بقلم عمر العمر
معضلة ترامب ليست حصرًا في شخصيته المفتقرة إلى الحكمة والنفاذ السياسي .بل مما يزيد الصورة تشوهًا ضعفُ طاقمه الاداري .حتى مقارنة شاغلي المناصب الأعلى في ولايتيه الرئاسيتين تمنح السابقة أفضلية على الحالية.بين مساعدي الرئيس رجالُ مال وأعمال وأثرياء لكن ليس منهم رجلَ دولة بالمعايير السياسية. على غير المألوف ألغى ترامب استقلالية منصب مستشار الأمن القومي . غالبيةُ شاغليه أكاديميون ، مفكرون وساسة منظِّرون ساهمو في صنع أحداث كبرى . ترامب رئيس الديمقراطية الكبرى مهوسٌ باحتكار الدولة. هو يمنح زوج ابنته ، دوراً نافذا خارج توصيف الإدارة . فمنصب كوشنير هو (صهر الرئيس)! طاقم ترامب يغيب عنه رجل بعقلية هنري كيسنغر ، زبيغنيو بريجنسكي ،حصافة جورج بوش ،ديك شيني ، براعة وليام روجرز ، جيمس بيكر، دوناد رامسفيلد وسيدة من طراز مادلين أولبرايت و كونداليزا رايس . أفضل خبرات رجال ترامب مستمدة من مقاعد الكونغرس. ما على أحدٍ بينهم ما يوحي بالحنكة ، الفطنة أو الكاريزما . كلهم قانعون بالبقاء وراء الرئيس وخلف كابينة القيادة ،مستسلمين لمزاجية الرئيس كيفما فعل ،و إن أقحم أميركا حربا خاسرة.
هذا الاختلال في طاقم الادارة جعل السياسة الدولية برمتها في مهب هوائية ترامب . وحده يقرر كيف يجعل (أميركا أولاً ) . واشنطن لم تفتقر إلى مرجعية استراتيجية متكاملة .بل فقدت البوصلة إذ لم تعد قادرة على تحديد الخصوم و اختيار الأدوات الملائمة للتعامل معهم . أبعد من ذلك ارتباكًا لم تعجز واشنطن عن بناء تحالفات جديدة ، بل تفشل في الحفاظ على ثقة القدامى . رغم انتقاداته للادارات السابقة في ما أسماه هدر موارد أميركا في حروب شرق أوسطية طويلة فإنه ورّطها في حربين أهدر فيهما غالياً من أرصدتها . ترامب دمّر صورة أميركا زعيمةً للعالم الليبرالي . حصيلة حروبه الاقتصادية تتسق تماما مع نتائج حروبه العسكرية. خسائر فادحة على الجبهتين بلا انتصار باهر على أيٍ منهما . في الحربين لم تأت( أميركا أولاً ) . في غياب العقلية السياسية النافذة يقتحم ترامب الحرب بلا خطة تُرتّب غاياتها ،ترسم كيفية إدارة مراحلها وصولًا إلى إنهائها .
الرئيس الأميركي الأربعون رونالد ريغان مذيع رياضي متواضع وممثل سينمائي لم يبرق نجما . لكنه حقق انجازات إبان وجوده داخل البيت الأبيض.حتى قيل عنه أنه أفضل ساكنيه .حسب التصنيفات يشغل ريغان المرتبة التاسعة في قائمة افضل رؤساء أميركا . للمثل السينمائي مقولة جديرة بالتأمل ؛(الرئيس الناجح ليس من يملك قدرات النجاح .بل من يحيط نفسه برجال قادرين على صنع النجاح ) .لذلك اختار ريغان مهندسين بارعين في رسم السياسات؛ جورج بوش الأب بحصافته الدبلوماسيه والاستخباراتية لشغل منصب نائب الرئيس .و جوج شولتز ببراعته الاقتصادية الأكاديمية وزيرا للخارحية. إبان ولايتي ريغان انتعش الاقتصاد الأميركي و تم تدشين (حرب النجوم ) ، انهار الاتحاد السوفياتي وسقط حائط برلين .وانطفأت نيران الحرب الباردة.
حينما نستعرض ابرز رؤساء أميركا الكبار يصعب ايجاد مكانة لدونالد ترامب بينهم . أفضل مميزاته صعوده إلى الرئاسة دون خوضه معركة انتخابية لمنصب آخر . لعل هذا أحد عناصر إخفاقات ترامب في تشكيل ادارة تعتمد روح الفريق . فالرجل غير مصقول ديمقراطيًا .جورج واشنطن لم يكن فقط أول رئيس ،بل مؤسس التداول السلمي للسلطة. ابرهام لينكولن فاتح تحرير العبيد .ثيودور روزفلت أبرز أميركا قوى عالمية. فرانكلين روزفلت ،أطولهم بقاء في المنصب، قهر الكساد . جون كنيدي لم يكن فقط أصغر الرؤساء بل رائد عصر الفضاء. ريشارد نيكسون إطفائي حرب فيتنام والرئيس المستقيل الوحيد .دوايت ايزنهاور يشغل موقع آخر العظام الخمسة من شاغلي البيت الأبيض . ذلك شرف ساهم فيه وزير خارجيته جون فوستر دالاس. هو مهندس بناء تحالفات واشنطن إبان الحرب الباردة بما فيها (ناتو) ومنظمة جنوب شرق آسيا.
جيمي كارتر لم يكن رئيسًا عظيما غير أنه طبع ولايته بصبغة انسانية إذ استهل عهده بعفو عن المتهربين من حرب فيتنام . كما سوّق نفسه مدافعا عن حقوق الإنسان . هو عراب اتفاقات كامب ديفيد.على نقيض توجهات ترامب أعاد قناة بنما إلى أهلها . ذلك الرصيد ساهم فيه زبيغنيو بريجنسكي مستشاره للأمن القومي . الرجل البولوني الأصل عقلية استراتيجية ثقيلة رفعته مع هنري كيسنغر إلى منصة أفضل من صبغ المنصب الأميركي بتأثير سياسي نافذ على صعيد العالم بأسره . كلاهما مزج بين الرؤى النظرية والتطبيق العملي في رحاب الفكر السياسي . ربما من المناسب عند منحنى الأحداث الراهنة الإشارة إلى أن بريجنسكي هو من سك مبدأ كارتر المعروف بإلزام اميركا الدفاع عن دول الخليج .أهم من ذلك نظريته المختزلة في (قوس الأزمات)إذ لايزال هذا الحزام الشرق أوسطي يلتهب من حين إلى آخر دون أن يخمد . عديد من الخبراء السياسيين والاستراتيجيين يعتمدون على قوس بريجنسكي في تفسير أحداث المنطقة .
(فرصة ضائعة) يمثل أحد مؤلفات بريجنسكي المميزة.فيه وجه انتقادات قاسية إلى كل من جورج بوش الأب و الإبن وبينهما بيل كلينتون.الكتاب يحمّل الرؤساء الثلاثة خطايا اجهاض فرصة أميركا النادرة لقيادة العالم عقب نهاية الحرب الباردة . أكثر كن ذلك خذر بريجنسكي بوش الأبن من مغبة ما تفرزه حرب العراق من كراهية تجاه اميركا . ذلك النقد لا يقلل من قوة طاقم إدارة جروح بوش الأب.فبالإضافة إلى تجربته الشخصية السياسية المتنوعة برز على الصعيد الخارجي وجها جيمس بيكر ودنيس روس . لكليهما دأب وباع سيساسية في صناعة أحداث المنطقة بكاريزما جاذبة . خروج كلينتون الفاضح لم يفرغ قلوب الأميركيين من حبهم له . فهم نعموا إبان عهده باستقرار اقتصادي .كلينتون قدم للولايات المتحدة أول إمرأة في منصب وزير الخارجية ؛مادلين أولبرايت. ربما هي أكثر زملائها أسفارا-إيماءة لحيويتها- قبل خلافة ساندي بيرغر في منصب مستشار الأمن القومي . لبيرغر تأثير في تعزيز مكانة ادارة كلينتون على الصعيد الخارجي حسب اعتراف الرئيس نفسه.
ربما تشابه سياسات ترامب سابقه بوش الإبن إذ اتسم عهده بحروب مفتوحة تحت ما أسماه (الحرب على الإرهاب). تحت تلك مظلة انتشر الجنود الاميركيون بنيرانهم في العراق وافغانستان .كما كادت تطال الصين.مما يميز ادارة الابن اختيار رجل و أمرآة اسودين لمنصب وزارة الخارجية ؛كولين باول وكونداليزا رايس.الأول عسكري محترف والأخرى استاذة جامعية . هي مبتدعة مصطلح (الشرق الأوسط الجديد ) المثير للجدل .ربما يمايز بوش الابن أنه وحده من تعرض للضرب بالحذاء . من خلال هذا المسح العجول يتضح وهن إدارة ترامب. لا شيء يميز نائب الرئيس الحالي عن سابقيه سوى أنه أول ملتحيٍ في هذا المنصب و ما منحته لحيته بعدا كاريزميا . وزير الخارجية أطفأ وهج المنصب . مع ذلك أضاف إليه ترامب أعباء مستشار الأمن القومي. فوزه بمقعد نيابي طوال ثلاث دورات انتخابية يرتكز إلى امتياز كونه ابن مهاجرين كوبيين .ميامي حيث ظل يفوز تُعّرف بأنها عاصمة أميركا اللاتينية .وزير الدفاع مقدم برنامج تلفزيوني خسر من قبل الفوز بوزارة شؤون قدامى المحاربين نتيجة تقارير عن سوء السلوك .ترامب يريد طاقم قوامه (yesmen).لذلك تتحمل أميركا تداعيات سياسات (one man show).
تُرى أي نقد قاسٍ كان سيوجه ذلك زبغنيو بريجنسكي إلى ترامب ، فيما لو ظل حياً . فعندما تضع هذه الحرب مُسيَّراتِها وصواريخَها سيكتشف الأميركيون ما ألحق ترامب بهم من كلفة باهظة مقابل حرب غير مدروسة البدايات والغايات والنهايات . الكلفة الفادحة ليست أعباءاً مالية فقط ،بل فيها تقليل من قدرة واشنطن على القيادة وكثير من كُره الحلفاء في الشرق الأوسط ، أوروبا والعالم قاطبة . ترامب بدد أرصدة راكمها عدد من سابقيه على جبهات التحالفات الدائمة والمؤقتة . هذه الخسائر ستفرز حتمًا خارطة تحالفات جديدة سيعاد تشكيلها برؤى وخطوط مغايرة في شرق أوسط جديد .لكنه ليس ذلك الشرق كما حلمت به كونداليزا رايس أو كما يتوهمه بنيامين نتانياهو.
aloomar@gmail.com
نقلا عن العربي الجديد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم