تخيل كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني .. بقلم: د. عزت ميرغني طه
15 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
34 زيارة
(1/2)
انها كلمات شاعرنا الراحل اسماعيل حسن و يغنيها بكل تجرد فنانونا … تأملت في كلماتها التي خرجت صادقة من الفنان والتي تفهم منها أنه لا يمكن أن يبدل جنسيته ولا حتى يجعلها مزدوجة… فتأملت ما الذي يجعله واثقا لذلك الحد … عموما لم أجرب أن أكون “ما سوداني” و لكن ما أراه وأسمع عنه كل يوم أرى أنها تجربة ولابد ناجحة… فالذي يدفع “دم قلبو” في محاولات متصله لكي يفوز باللوتري ويصير أمريكيا لا بد أن هناك فائدة سوف يجنيها من وراء ذلك وسوف يكون في مخيلته المواطن الأمريكي الذي يدافع عنه رئيسه في أي مكان وزمان محققا قول الخليفة “لو أن بغلة عترت في العراق لكان مسئولا عنها” و سوف يدخل و يخرج من الدول “زي السلام عليكم” حسبه أن “يجدع” الباسبورت في كاونتر الجوازات في أي نقطة وصول وفي أي مطار فيتلقفه الضابط ويختمه دون قيد أو شرط
ويتخيل أنه سوف يتزوج بواحده تشبه ما يراهم في الأفلام وويهديها وردة في عيد ميلادها دون أن “تشنف” تلك الهدية قائلة… “و سوق الدهب دا انت عميان منه” ويتخيل منظره وقد صار أبا لأبناء وبنات ولكل غرفتة يمر عليهم بالليل … “تصبح على خير بيبي سويت دريمز” والعجب عندما يأتي الى السودان يذهب الى جهاز تسجيل الأجانب لأكمال اجراءات اقامته في السودان.
تخيلت بمن يدفع نفسه للتهلكة و يضعها بين نيران العدو الاسرائيلي وجدار العبور الى اسرائيل ليحظى بالعيش فيها … لا بد و أنه قد سمع ان اسرائيل برغم عمايلها تتمتع بأقوى وأحسن نظام ديمقراطي في العالم … يسائل المسئولين لتجاوزاتهم وبكل شفافية ويبلغ معدل الصرف على البحوث اضعاف ما يصرف في بقية الدول… تسائلت بمن يركب في قارب متهالك غير مضمون ليمخر به عباب البحر ليصير الى شواطئ ايطاليا .. وغيرها من التجارب عمرة وزوغة وان كانت غير مضمونة العواقب فلا شغلا سيجد ولا تابعية…. وهكذا تفرق السودانين في كل الاتجاهات .. فقد حكى لي صديق أنه سمع صوت الكابلي يتردد من كوخ في شاطئ في مكان هو نفسه لم يصدق أنه بلحمه وشحمة قد يصله لولا ناس الأمم المتحدة، جزاهم الله خير واجتماعاتهم الغريبة التي لا يختارون أمكنتها اعتباطا … فحسب المجمتعين أن يناقشوا مشكلة التصحر في العالم على أنغام موسيقى هادئة وسط رائحة “الباربكيو” و كؤوس الشامبانيا في أجمل بقاع العالم …
تذكرت حكاوى ابن عمي الأمريكي كيف أن موجة من “البوس” سرت وسط المرّحلين من الكويت وسط استعار الخلافات واجتياح العراق لها لأطفالهم زوي الجنسية الأمريكية فانهم كانوا أسباب سعادتهم الحقيقية فقد ولدوهم أثناء ابتعاثهم لتلك الدولة ولم يرجعوا للسودان كحال كثير من المبعوثين وتلقفتهم الكويت برواتبها العالية فلم يتوانى الأمريكان من اجلائهم من ذلك السعير الا “وعشان خاطر أولادهم”… فلقد تولوهم بالرعاية فرّكبوهم أحسن السيارات الى الأردن وأحسن الطائرات الى “الاستيتس” وأسكنوهم في أحسن الفنادق ريث توفيق أواضعهم مع “غمتة” كبيرة في المطار لا يزالوا يشعرون بحرارتها رغم انقضاء هذه الأعوام الكثيرة …
تذكرت قديما عندما كان المستعمر الإنجليزي في بلاد العرب والعجم والسند والهند يلجأ إلي نفي فرد أو اثنين من زعماء أو أقطاب معارضي سياساتهم الاستعمارية، وكانت الدنيا تقوم ولا تقعد حتى يعاد المبعد إلي بلاده معززا مكرما…. وتذكرت من هؤلاء “سعد زغلول” من مصر، الزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد والشاعر معروف الرصافي من العراق وغيرهم…. ليسو كثيرين كما جرى لاحقا في عهد حكومات الانقلابات الوطنية والقومية التقدمية؛ حيث لم يعد المعارض لحكومات “الثورة المستمرة” ينفى إلي زنجبار أو إلي جزر “الواق الواق” بل إلي حتفه و لكن ليس قبل أن يفقد كثيرا من وزنه و شيئا لا يستهان به من كرامته، و قدرا من أعضائة التي أكرمه الله تعالى بها…
تذكرت المحظوظين من نجو فقد كانوا أفرادا خلال الستينات زادت همتهم خلال الثمانينات والتسعينات فكثروا وصاروا يعدون بالمئات والألوف لأن الحكومات “التقدمية” تؤمن بالتطور عليه فان عدد المنفيين تطور أيضا فصاروا يعدوا بالملايين، المضحك المبكي في الموضوع هو أن الملاذ الآمن الذي لجأت إليه كل هذه الأعداد الهائلة هربا من شراسة حكوماتهم واستهتارها بالقيم… هو بلاد مستعمر الأمس.
ففي بريطانيا وحدها الملايين من الدول العربية الذين زاحموا الانجليز في بلدهم ونهلوا العلم معهم ومنهم من أدار تجارة رابحة ومنهم من ينتظر ولم تقصر حكومات المستعمر من منح الجاليات الاسلامية دورا للعبادة فزادت همة المسلمين وبنوا مسجدا تلو مسجد وصارت أعداد المسلمين في ازدياد من المهاجرين وحتى من المستوطنين وازدادت مدارس الجاليات العربية وان لم تكن مقنعة للكل …خاصة الأطفال منهم اذ يرونها كأنها فصلا من المجتمع الجديد الذي اعتادوا عليه وبها الكثير من الجرعات الدينية على حساب ما استجد من علم في رصيفاتها من المدارس الأخرى كما ان مدارس الجاليات اقتصرت على التمهيدي من الدارسات فلم تواكب فالطبيعي ان واصل الطلاب في مدارس كل دولة و تمازجوا مع المجتمع وصاروا يقضون فيها وقتا أكثر من منازلهم فكان الاستلاب… ولكن نحمد للتواصل في العلاقات بين السودانين حتى صارت هناك أحياء للدناقله في واشطن و شوارع للسودانين في لندن ….
نعم ان لكل هؤلاء أطفالا كبروا ووعوا على حضارة مختلفة فهل يا ترى من يسمع منهم كلمات تلك الاغنية سيتحسر مثلي على الحال الذى صرنا اليه وسودان العزة الذي كاد أن يصير تاريخا أم أن ذلك بالنسبة اليه غير مهما…. فهو لايحفظ ذكريات عن السودان مثلي.
هناك أيضا من الأطفال و الطلاب من عاشوا وما زالوا يعيشون في السودان في ظروف لم تماثل ما عايشناه نحن كطلاب فعانى الكثير من تدني في التدريس ومعيناته ولم يجد المتخرجين حديثا من يأخذ بيدهم ويعطيهم الوظائف ومناخا ودخلا يحقق لهم ما حلموا به منذ نعومة أطفالهم وفي ظل العولمة وفقدان الأمل هنا يكون دائما التفكير في “يا ربي كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني” من منظورهم هم و ليس اسماعيل حسن.
فمنذ نعومة أظفارنا ونحن نحفظ ونردد في مدارسنا كل أناشيد الوطن من .. نحن جند الله جند الوطن… بلادي بلادي .. الى غيرها من الأناشيد والأهازيج التي تتغنى وتمجد الوطن ونردده مع كل معلم ً .. كانت علاقتنا بالوطن في طفولتنا نشيد وأهازيج نبادله حبا بحب وأستمر الحال وما زالت تلك الأناشيد وان زادوا عليها قليلا من أهازيج هذا الزمن التي لونها الحكام بالدين والجهاد تعبيرا عن مرحلة جديدة ما زلنا نعايشها مع أن الزمن تغير ووضعت الحرب أوزارها. الا أننا نفتقر الى جدية و اخلاص اولي الأمر في الدولة و تبنى سياسة تقرب المواطنين اليهم و تجعل من يغترب و يهاجر أن يرنو الى الوطن بحب و تقدير.
لم يطرح المخلصون اليوم في إعلامنا كيف نعزر الانتماء لدى المواطن ؟ كيف يتحول الوطن إلى قصة حب؟ ما حق المواطن على وطنه ؟ لماذا يجحد الوطن أبنائه ؟ أسئلة كثيرة لا مجيب لها !! في ظل ضجيج إعلامي محموم يضم عشرات التهم المعلبة والجاهزة في حق حاقد .. ناقم …. ثورة مضادة .. طابور خامس .. تكفيري
تخيل كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني (2/2)
حكى لي سوداني مقيم بالخارج بأن ابنه ذو الثمان عشر ربيعا بات يسبب له العصبي في المنزل، ترفع أمه صوتها عليه أو نحاول تقريعه الا وهددنا ب 911 التي وأن اتصل بهم لحضروا على عجل ويتم تخليصه من عائلتنا ويتربى مع أخرى تقدر حرياته واستمتاعه بها على الآخر…. كما حكى لي سوداني أيضا أن جاره الايراني في “الاستيتس” بات يشعر بمثل ذلك الضيق أيضا، فقد لاحظت معلمة ابنته أن هناك أثرا لضرب في ساقيها ولما استفسرت من البنت عرفت أن أخاها حاول تأديبها بالأمس لسلوك يعتبرونه عادي …فقرورا في المدرسة استشارة الشئون الاجتماعية في البلدة واخطارهم بأن هذه العائلة لا يمكن أن تؤتمن على تربيتها فكان قرارهم نزع البنت وعهد تربيتها لعائلة أخرى تقدر حريتها و حقوقها أيضا.
فما كان من الايراني الا والمغادرة بليل وترك الجمل بما حمل والى بلدهم “راس” ولم يكن حال السوداني أبو الولد مختلفا حيث أقنعوا الابن بزيارة للوطن الأم ليتعرف على أهله ويرى الخرطوم الجميلة وجناين الموز في كسلا الوريفة… وفعلوا الا أن الأم لم تستطع أن تكتم غيظها طويلا ففي قاعة الانتظار في بلدا عربي استعدادا لركوب الطائرة الى الخرطوم وعلى أثر مشادة بينها وبين الولد، أخرجت جزمتها وصارت تضرب فيه وسط دهشة الجميع … وتصيح بأعلى صوتها أها نادي لي 911 ..
وغيرها من القصص المضحكة والمبكية التي تؤمن على أن الاستلاب الفكري الذي مورس على أطفالهم لم يستطيعوا من مقاومته فهم أي الآباء والأمهات لهم من الذكريات والقيم الكثير التي تستطيع العبور بهم والعيش في تلك المجتمعات الغربية دون أن تؤثر عليهم كثيرا و لكن هل يستطيع أطفالهم من اعتماد تلك المقاومة فهم غير مسلحين بالذكريات والقيم والبيت السوداني والأقران السودانين وطريقة تفكيرهم وتعاملهم لذا يسقطون في أول تجربة.
فالذي تربى دون أن يرى وطنه في حياته ليس من السهولة نحت اي ذكريات لديه فهو قد تزامل في روضة مع مواطني تلك البلدة و تقوم على رعايته معلمة من ذات البلد تزرع في وجدانه قيم وموروثات تلك البلد… ويحفظ شوارعها و”و مولات التسوق فيها” أكثر من ذكريات والده عن سوق الموردة والملجة فهو لا يستطيع تصورها مهما تم وصفها له فهو لم يشتر الملوص والعجور بالشطة في احتفال مولد النبي الكريم و لم ير المتصوفين يتمايلون بذكر ذلك النبي و لم يتذوق حلاوة المولد.
مر الزمن ولم ينتبه الكثير من المهاجرين والمتغربين من السودانين وتسللت الأيام و السنون منهم وأضحوا بأسرهم وسط تلك المجتمعات الحديثة ذات الايقاع السريع ففي سبيل اندماجهم في تلك المجتمعات قضوا وقتا كبيرا جدا وعندما انتبهوا وجدوا انهم وسط عائلة لم يتشرب أبنائهم بحب بلدهم وصاروا يحكون في كل مناسبة عن ذلك الحال وعدم رغبة أبنائهم في الذهاب الى السودان فليس لديهم أصدقاء هناك وبالنسبة لهم أن السودان يماثل مجاهل أفريقيا أو أسرار القطب الجنوبي التي لم تكتشف بعد وأكثر ما يقلق الأبناء هو الخوف من المجهول وهذا ليس ذنب الأبناء وحدهم فأسرهم مشتركة في ذلك لأن هذا الخوف هو وليد ظروف ليس له فيها يد كونه تربى وترعرع في حياة الدعة والرفاهية بين والديه في بلاد الغربة….
فيا ناس هووووووي يا الخليتو بلدنا الرحبة السمحة قدر خرم الأبرة كدا كويس….!!!!
izattaha@yahoo.com
/////////