تحالف “صمود” يطالب بتسوية الصراع السوداني حسب مبادرة الرباعية ويرفض الوساطة الأفريقية

بينما تتصاعد الجهود الدولية لإيجاد مخرج لأزمة السودان، يثير تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك موقفاً يستدعي التوقف والتأمل. فرفضه القاطع للمشاورات السياسية التي دعا إليها الاتحاد الأفريقي – بحجة أنها “عملية متسرعة” – يقابله ترحيب صريح بمبادرة “الآلية الرباعية” (السعودية، أمريكا، الإمارات، مصر) التي يراها “واقعاً جديداً مبشراً”.

هذا التناقض الواضح في تقييم المسارين الدوليين يضع علامات استفهام كبرى حول المعايير الحقيقية التي تحرك قرارات التحالف، ويدفع إلى التساؤل: هل يُدار الملف وفقاً لأولويات سياسية ضيقة تفضل مساراً دولياً محدداً على حساب الآخرين؟

يبدو أن هذا التفضيل ينسحب حتى على المبررات؛ فبينما يطالب تحالف “صمود” بشمولية الحوار واستبعاد أي طرف رئيسي يكرس واقع الانقسام، فإن رفضه للمشاركة في مسار الاتحاد الأفريقي يتجاهل دعوته نفسها إلى “تشاور واسع” تحت مظلة دولية أوسع. كما أن التحالف الذي يدعو إلى “وضع إنقاذ الأرواح فوق أي أجندة سياسية” يرفض فرصة للحوار يمكن أن تفتح نافذة للضغط نحو هدنة دائمة، مما يزيد من حيرة المراقب.

الآلية الرباعية

تشكلت الآلية الرباعية حول الأزمة السودانية من أربعة لاعبين رئيسيين هم: الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة العربية السعودية، دولة الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية. وقد ارتكزت شرعيتها الدبلوماسية بشكل أساسي على الدور الذي لعبته السعودية – إلى جانب الولايات المتحدة – في استضافة ومتابعة محادثات جدة بين طرفي النزاع الرئيسيين، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

تميز مسار الرباعية بالعمل على صياغة “خارطة طريق” عملية تركزت في مرحلتها الأولى على تحقيق هدنة إنسانية فورية ووقف لإطلاق النار، كمقدمة ضرورية لأي عملية سياسية لاحقة. وهذا التدرج جعل منها في أعين كثيرين المسار الأكثر واقعية وارتباطاً بالمعاناة الإنسانية المباشرة على الأرض.

العرض الافريقي

في سياق متصل، إعتزم الاتحاد الأفريقي إجراء مشاورات بين القوى السياسية السودانية في الفترة الممتدة بين السادس والعاشر من أكتوبر، لبناء أرضية تفاهم تمهد لحوار داخلي، يؤسس لانتقال سياسي بقيادة مدنية

يأتي العرض الأفريقي في إطار مسعى دولي شامل يهدف إلى إيجاد مخرج شامل للأزمة السودانية، وليس بديلاً عن جهود الآلية الرباعية. فالاتحاد الأفريقي، بصفته الإطار الإقليمي المعني بالأمن والاستقرار في القارة، يسعى من خلال هذه المشاورات إلى معالجة الجذور السياسية للأزمة التي تسببت في اندلاع الحرب. ويرتكز هذا المسار إلى رؤية طويلة الأمد تهدف إلى بناء أرضية تفاهم صلبة، تمهيداً لحوار داخلي شامل يفضي إلى انتقال سياسي حقيقي بقيادة مدنية. ولا تغيب الأولوية الإنسانية عن هذه الرؤية، حيث يرى الاتحاد الأفريقي أن تحقيق وقف دائم لإطلاق النار لن يتم إلا من خلال الوصول للأسباب السياسية التي تغذي استمرار القتال. كما أن مشاركة مبعوث الأمم المتحدة رمطان لعمامرة إلى جانب منظمة “إيقاد” في هذه المبادرة، يؤكد الطابع التكاملي لهذا الجهد الدولي، الذي لا ينفصل عن السياق الأوسع الذي تندرج فيه مبادرة الرباعية. وبالتالي، فإن المبادرة الأفريقية لا تهدف إلى التشويش على أي مسار آخر، بل إلى تعزيز فرص السلام من خلال إشراك جميع الأطراف السودانية في عملية سياسية شاملة تحت مظلة إقليمية ودولية عريضة.

مصالح واشنطن الجيوسياسية على البحر الأحمر

في سياق متصل قال مراقبون انه وفي لحظة مصيرية تحتاج إلى توحيد كل الجهود، يبدو أن تحالف “صمود” يختار بعناية المسارات التي تخدم رؤيته السياسية، متخذاً من المبادئ الإنسانية والسياسية مطيةً لتبرير مواقف انتقائية تثير الشكوك حول نواياه الحقيقية ومدى جدية التزامه بمعايير الحل الشامل التي يرفع شعاراتها.

وأضافوا أنه في الوقت الذي تُقدم الآلية الرباعية نفسها على أنها “منصة داعمة” للمسارات الأخرى، وفقاً لتصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا. غير أن هذا الطرح يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تتركز في إطار هذه الآلية دول تمتلك تأثيراً مباشراً ومصالح إستراتيجية متشابكة في الملف السوداني.

 فوجود قوى مثل السعودية والإمارات ومصر إلى جانب الولايات المتحدة لا يشير فقط إلى وزنها الجيوسياسي، بل يثير تساؤلات حول مدى “الحياد” الذي يمكن أن تتحلى به هذه المجموعة، خاصة في ظل تاريخ العلاقات المعقدة التي تربط بعض هذه الأطراف بأحد طرفي النزاع أو كليهما. كما أن التأكيد على أن “القرار النهائي يجب أن ينبع من إرادة السودانيين” يبدو، في سياق الضغوط الدبلوماسية والمسارعات الزمنية المعلنة، أكثر انشغالاً بتحقيق تقدم ملموس على الأرض قد لا يتوافق بالضرورة مع الإرادة السودانية المجردة من أي تأثير خارجي.

مؤكدين على حقيقة أن واشنطن لا تقدم نفسها كوسيط لحل أزمة إنسانية – هي كانت طرف في إشعالها حسب خبراء – الا اذا كانت تريد تحقيق مصالح جيوسياسية، وأشاروا الى أن الإدارات الأمريكية باختلاف الحزب الحاكم تاريخيًا لم تدخل أي وساطة الا وانحازت لأحد أطراف النزاع بما يضمن مصلحتها السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، وما يحدث في الشرق الأوسط وخصوصًا في الصراع العربي الإسرائيلي منذ عشرات السنين خير دليل، حتى مع المجازر التي تنفذها إسرائيل بحق المدنيين في قطاع غزة، الا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتخلى عن سياستها وانحيازها لمن يخدم مصالحها

وفي السودان لا تتعامل الإدارة الأمريكية مع السلطات على أنها شرعية وتساوي بين أطراف الصراع على الرغم وضوح الصورة وتمرد قوة مسلحة على القوات النظامية وتدعم كذلك قوى سياسية لا تريد السلطات والحكومة السودانية التعامل معها، وهذا دليل على نوايا الولايات المتحدة وتخطيها لسيادة السودان، ولذلك ترفض السلطات السودانية المبادرات الأمريكية وسترفضها إذا لم يتغير النهج الذي تتبعه أمريكا.

  • الكاتب .. الدكتور محمد صادق .. الكاتب والباحث  في  شؤون  الشرق  الأوسط  والعلاقات  الدولية

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

رائدات أعمال لا نازحات: كيف شكلت المرأة السودانية حياتها بعد الحرب؟

منتدى الإعلام السوداني: آلاء البرير: عطبرة، 14 فبراير 2026 (راديو البنات)- في بلدٍ أنهكته الحرب …