميدتي رئيس، الحلو نائب، والتعايشي رئيس وزرا و الرسالة كانت واضحة الخرطوم ما عاد هو المحور الوحيد، وبدأت فكرة “تعدد مراكز السيادة”
واللي ممكن توصل لسيناريو زي ليبيا: حكومتين وجيشين
زواج المصالح “الثوري الأيديولوجي” في مواجهة “العسكري البراغماتي”
التحالف قائم على معادلة معقدة – الدعم السريع القوة الضاربة، المسيطر على دارفور وجزء من كردفان، مع تمويل ضخم، لكنه بلا مشروع سياسي واضح، كله براغماتية ونفوذ
الحركة الشعبية (الحلو) الرأس المفكر، تنظيم أيديولوجي صلب، عنده رؤية حول العلمانية وهيكلة الدولة
التناقض واضح الحركة الشعبية عايزة تقود التحالف فكرياً، لكن الدعم السريع هو اللي يملك “الكلمة الأخيرة” على الأرض و ده صدام دائم بين الأيديولوجيا الثورية والبراغماتية العسكرية اليومية، واللي صعب يجمعوا في محطة واحدة بلا تنازلات موجعة
الهامش والهامش المضاد صراع التمثيل
التحالف بيقدم نفسه كـ “منقذ للهامش”، لكن الواقع على الأرض يقول غير كده. الدعم السريع متهم بانتهاكات واسعة في دارفور وكردفان، وده يخلي خطاب “المظلومية” يتصادم مع واقع مرير
و الصراع اليوم ما بين الخرطوم والأطراف فقط، لكن داخل الهامش نفسه، حول منو عندو الحق يمثل الأقاليم المظلومة
نيالا العاصمة البديلة وحصار التاريخ
اختيار نيالا ما كان صدفة؛ هي عاصمة النفوذ العسكري الفعلي. لكن غياب الفاشر عن السيطرة بيوري إنو المشروع ناقص شرعية تاريخية و تحويل نيالا لمركز سياسي بيعني إننا ودعنا فكرة “السودان الموحد مركزياً” وبدأنا في عصر “الإقطاعيات السياسية”
اللي بتشبه نماذج الدول الفاشلة
الموقف الدولي الاعتراف المنقوص والتعامل البراغماتي
على الصعيد الدولي، التحالف لسه مقطوع من الشجرة. العالم حالياً بيتعامل مع الأمر الواقع أكتر من تعامله مع الشرعية القانونية
مصر رفضت تماماً أي حكومة موازية واعتبرت سيادة السودان خط أحمر
كينيا فتحت أبوابها لاجتماعات التحالف، وده مثال على الاعتراف المنقوص
الإمارات دعمت عبر الشبكات الاقتصادية بشكل براغماتي، بعيد عن الإعلان الرسمي
التعامل ده يعكس كيف القوى الدولية بتوازن بين مصالحها واستقرار المنطقة بدل ما تقف مع الشرعية القانونية، وده بيخلي مشروع التحالف معرض للطعن في مصداقيته وشرعيته
مشروع “تأسيس” أم “تفكيك”؟
تحالف “تأسيس” واقف في برزخ تاريخي يا إما ينجح في تحويل القوة العسكرية لمشروع سياسي مدني يعالج اختلالات المركز والهامش (وضعه ضعيف في ظل السلاح المدور)
يا إما يكون هروب للأمام لشرعنة السيطرة العسكرية وتفتيت الدولة
الإجابة ما ح تكون في بيانات الفنادق في نيروبي، بل في أرض المعارك , مصير الفاشر وتوازنات القوة في الأقاليم حتقول لينا , و هل “تأسيس” فجر لدولة جديدة، ولا مجرد دي شهادة وفاة للسودان القديم وبداية زمن “الكنتونات المتناحرة”؟
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم