محمد صالح محمد
ثمة كلمات لا تمرّ على السمع مرور الكرام بل تستقرّ في الوجدان كوشمٍ قديم لا يمحوه الزمن ومن بين أروقة الذاكرة السودانية المثقلة بالجمال والتباريح تطلّ علينا عبارة “يا زولة”؛ لا كلفظٍ عابر بل كهمسةِ شوقٍ مسكونة بالشجن ونداءٍ خفيّ يحمل في طياته تفاصيل وطنٍ ووجهِ حبيبة.
لغة الشوق…حين تتحدثُ الروح
حين أهمس بعبارة “يا زولة”، فأنا لا أنادي أنثى فحسب بل أستنطقُ في داخلها تلك الألفة العميقة التي صهرتها شمس النيل وهي همسةٌ تخرجُ مبللةً بدمع الحنين ومرتشفةً من طعم القهوة “الجبنة” في ضحىً هادئ فهي اختزالٌ لكل المسافات التي تفصل بين قلبين واعترافٌ صامت بأن هذه “الزولة” هي المبتدأُ والخبر وهي السكنُ في زمن الغربة والشتات.
إيقاع الشجن في مرافئ الحنين …
تنساب هذه الهمسة في ليالي الشوق كأنها نايٌ حزين يعزفُ على أوتار الفقد فخلف كل “يا زولة” أقولها اشعر بمرارة الشوق هناك حكاية وداع لم تكتمل أو ذكرى بيتٍ قديم كان يفوح بعطر الصندل والياسمين.
الألفة “يا زولة” تعني أنكِ لستِ غريبة بل أنتِ جزءٌ من تكويني من طيني ومن ملامحي.
الغياب في المنفى تصبح هذه الهمسة هي الحبل السري الذي يربطنا بالأرض فكلما اشتدّ الوجع ناديت “يا زولة” لاستحضر رائحة المطر على تراب الوطن.
السكينة هي كلمة تمنح الأمان وسط ضجيج الحياة وكأنها مرفأ أخير ترسو عليه سفن المتعبين.
عودة إلى الذات …
إن الشوق الذي يسكن هذه الكلمة ليس مجرد عاطفة عابرة بل هو هوية و اعتزازٌ بالنفس السودانية التي تفيض نبلاً ورقة حتى في أصعب لحظات انكسارها. “يا زولة” هي القصيدة التي لم تُكتب بعد واللحن الذي ينسابُ في عروقنا كلما تذكرنا أن الحب في بلادنا يبدأ بصدق الكلمة وينتهي بخلود الوفاء.
“يا زولة… يا نبضاً يسافر في دمي ويا وطناً أسكنه ويسكنني لولا همسكِ في أذني لما عرف القلبُ للراحة سبيلاً.”
مراثي الحنين …
لم تعد الكلمة نداءً بل صارت نحيباً خفيّاً أناديكِ في الفراغ فترتدُّ إليّ بحّةُ صوتي مثقلةً بغبار الطرقات البعيدة”يا زولة” التي كانت يوماً ملاذاً صارت اليوم هي السكين التي تقلبُ مواجع الاغتراب وهي صرخةُ البيوت التي هُجرت والحدائق التي جفّ فيها النرجس والقلوب التي انقسمت نصفين نصفٌ معكِ ونصفٌ يذروه الريح.
في حضرة الفقد …
الوجع هو أن أنطق حروف اسمكِ المختصر في “زولة” فلا أسمعُ سوى صدى جدران الغرفة الصامتة.
الانكسار هو البحثُ عن ملامحكِ في وجوه الغرباء وعن رائحة “بخور التيمان” في هواءٍ لا يعرفُ معنى الدفء.
الخيبة هي أن نكتشف أن “يا زولة” لم تكن مجرد كلمة بل كانت هي “الوطن” الذي ضاع منا حين غفلنا عن حراسة أحلامنا.
نبضٌ أخير …
يا وجعاً يسكنُ ثنايا الروح يا “زولة” سكنت الوجدان حتى استوطنها الشجن سأظل أهمسُ بها للريح لعلها تحملُ إليكِ بعضاً من رمادي وبعضاً من اشتياقي الذي لا ينتهي وعذراً طويلاً عريضاً لأننا افترقنا ولأن الطريق إليكِ صار أبعد من سماءٍ لا تمطر.
“يا زولة… لو كان للشوق صوتٌ لزلزل الجبال صمتاً.”
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم