تراتيل الحنين … حين تُصبح الأغنية جسراً لضفةٍ لا تُطال

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

بين شهيق الحنين وزفير الذكرى ينمو في الوجدان فضاءٌ مسكونٌ بملامح غائبة ووجوهٍ استوطنت الروح ثم آثرت الرحيل خلف أفقٍ لا يرتد منه الصدى هناك وفي تلك العزلة المقدسة يجد المحب نفسه مُحاصراً بفيضٍ من المشاعر التي لا يسعها النثر ولا تفي بوزنها الكلمات العابرة فيرتدّ إلى محراب الفن متمتماً بقلبٍ يملؤه الوجد “وارسِّل ليها غنْوَة شوق.. اقيف مرات بنادِيهَا”.

فلسفة النداء في غياب المُجيب
إن الوقوف في حضرة الشوق ليس مجرد حالة عاطفية بل هو طقسٌ من طقوس الوجود. عندما يقول العاشق “أقيف مرات بناديها” فهو لا يمارس فعلاً فيزيائياً فحسب بل هو وقوفُ الروح على أطلال اللحظة الجميلة و محاولةً استحضار الطيف الذي سكن المسامات هو نداءٌ يتجاوز حدود الصوت ليصبح استغاثةً بالجمال ضد قبح المسافات وبحثاً عن ملامح تلاشت في زحام الأيام لكنها ظلت محفورةً في سويداء القلب.

هذا النداء هو “الوقوف” الذي يعطل زمن العالم ليُفرد مساحةً لزمن الحب؛ فالعالم يهرع من حولنا بينما المحب يقف ثابتاً يحدق في فراغٍ ممتلئ بصورتها وينادي اسماً صار هو صلاته وورده اليومي.
الأغنية.. بريدٌ من نور
لماذا نرسل “غنوة شوق”؟ لأن اللغة العادية تتقزم أمام جبروت الفقد فالأغنية ليست مجرد ألحان بل هي “تميمة” نلقيها في يمّ الغياب لعلها تصل إلى الضفة الأخرى. هي اعترافٌ صريح بأن ما في الصدر أكبر من أن يُحكى وأعمق من أن يُفسّر.

إن “غنوة الشوق” هي جسرٌ حريري يمتد من حنجرةٍ موجوعة إلى أذنٍ بعيدة تحمل بين طيات أنغامها رائحة الذكريات ودفء الأيدي التي تلاشت وبريق العيون التي كانت يوماً هي الدليل والمنارة. هي محاولةٌ لترميم ما انكسر وقول “أنا هنا” في وقتٍ يبدو فيه كل شيء قد رحل.

الحنين بوصفه حياة
في لغة الشوق العميقة يصبح الانتظار هو قمة الحضور نحن لا ننادي الغائبين لأننا نسيناهم بل لأننا نعيش بهم ولهم. “بناديها” هي فعل مضارع مستمر لا يعرف الانتهاء يعبر عن إرادة الحب في البقاء حياً رغم فواجع الغياب و هي القوة التي تجعلنا نبتسم وسط الدموع ونغني وسط الصمت ونقف بشموخٍ في وجه ريح النسيان.

إن الحب الحقيقي لا يشيخ بمرور الوقت بل يتعتّق كخمرٍ قديمة في خوابي الروح وكل أغنية نرسلها وكل نداء نطلقه في ليل الحنين،هو تأكيدٌ على أن من نحبهم لا يغادروننا أبداً؛ إنهم يسكنون في نبرة الصوت وفي رعشة الوتر وفي ذلك الوقوف المهيب الذي لا يعرف الانكسار.

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

قيدُ الوفاء … في غيابةِ الشوقِ وأنتِ الأمل

محمد صالح محمدثمةَ أرواحٍ لا تختارُ مَن تُحب بل تسقطُ في الحب كما يسقطُ المطرُ …