تدمير مبنى برلمان الاستقلال: شاهد على جهل النخب السياسية السودانية بقيمة التاريخ

أحمد إبراهيم أبوشوك

أثار مقال الأستاذ عثمان ميرغني عن تدمير مبنى البرلمان القديم في الخرطوم قضيةً تتجاوز حدود الأسف على مبنى أُزيل أو قاعة أُعيد تشكيلها؛ فالمسألة في حقيقتها تعكس أزمة عميقة في وعي النخب السياسية السودانية بقيمة التاريخ وآثاره الوطنية. إن مبنى البرلمان القديم (أو مبنى الجمعية التأسيسية) لم يكن مجرد بناء إداري، بل كان أحد أهم معالم الذاكرة السياسية في السودان الحديث. ففي تلك القاعة أعلن البرلمان السوداني في 19 ديسمبر 1955 استقلال البلاد، ومن على منصتها تحدث قادة الحركة الوطنية، كما شهدت لاحقًا اجتماعات مؤتمر القمة العربي عام 1967، الذي خرج بقرارات “اللاءات الثلاث”، وبمصالحة تاريخية بين الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والرئيس جمال عبد الناصر، إضافة إلى تسوية مشكلة اليمن. ومع كل ذلك جرى التعامل مع هذا الموقع التاريخي وكأنه مبنى عادي يمكن إزالته أو إعادة تشكيله دون اكتراث بقيمته الرمزية. وفي هذا السياق يقول عثمان ميرغني (2018): “أخذتُ معي مصوّرَين بكاميرات فيديو حديثة، وذهبت أبحث عن أطلال مقر البرلمان القديم. لم أجد القاعة التاريخية التي حكيت لكم عنها، ولا مقاعدها التي تشبه تمامًا مقاعد البرلمان الإنجليزي في لندن.” وفي حقيقة الأمر أن القاعة قد حُوِّلت إلى قاعة اجتماعات للمجلس التشريعي لولاية الخرطوم. وأبدلوا شكلها الداخلي بقاعة بائسة، حسب قول عثمان ميرغني، “أشبه بصالة أفراح فقيرة في قرية صغيرة.” وبالعفوية نفسها أزيلت المقاعد الأصلية للقاعة العتيقة، وضاعت المنصة التي شهدت لحظة إعلان الاستقلال، وأُتلفت الصور والوثائق التي كانت توثق لمرحلة كاملة من تاريخ الدولة السودانية. والأسوأ من ذلك أن هذه الجريمة لم تكن نتيجة حرب أو كارثة طبيعية، بل حدثت في ظل حكومات متعاقبة، يفترض أنها تمثل الدولة وتحرس ذاكرتها.

من المسؤول عن تدمير إرث التاريخ؟
لا تقع مسؤولية تدمير الشواهد التاريخية على عاتق نظام سياسي بعينه، بل مسؤولية مشتركة للحكومات التي تعاقبت على حكم السودان منذ الاستقلال في الأول من يناير 1956. فمثلاً، تمثال الجنرال البريطاني تشارلس جورج غردون (1833–1885)، الذي وضعه البريطانيون في الخرطوم عام 1904 عند تقاطع شارع الملكة فكتوريا (شارع القصر لاحقًا) مع شارع الجنرال غردون (شارع الجامعة لاحقًا)، رُحِّل إلى بريطانيا عام 1959؛ لأن دعاة الحركة الوطنية تضجّروا من وجوده في قلب العاصمة، وعدّوه رمزًا للعهد الاستعماري. دون أن يفكروا في توظيفه لخدمة الوعي التاريخي السوداني. فحين يقف تلميذ أمام التمثال ويسأل أستاذه: من صاحب هذا التمثال؟ فيجبه الأستاذ قائلاً: إنه الجنرال غردون، الذي ظن أن مجده العسكري السابق في الصين سيُمكِّنه من إخماد الثورة المهدية، لكن محاولاته باءت بالفشل عندما استطاع أنصار المهدي تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885، وهكذا يتحول التمثال من رمز استعماري إلى شاهد تعليمي على لحظة انتصار سودانية. لكن حكامنا الوطنيين لم يمتلكوا الحس التاريخي الذي تحلى به الزعيم الهندي جواهر لال نهرو (1889–1964)، أول رئيس وزراء للهند المستقلة، حين اعتبر آثار العهد الاستعماري البريطاني جزءًا من تاريخ الهند. وفي هذا السياق يقول الأديب الطيب صالح إن تمثال اللورد كلايف في دلهي ظل قائمًا في مكانه، تهب عليه الرياح وتجلس الطيور على رأسه، في صورة رمزية لزوال الهيمنة الاستعمارية وبقاء التاريخ شاهدًا عليها.

الإهمال المؤسسي للذاكرة الوطنية
إن تدمير مبنى البرلمان القديم حادث آخر من حوادث الجهل بالتاريخ وآثاره. فقد تُرك المبنى دون رؤية واضحة للحفاظ عليه بعد أن شيّد الرئيس جعفر نميري (1969–1985) مقرًا جديدًا لمجلس الشعب القومي على النيل الأبيض. ومنذ تلك اللحظة بدأ مسار الإهمال. ثم جاءت الحكومات المتعاقبة- في عهد الانتفاضة والديمقراطية الثالثة، ثم في عهد الإنقاذ – فلم تفعل شيئًا لحماية هذا الموقع أو تحويله إلى متحف وطني للحياة البرلمانية.
وقد ازداد شعوري بالدهشة عندما زرت مدينة باندونغ الإندونيسية في أغسطس 2024، حيث وجدت المكان الذي انعقد فيه مؤتمر آسيا وأفريقيا عام 1955 قد تحول إلى متحف تاريخي كامل باسم “متحف مؤتمر آسيا وأفريقيا”. فقد حُفظت القاعة الرئيسة وقاعاتها الملحقة، وعُرضت فيها صور ووثائق المؤتمر وتسجيلاته الصوتية، إضافة إلى مكتبة أرشيفية لوثائقه. وفي بهو المتحف منصة تعرض تماثيل شمعية لزعماء الدول المنظمة للمؤتمر، وخلفها أعلام الدول التي اشتركت فيه. عند تلك اللحظة أدركت بوضوح الفرق بين الرؤية الاستراتيجية التي تحترم الذاكرة الوطنية، وبين قصر النظر الذي حكم تعامل النخب السياسية السودانية مع تاريخ بلادها. وتساءلت في حيرة: أين وثائق مؤتمر القمة العربية في الخرطوم عام 1967؟ وأين القاعات التي شهدت تلك اللحظة التاريخية؟

الخلل البنيوي في الثقافة السياسية السودانية
إن مقال الأستاذ عثمان ميرغني يعكس خللًا بنيويًا في الثقافة السياسية السودانية؛ إذ ينشغل الساسة بالصراع على السلطة، بينما يفتقرون إلى الحد الأدنى من الوعي بقيمة التاريخ ورموزه. ففي الدول التي تحترم تاريخها تتحول مواقع الذاكرة الوطنية إلى معالم محفوظة بعناية. أما في السودان فقد جرى التفريط في كثير من المعالم التاريخية تحت ضغط الحسابات السياسية الضيقة. فقاعة البرلمان التاريخية تحولت إلى مقر للمجلس التشريعي الولائي، وحديقة الحيوان في الخرطوم أزيلت ليقام مكانها فندق تجاري (برج الفاتح/كورنثيا). وهذه الممارسات ليست مجرد أخطاء إدارية، بل تعكس غياب رؤية ثقافية لدى النخب الحاكمة. فالدولة التي لا تحافظ على رموزها التاريخية تفقد جزءًا من ذاكرتها الوطنية، وتضعف قدرتها على بناء هوية مشتركة بين مواطنيها، والحرب الدائرة الآن في السودان أحد الشواهد الدالة على ذلك.

غياب التخطيط وقصر الرؤية الاستراتيجية
كنت أتمنى أن يتحول مبنى البرلمان القديم إلى متحف وطني للحياة البرلمانية السودانية، يحتفظ بوثائق الاستقلال وصور قادة الحركة الوطنية، ويعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ مؤسساتها السياسية. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: ضاع المكان وضاعت مقتنياته، وكأن السودان لا يملك تاريخًا يستحق الحفظ. إن تدمير مبنى البرلمان القديم، يا سادتي، ليس حادثة عابرة، بل مرآة تعكس أزمة عميقة في علاقة الدولة السودانية بتاريخها. وما لم تدرك النخب السياسية أن حفظ التراث الوطني جزء أصيل من مسؤولية الدولة، فإن ضياع الذاكرة سيستمر، وسنظل نكتشف -مع مرور الزمن- أننا قد فقدنا شاهدًا جديدًا من شواهد تاريخنا، ونعضُّ على أصابع الندم بعد فوات الأوان.

ahmedabushouk62@hotmail.com

عن أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

شاهد أيضاً

أولاد قمري في دنقلا: من المولاة إلى التمرد .. ما الدروس المستفادة؟

أحمد إبراهيم أبوشوك توطئةاسترعى انتباهي الاهتمام الواسع من قِبل الإعلام المحلي والإقليمي والدولي بتمرد “أولاد …