كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
وأنت تسعد بعطائك لليوم الألف بالتورتة الفخيمة التي كُتب عليها رقم أيام مأساة الحرب، في احتفائية تشهد على جهلك وانتهازية من لبّى دعوتك…
هل سألت نفسك: بماذا تحتفل؟ أبألف يوم من الدم المسفوح؟ أم بألف ليلة من العويل في الخرائب؟ أم بألف صباح يستيقظ فيه الأطفال على صرخات الرعب بدلاً من حنان الأمهات؟ وأنت تنفخ شموع “الإنجاز” على تورتتك برقم ايام البؤس، و الحرب لم تضع أوزارها بعد. والدماء تسيل على عوارض البيوت. والبيوت لا تزال تتهاوى على ما ذكرياتها. أن الأرامل والأيتام يزدادون ساعة بعد ساعة.
أي احتفال هذا الذي يُقام على أنقاض الوجع، وأي عقل سليم يحوّل استمرار المأساة إلى مناسبة للزهو والظهور؟
ثم… هل سألت نفسك عن الذين أمّوا تكيتك المتكئة على مهرجان زائف للمروءة الموؤودة على مذبح التباهي والمنّ والأذى؟ هل كان أهالي أمدرمان الفضلاء سعداء وهم يحملون (الجك، والبستلة، وجرادل الطحنية الفارغة) ليحصلوا من مائدتك على ما يبقيهم على قيد الحياة؟
وهل تواردت على خاطرك المهرجاني أسئلة حول أغوار تلك الأنفس العزيزة المكسورة بالحرب وهي تمد تلك الأوعية الضامرة لتحصل على كمشة أو كمشتين من “الشوربة”؟
ولو كنت تسعى لاستقطاب دعم مانحين، أو لتوثيق مشروع خيري مؤسسي تحتاج فيه لإثبات الاستمرارية والاستدامة أمام المانحين، لكان لاحتفالك – رغم ركاكته – بعض العذر. لكنك – كما يعلم الجميع – الممول الوحيد لتكيتك، المنفق من جيبك الخاص. فأي دافع يبقى لهذا الاستعراض الصارخ سوى تلميع الذات على مرآة بؤس الآخرين؟ أي معنى لهذه الاحتفالية المشهدية إلا أن تقول للعالم عبر عدسات الكاميرات: “انظروا كم أنا كريم…. كم أنا عظيم”؟ ويشهد احتفالية البئيسة ذلك النفر من الانتهازيين والنفعيين يتقدمهم سفير الجباية و”الكراية”.
إن كنت تمنّ على الناس في حال ضعفهم وانكسارهم بعطاء مشكوك في مصداقية دوافعه – تكتنفه الريبة حتى بين أطراف الحرب أنفسهم الذين تارة ينسبونك وتارة ينكرونك – فكفى بك أن تنطوي على أول دروس أهل العطاء والمعالي من المتصوفة (أصحاب القدح البيكر) في بذل الخير ثم نسيانه. أرباب الزهد في الندى، أولي العزائم الخارقة في خلوتها وجلوتها… حضوراً في ساعة الشِدة، وغياباً ساعة الشِكرة. لله درّهم ما غرّتهم كاميرا ولا تزلفوا لسلطة.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم