taheromer86@yahoo.com
طاهر عمر
هذا العام هو تسجيل لمرور قرنيين و نصف على إستقلال أمريكا و ظهور الثورة الصناعية و فوق كل ذلك ظهور كتاب ثروة الأمم لادم إسمث عام 1776 و من حينها أصبحت مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية عرضة لتغيرات هايلة و تحولات عظيمة في المفاهيم. و من المفاهيم الجديدة بأن الإنسانية و لأول مرة في التاريخ يصبح تاريخها تاريخ واحد و مشترك للبشرية كافة لأنها قد أصبحت تحت ظلال الثورة الصناعية و دورها و ظلالها و تأثيرها في تفسير ظاهرة المجتمع البشري.
الملاحظ بأن التساوق للمجتمعات قد ظهر في ملاحظة توكفيل كفيلسوف و عالم إجتماع و إقتصادي بأن أمريكا قد حققت الديمقراطية و قيم الجمهورية و قد عجزت أوروبا القارة العجوز عن تحقيق ما حققته أمريكا من ديمقراطية بعد مرور ستة عقود على ظهور الثورة الصناعية و كانت كل محاولات توكفيل في كيفية أن تلحق أوروبا بأمريكا و تحقق الديمقراطية و قيم الجمهورية و ظهر كل ذلك في كتابه الديمقراطية الامريكية.
أدرك توكفيل بعد مرور ستة عقود على الثورة الصناعية أن صورة العالم القديم و مجتمعاته قد تلاشت و أن عالم جديد يتشكل و يتخلق ليولد من جديد على ضؤ فلسفة جديدة لم تعرفها المجتمعات القديمة المتلاشية.
لذلك لم يتهاون توكفيل في إنتصاره لأفكار الثورة الفرنسية و شعارها الحرية و المساواة و الأخاء رغم أن الثورة الفرنسية قد سحقت الطبقة التي ينتمي لها و قتلت أثنين من أسرته إلا أنه قد أدرك بأن العالم القديم قد تلاشى و لا يمكن إعادة إكتشافه من جديد.
لذلك لم يتوانى في نصر شعار الثورة الفرنسية و هي تسير في الطريق الذي حققت به أمريكا ديمقراطيتها و هي تطبق فلسفة جون لوك و فكره الليبرالي فيما يتعلق بالفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية و كان مبتغاه المساواة بين مجتمع من أفراد و كل فرد معادلاته السلوكية لا تحققها غير معادلة الحرية و العدالة. و بالتالي عند توكفيل قد أصبحت الديمقراطية و قيم الجمهورية بديلا للفكر الديني و عنده أن الدين لم يعد له دور بنيوي على صعد السياسة و الإقتصاد و الإجتماع بل أصبح الدين أفق الرجاء للفرد و علاقة بين العبد و ربه دون وساطة رجال الدين و كذلك تجار الدين.
توكفيل في سبيل أن تلحق فرنسا بمواكب الديمقراطية التي حققتها أمريكا كانت له معركة فكرية مع كاثوليك فرنسا و قالها لهم بأن الكاثوليك و بالكاثوليكية لا يمكنهم تحقيق تحول ديمقراطي في فرنسا و كان مدرك بأن الديمقراطية قد أصبحت بديلا للفكر الديني كما كان يقول من قبله جون لوك بأن لو كان هناك مطلق واحد يجب الإيمان به هو مبداء فصل الدين عن الدولة لأن أي منطلق من خطاب ديني لا يمكنه أن يتحدث عن التسامح على الإطلاق و على القارئ السوداني أن يقارن عدم تسامح الكيزان و خلو خطابهم الكيزاني من أي مسحة للتسامح ليتأكد من مقولة جون لوك بأن أي شخص منطلق من خطاب ديني لا يمكنه أن يتحدث عن التسامح و كل هذا و لمن يريد المزيد يمكنه قراءة كتاب جون لوك رسالة في التسامح.
في هذه الجزئية من المقال سوف أقارن بين توكفيل و قد إنتصر لشعار الثورة الفرنسية التي سحقت طبقته و قتلت اثنين من أفراد أسرته و بين الكيزان و عدم إستيعابهم للطمة الذل الأبدي الذي لطمتهم به ثورة ديسمبر المجيدة.
توكفيل أدرك بأن الثورة الفرنسية و شعارها الحرية و المساواة و الأخاء قد أصبح فاصل بين عالمين عالم قديم يتلاشى و لا يمكن ترميمه. و عالم يتخلق ليولد من جديد تحت التحولات الهايلة في المفاهيم بسبب الثورة الصناعية و لا يمكن لأحد الوقوف في وجه لأن توكفيل لم يكن أسير تربية حزبية كيزانية نتجت عنها سياجاتهم الدوغمائية و سباتهم الدوغمائي العميق بل كان توكفيل إقتصاديا و فيلسوفا و عالم إجتماع و مؤرخ لذلك لم يقف في وجه الثورة الفرنسية كما يقف الكيزان في وجه ثورة ديسمبر المجيدة شبيهة الثورات الكبرى و شعارها الجبار حرية سلام و عدالة و سوف تتجاوزهم كما تجاوزت الثورة الفرنسية كاثوليك فرنسا و أوهامهم في زمن توكفيل.
وعي توكفيل بالتحولات الهايلة في المفاهيم بسبب الثورة الصناعية جعله ينتصر لشعار الثورة الفرنسية و هذا الوعي الغائب عن أفق الكيزان يجعلهم يتوهمون بأن ما سحقته ثورة ديسمبر المجيدة سوف يعود و يعود معه حكم الكيزان و كأن شئ لم يكن.
و هنا يتساوى جهلة الكيزان مع من يزعمون أنهم مفكريين من الكيزان و كله سببه السياجات الدوغمائية التي هدهدت بها الحركة الإسلامية كيزانها و لم يعد فكرهم غير فكر رغبوي فكر أسير اللاهوت الجدلي الذي لا يقدم غير شخصية عدائية و عنيفة و حادة و مكابرة و مغالطة كما رأيناها في شخصية الكيزان الجاهل منهم و الزاعم بأنه مفكر في عدائهم لثورة ديسمبر و قد لطمتهم لطمة الذل الأبدي.
و هنا لا يفوتنا أن نوضح أيضا بأن فكر توكفيل أيضا كان متقدم على فكر ماركس عندما كان ماركس في فرنسا و مشكلة ماركس أنه بنى فكره على أطلال عالم قديم و قد تلاشت صوره و لم ينتبه ماركس بأن مجتمع ما بعد الثورة الفرنسية و ما بعد الثورة الصناعية لم يعد مجتمع صراع طبقي كما كان في المجتمع القديم الذي سبق الثورة الفرنسية لأن مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية كل فرد فيها أخلاقي و عقلاني.
لأن شعار الثورة الفرنسية الحرية و المساواة و الأخاء لم يعد بعده صراع لطبقات بل مسيرة حرية و عدالة و هذا ما فات على ماركس و لمن يريد المزيد فليقراء في فكر المفكريين الفرنسيين كيف طرد ماركس و كيف إنتصرت أفكار توكفيل في إنتصارها للديمقراطية و قيم الجمهورية و قد أصبحتا بديلا للفكر الديني بما فيه ماركسية ماركس كدين بشري لا يقبله إلا المثقف المنخدع بماركسية ماركس.
توكفيل عكس ماركس راى طردية العلاقة بين نمط الإنتاج الرأسمالي و الديمقراطية و منذ ذلك الزمن البعيد أي لم تمر الرأسمالية بأزمة إلا و قد خرجت منها أكثر قوة عكس الماركسية في علاقتها العكسية مع الديمقراطية. و الغريب أغلب النخب السودانية لم تر في الفكر الليبرالي إلا إنه فكر رميم و هذا بسبب أن أجواء الفكر في السودان قد سممها الشيوعي السوداني بحقنة السم المتجسدة في نسخته المتكلسة من الشيوعية السودانية.
و المضحك حتى أصدقاء الحزب الشيوعي السوداني ما زالت أفكارهم لم تتجاوز أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة في وقت تراجع فيه كل من ميشيل فوكو و جاك دريدا و جاك لاكان عن أفكار ما بعد الحداثة و هجومهم على عقل الأنوار إلا أن النخب السودانية ما زالت محصورة في أفق نهاية ستينيات القرن المنصرم و كله بسبب أدبيات الحزب الشيوعي السوداني بنسخته المتكلسة فما زال أصدقاء الحزب أسيري فكر سارتر كأكبر مدافع عن النظم الشمولية و ما زال كثر من النخب السودانية الفاشلة يكتبون عن فرانز فانون في وقت إنقضى فيه فكر سارتر و فرانز فانون و قد أصبحا أمام الرياح هباء.
من ملاحظاتي أن كساد الفكر في السودان سببه أن هناك غياب تام لأفكار الفلاسفة و علماء الإجتماع و الإقتصاديين و الأنثروبولوجيين في القرن الأخير و بالمناسبة منذ عام 1929 ظهور الكساد الإقتصادي العظيم أصبحت هناك فلسفة تاريخ حديثة و ليبرالية حديثة و بالتالي لا ينفع إنقطاع النخب السودانية في تفسيرهم لليبرالية التقليدية بفلسفة تاريخ تقليدية و هذا واحد من أسباب تبعيتهم لأحزاب المرشد و الإمام و الختم و حزب الأستاذ الشيوعي بنسخته المتكلسة من الشيوعية السودانية.
ففي القرن الأخير إنتهى زمن أي فكر يقوم على اليقينيات و الوثوقيات و الحتميات و لم يعد هناك موطئ قدم لماركس بحتميته و لا أوجست كونت و لا لأي رجل دين لأن زمننا زمن النيوكانطية التي لا تفسح أي مجال لفكر كفكر الصادق المهدي و هو أقرب لرجل الدين من السياسي و لا تتغير هذه الملاحظة مهما كانت أعداد المنبهريين بأفكاره.
نرجع لعنوان المقال لنختمه و هو ترامب و فنزويلا ترامب منذ إنتخابه الأول كانت كل المؤشرات تقول بأن ترامب سيتجه الى الحماية الإقتصادية لينهي بها حقبة النيوليبرالية كديناميكية إقتصادية أعقبت ديناميكية الكنزية. و الملاحظ أن ترامب في سبيل تطبيق الحماية الإقتصادية ضحى بتبعية الإقتصاد الأوروبي للإقتصاد الأمريكي منذ دخول أمريكا في الحرب العالمية الثانية بشرط تبعية الإقتصاد الاوروبي للإقتصاد الامريكي و قد كان و اليوم لم تعد ذات جدوى للإقتصاد الامريكي لأن هناك دول قد إرتفعت لمستوى إنتاج الدول الصناعية الاوروبية كالهند و الصين.
و بالتالي تغيرت كل الموازين القديمة و عليه لم يعد لأمريكا من سبيل للخروج من أزمتها بغير الحماية الإقتصادية لكي تعيد صناعات الوطنية للإنتاج و بما أن زمن الإستعمار قد ولى و لم يعد إستغلال موارد الشعوب كما كان زمن الإستعمار فليس من سبيل غير إزاحة رئيس فنزويلا و خلق نظام جديد في فنزويلا يسمح لأمريكا بإستقلال مواردها و خاصة البترول و كل هذا بسبب إرتفاع مستوى الصين و الهند لمستوى الدول الصناعية مستفيدة من التحولات التي سمحت بها الثورة الصناعية.
و لن تقف أمريكا في تغيير النظم المتخلفة كنظام فنزويلا بل ربما تمتد يدها لتقتلع عمامة الفقيه الولي في ايران و خلق نظام موالي لها بعد كسب ترامب في زيارته للسعودية و دول الخليج و تأكده من تدفق أموالهم للداخل الامريكي و ستوظفه أمريكا في الحماية الإقتصادية.
إتجاه أمريكا للحماية الإقتصادية سيجبر أوروبا للخروج من سياسات التقشف و السير نحو إعادة صناعاتها الوطنية و لهذا السبب سيشهد العالم إضطراب كبير و هو يتحول نحو الحماية الإقتصادية الناتجة من إرتفاع الصين و الهند لمستوى إنتاج الدول الصناعية الاوروبية.
و لهذا قلنا في بداية المقال أن لأول مرة في التاريخ و بعد الثورة الصناعية يصبح تاريخ البشرية تاريخ لكافة البشرية و ربما يستمر هذا الإضطراب و الحماية الإقتصادية لثلاثة عقود فهل ستفيق النخب السودانية الفاشلة من غيبوبة الحرب العبثية بين جيش كيزاني و صنيعته الدعم السريع لترى ما يجري في العالم في الثلاثة عقود القادمة؟
لذلك نقول من الأفضل للنخب السودانية بأن تدرك أن الثلاثة عقود القادمة ستكون مليئة بالإضطرابات بسبب أن دول عدة في طريقها لتطبيق الحماية الإقتصادية و لا سبيل لحماية مواردك الإقتصادية و وطنك بغير نظام ديمقراطي لا يسمح لأمثال ترامب بأن يختطف كما حصل في فنزويلا و ربما يكررها بقطف عمامة الفقيه الولي في ايران.
و هنا تكون وصيتنا الأخيرة للنخب السودانية في ختام هذا المقال نقول على النخب السودانية بأن تفك إرتباطها بتاريخ العالم العربي و الإسلامي التقليدي و تبداء مسارها الجديد بفهم أن تاريخ ما بعد الثورة الصناعية قد أصبح تاريخ لكل البشر و لا سبيل للخروج من نير الحضارة العربية الإسلامية التقليدية بغير قبولنا لتاريخ مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية فهو تراث إنساني أفضل من تراث الحضارة الإسلامية العربية التقليدية.
خاصة بعد إنتصار إسرائيل على حزب الله و تدميرها لحماس و هزيمتها لإيران و قد تأكد بعد هزيمة حماس و حزب الله و إيران بأن منطقة الشرق الاوسط الجديدة ستكون بلا خطاب للإسلاميين.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم