عبد القادر محمد أحمد/ المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
مواصلةً لمحاولة تسهيل تناول تعقيدات قضية التفكيك، يأتي هذا المقال ردًا على مقالات د. عبد الله إبراهيم الاسترجاعية، التي يقول فيها أن التفكيك يجب أن يتم باولوية الفعل الثوري، ولو بتجاوز القضاء والإجراءات.
وأشير هنا إلى التباين اللافت في التعليقات في الخاص، على المقال السابق. فبعضها يوافق د. عبد الله وينتقد التمسك بالدستور والقانون، ويرى أن ذلك مجرد «مثالية رومانسية»، تثير شبهة «الكوزنة». وفي المقابل، رسائل خرجت عن إطار النقاش الفكري تمامًا، امتلأت بالسبّ والإساءة الشخصية، والاتهام بـ«الإسلاموفوبيا» و«الكيزانوفوبيا» و«الكراهيفوبيا».
وبالتأكيد سأتجاوز الجانب الشخصي، فما يعنيني هنا هو توضيح رأيي على نحوٍ يعكس الحرص على موضوع المقال، بوصفه قراءةً في الماضي بهدف مواجهة المستقبل، والبحث عن مخرجٍ آمن من أزمتنا.
ومن الضروري القول أن هذه المقالات لا تهدف إلى محاكمة أفعال أو آراء مغايرة، في فهمي، انطلقت من تقديرات سياسية خاطئة، بل تسعى إلى فتح مساحة للتفكير والتأمل، وإلى حوارٍ لا مفرّ منه إلا إليه.
إن جوهر الإشكال في تضارب التعليقات يعود إلى الانطباعية وغياب التريث في القراءة والفهم. والدليل على ذلك أن من يصفون هذا الطرح بـ«الرومانسية» ما زالوا ينطلقون من افتراضٍ مفاده أن نجاح التفكيك لا يتحقق إلا بالفعل الثوري بعيدًا عن الدستور والقانون. دون الوقوف عند حقيقة أن الفعل الثوري قد تم تحويله إلى نصوص ملزمة داخل الوثيقة الدستورية.
فالوثيقة الحاكمة للفترة الانتقالية لا تقتصر على كونها إطارًا دستوريًا ينظم شكل الدولة وسلطاتها والعلاقات بين أجهزتها فحسب، بل تضمّنت كذلك نصوصًا ملزمة ذات طبيعة ثورية صريحة. فهي تنص على محاسبة منسوبي النظام البائد عن جرائمهم، وتفكيك بنية التمكين، وإصلاح أجهزة ومؤسسات الدولة، وإعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية، ونصّت على المفوضيات كآليات لتنفيذ المهام… إلخ. ولذلك يمكن تسميتها، بلغة د. عبد الله، بالوثيقة الدستورية الهجين.
فيبقى التمسك بحسن تطبيق هذه النصوص لا يعني المحافظة على مصداقية شعارات الثورة فحسب، بل يحقق أهدافها ويحمي فعلها من الاندفاع العاطفي، ويحوّله إلى مسارٍ مقنّنٍ ومستدام، قادر على تفكيك التمكين فعليًا ومنع إعادة إنتاجه بأدوات جديدة، مهما تغيّر الفاعلون.
ثم إن الداعين إلى تجاوز الدستور والقانون في عملية التفكيك يغيب عنهم حقيقة أن التوقيع على الوثيقة الدستورية يعني انتقال الثورة من طور الفعل الحراكي إلى طور العمل السياسي والمؤسسي. بالتالي، الواقع لم يكن يسمح للثورة بأن «تستأسد» في عملية التفكيك، في وقت كان المراد تفكيكهم لا يزالون يسيطرون على مفاصل الدولة المدنية والعسكرية والأمنية.
يضاف إلى ذلك أن المكوّن العسكري أصبح جزءًا من السلطة الانتقالية، مما جعل ميزان القوة مختلًّا بطبيعته. وأصبح التفكيك والمحاسبة يمسّان حتى هذا المكوّن، ما يجعل أي محاولة للتعامل معه بالفعل الثوري مغامرة تنقلب سريعًا على الثورة نفسها، وهذا ما حدث بالفعل. ومن هنا، يبدو مستغربًا الإصرار على اعتبار التمسك بالعدالة مجرد ترف نظري أو مثالية رومانسية.
حاشية:
إن توصيف حقيقة التمكين المطلوب إزالته بـ«فوبيا الكراهية» يدلّ على عدم التريث في فهم المقال، أو قراءته خارج سياقه. فالمقال لا ينشغل بنقد تجربة الإسلاميين، وإن كان نقدها حقًّا مشروعًا لما شابها من إخفاقات جسيمة، ولا يُعدّ نقدها موقفًا معاديًا للإسلام، وإنما يركز على البحث في كيفية الخروج من الأزمة التي نعيشها، وفي هذا الإطار جاء الحديث عن التمكين والوسيلة الآمنة للتخلّص منه بوصفه واقعًا لا يمكن إنكاره.
أخيرًا، أقول مذكّرًا لا ناصحًا ولا ناقدًا، إن خطورة اللحظة الراهنة تفرض علينا جميعًا تجاوز مشاعر الكراهية والحدة في الخطاب، والابتعاد عن التمسك بالانتصار في المعارك الكلامية التي تعمّق الأزمة. نحن بحاجة إلى قدرٍ كبير من التعقل والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة تهيئ مناخًا جادًا للحوار الوطني، والابتعاد عن التطرف والتمترس خلف الشعارات الدينية أو الأيديولوجية التي تعمّق الانقسام وتهدد الدولة في وجودها.
نواصل،،،
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم