تشكُّل الدولة والصِّراع
محاضرة بجامعة كولومبيا
*بروفيسور محمود ممداني، مارس 2009
**ترجمة أنس مصطفى
أودُّ الحديث بشكلٍ عام عن طبيعة الدولة في المناطق الْمُستَعمَرة؛ في إفريقيا على وجه الخصوص. عندما نتحدث عن طبيعة الدولة في إفريقيا، هناك افتراضاتٌ وتصوُّراتٌ واسعة الانتشار على المرء أن يواجهها ويصطدم بها، أهمها التحيُّز الذي لا يستند على معرفة. أول تلك الافتراضات أنَّ السلطة السياسية المنظَّمة لم تكن موجودة بإفريقيا قبل الاستعمار؛ وإذا كانت موجودة فهذا يعني أنها قد اُستعيرت من خارجها؛ في دراسة رواندا تعرف هذه الفرضية باسم “الفرضيَّة الحامية”. من منكم قرأ كتاب “أسلحة، جراثيم وفولاذ”؟؛ كتابٌ ممتعٌ جداً لكن به بعض الافتراضات الإشكالية؛ يرى الكتاب مثلاً أن إفريقيا لم يكن بها سلطة سياسية منظَّمة وأصيلة قبل دخول أناسٍ من خارجها؛ أعني الأوربيين على وجه الخصوص. الافتراض الثاني هو أن بداية الحياة السياسية في إفريقيا بقوانينها ونظمها قد حدثت في الحقبة الاستعمارية، أما الافتراض الثالث فهو نسبة تفشِّي الصراع العرقي عبر القارة بعد الاستقلال إلى انتهاء الاستعمار قبل أوانه، بحيث كان يتوجب عليه الاستمرار لمدة أطول ليكمل مهمته. هذه الافتراضات واسعة الانتشار تُعتنق أحياناً بلا وعي وهو ما يفاقم خطورتها. تشكِّل دارفور في المخيال الأميركي في يومنا هذا نموذجاً لتلك الافتراضات.
أرغب في الحديث عن الدولة؛ بشكلٍ خاصٍ في السياق الدارفوري، وأود الحديث عن ذلك تاريخياً. إذا كنت تَدرُس التاريخ بجامعة الخرطوم ستلاحظ وجود هوَّةٍ واسعةٍ بين المفهوم الأكاديمي للتاريخ وبين الذاكرة الشعبية؛ بين مفهومه لدى شبابٍ متعلمين مثلكم وبين الناس العاديين في الشارع. المفهوم الأكاديمي في الجامعة يعود بتاريخ السودان إلى حوالي ستة آلاف عامٍ للوراء، لما يماثل تاريخ الفراعنة في مصر. تاريخ مصر القديم وتاريخ النوبة القديم متجاوران، حيث حكمت مصر النوبة لفترة وفي المقابل حكم النوبيُّون مصر لفترةٍ أيضاً، تلت تلك الحقبة قرونٌ من الممالك المسيحية شمال السودان. تأسَّست الممالك الإسلامية في السودان في حدود عام 1650م، وهو تاريخٌ قريبٌ نسبياً إذا ما قورن بستة آلاف عام؛ من أهم هذه الممالك سلطنة الفونج على حوض النيل نحو الجنوب وعاصمتها سنَّار وسلطنة دارفور غرباً على حدود تشاد. يحمل المثقفون هذا التاريخ الطويل في أذهانهم، بينما لا يعتبر رجل الشارع العادي النُّوبة القديمة جزءاً من تاريخ السودان، بل يعتبرها جزءاً من تاريخ مجموعة بعينها من السودانيين هم النوبيون، أيضاً لا يعتبر رجل الشارع الممالك المسيحية جزءاً من ذلك التاريخ، ينظر إليها الشماليون كممالك مسيحيةٍ لا تخصهم كمسلمين، أما المثقفون الجنوبيون وغالبيتهم من المسيحيين فيرون تلك الممالك برغم مسيحيتها كممالك شماليةٍ لا تعنيهم في شيء.عندما يتعلق الأمر بالآراء الشعبية في السودان، فإن تاريخ السودان الشمالي يببدأ بالسلطنتين الإسلاميتين دارفور والفونج. سأركز في المحاضرة على الفترة من العام 1650م، وهو تاريخ تأسيس سلطنة دارفور، سلطنة سنار تأسست قبل ذلك.
أريد منكم بدايةً أن تُكوِّنوا تصوراً حول عملية تشكُّل الدولة في إفريقيا قبل الاستعمار. عندما نشأت سلطنة دارفور عام 1650م كان المشهد العام آنذاك عبارة عن سلسلةٍ من الكيانات العشائرية الصغيرة. نشأت السلطنة وسط قبيلة الفور، وكانت مشكلتها الأولى كيفية استقلالها عن العشائر وكيف تكون سلطنة؛ كيف تسود على هذه العشائر حتى لا تتحول بدورها إلى كيانٍ عشائريٍّ آخر. إذن كيف أصبحت سلطنة؟ كيف باتت قوةً مسيطرةً على الكيانات العشائرية، تعايشت معهم بداية ثم استوعبتهم لاحقاً وسيطرت عليهم؟. كان للسلطنة في بداياتها عاصمة متنقِّلة لخشية السلاطين من تفكك الأقاليم إن لم يقوموا بذلك؛ كانت ما تزال مشابهة للعشائر حينها. نشوء عاصمة في الفاشر في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي (حوالي 1710م)، كان علامةً على قيام المؤسسات الأساسية للسلطة المركزية. المؤسسة الأولى التي بنيت عليها السلطة المركزية هي نظام حيازة الأراضي، ما يعرف باسم “الحواكير”، وهما نوعان حواكير إدارية وحواكير خاصة. شكَّل نظام الحواكير الإدارية ظاهرة مرحلية حيث كان في طرفٍ منه اعترافاً بالحقائق القائمة وفي طرفٍ آخر أمراً جديداً. الأمر القديم هو مسألة منح الحواكير الإدارية من السلطان لسادة العشائر؛ هذا المنح هو اقرار ضمني بما يملكه السلاطين، الأمر الجديد هو أن هذا المنح يشمل أيضاً منح نوعين آخرين من الحقوق هما حق الاعفاء الضريبي وحق فض النزاعات. يمُنح هذان الحقان جزئياً لسادة العشائر؛ فالضرائب تعفى بشكل جزئي، كما أن بعض النزاعات تحل عبر العشائر وبعضها لا بدَّ من حله في دواوين الحكم بالسلطنة. قلَّص هذا النظام الجديد من سلطة قادة العشائر، فبعض الحقوق تم اقرارها بينما سلب البعض الآخر. النوع الآخر من الحواكير هو الحواكير الخاصة، تلك التي تمنح للأعيان، وهذا عنصرٌ ديناميكيٌّ في النظام. هذه المنح تم توثيقها كتابةً ويوجد منها المئات في المتحف يدرسها المهتمون بالتاريخ. يتضمن منح الحواكير الخاصة بقدرٍ أو بآخرٍ اعفاءً كاملاً من الضرائب، كما يشمل الحق بحلِّ كافة النزاعات. تعتبر هذه الحواكير أشبه بالملكيات الفردية؛ إن كانت الحواكير الإدارية تمثل ملكيةً قبليَّة، فإن الحواكير الخاصة تمثل تقريباً أملاكاً شخصيَّة.
من هم الأعيان الذين حصلوا على هذه المنح، ومن أين اُستقدم الموظفون في البلاط؟ كانت مؤسسة الجيش هي المؤسسة الأولى التي توجب على بلاط السلطنة تكوينها؛ لكن كيف تم تكوين الجيش في مكانٍ يسيطر عليه شيوخ عشائر؟ الحل هو تكوين جيشٍ من الرقيق. تمثِّل سلطنة دارفور سلطة استرقاقٍ حيث كانت تسترق من الجنوب، يجلب الرقيق الجنوبي إلى دارفور ليتم تصدير بعضه بينما يستبقى معظمه ليستوعب في الجيش. يجب أن نفرِّق بين تجارة الرقيق في العصر الحديث وبينها في العصر ما قبل الحديث؛ هناك أوجه تشابه وأوجه اختلاف؛ التشابه هو أن أَسْر الرقيق يتم بطريقةٍ وحشيةٍ في الحالتين عبر الاقتلاع القسري وإبعاد المستعبَدين من ديارهم، بينما يكمن الفرق في منشأ الطلب على الرقيق؛ في العصر ما قبل الحديث أتي معظم الطلب على الرقيق من الدولة- وُجدت ممارسات للاسترقاق الداخلي، لكنها كانت محدودة النطاق-. لو عدنا إلى بدايات الإمبراطورية الرومانية سنجد أن الهيكل الإداري قد استند على الرقيق، لأن ذلك ببساطة يجيب على سؤال الولاء، من أين يمكن أن تأتي بالموظفين؟، إن أتيت بهم من العشائر فلن تضمن ولاءهم. هذا مكَّن الرقيق في السلطنة رغم قلة عددهم من الوصول إلى الوظائف العليا. إذاً المجموعة الثانية من الرقيق هم الرقيق الملكي، وهم الإداريون والمسؤولون عن جزءٍ من الجيش، أصبح هؤلاء أقوياء جداً في دارفور.
من أصعب الأسئلة التي تواجه الدولة هي مسألة توريث السلطة، هذا هو الوقت الذي يكون فيه كل شيءٍ معرَّضٍ للتداعي. في النظم الديموقراطية يأتي الشعب ليقرر من سيحكمه؛ لكن القول بأن الديموقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب يمكن اعتباره إلى حدٍ ما أمر علاقاتٍ عامة. شكَّل عام 1803م آخر مراحل توارث السلطة عبر القتال بدارفور، بعده أصبح القرار بيد صانعي الملوك، وهم كبار الرقيق الملكي، أولئك الذين لا يستطيعون الحكم لكنهم يقررون من يحكم من الأمراء. أود أن استطرد قليلاً هنا من أجل إبراز هذه النقطة بشكلٍ أكثر وضوحاً. لنأخذ مصر على سبيل المثال فقد كان رقيق دارفور يصدَّر إليها. استولى العرب على مصر من البيزنطيين في القرن السابع الميلادي لكنهم خسروها في قرنٍ واحد؛ تعاقبت السلطات الحاكمة في مصر بعد ذلك؛ كان الفاطميون القوة الأولى التي تلت العرب، الشيء المهم هنا هو أن كل من حكم بعد الحقبة العربية حاول تهميش العرب وازاحتهم من الجيش ليخلق جيشاً من الرقيق. القوى المتصارعة جلبت الرقيق من أماكن مختلفة، جلب الفاطميون الرقيق من الجنوب؛ سُمِّي بالرقيق النوبي، لأنَّهم يسمون كل من أتى من ناحية الجنوب نوبي. منافسوهم جلبوا الرقيق المماليك من تركيا. مصر هي المكان الذي وصل فيه الرقيق إلى سدة الحكم، فقد حكمها المماليك لعدة قرون.
لنعود ثانيةً إلى دارفور؛ كانت المؤسسة الدينية هي المؤسسة الثالثة في السلطنة؛ أي مؤسسة الإسلام. مثَّل الاسلام آيديولوجية السلطة المركزية الجديدة، تلك الآيديولوجية التي أسست مبادئ الولاء الجديدة؛ الولاء الذي سيناهض العصبية القبلية. لم يوفر الاسلام فقط محض قواعد جديدةٍ للولاء، بل شكَّل أيضاً وسيلةً للتعليم لأنه يسير جنباً إلى جنبٍ مع اللغة العربية. ستمكِّن المعرفة بالقراءة والكتابة من إنشاء نظم إدارةٍ غير تقليديةٍ لا تقوم على اللقاء المباشر وجهاً لوجه مما أتاح توسيع نطاق السلطنة. عبر هذا التوسع ووصولاً لنهايات القرن التاسع عشر الميلادي سيصبح فقط ثلث رعايا السلطان من قبيلة الفور.
انحدر معظم الفُقَرَا وهم رجال الدين في السلطنة من غرب إفريقيا. بدأت قوافل الحجيج من غرب إفريقيا إلى مكة في القرن الحادي عشر الميلادي، وهؤلاء الحجَّاج لم يكونوا فقط من الملوك بل أُناسٌ عاديون أيضاً يرتحلون مشياً على أقدامهم، معظمهم قد لا يصل إلى مكة وإن وصلوا قد لا يعودون إلى ديارهم بل يعملون ويستقرون في أماكن مختلفة بطول الطريق. قدَّر المؤرخون أنه وبنهاية القرن التاسع عشر الميلادي أصبح ثلث سكان دارفور على الأقل من المهاجرين من غرب إفريقيا. عندما حصل الفُقَرا على الحواكير الخاصة المعفية من الضرائب قاموا بنقل هذه الامتيازات إلى أتباعهم مما شجع المزيد من الهجرات من غرب إفريقيا. شكَّل نظام الحواكير هذا أساس الجماعات الصوفية في السودان. يمكن اعتبار الجماعات الصوفية في السودان مؤسسات شبه علمانية باعتبارها مستقلة ولا تطمح في الحصول على السلطة السياسية، بل مستقلة عنها. احترم السلاطين هذه الاستقلالية فهي تعني أيضاً موالاة الصوفية للسلطة القائمة وهذه هي الصفقة؛ هؤلاء هم النخب الجديدة بدارفور.
اعتمدت سلطنة دارفور على ثرواتها وعلى التجارة الخارجية التي كان عمادها الرقيق، تليه تجارة الجمال، والذهب والعاج، ثم التجارة الداخلية، لكن السلطنة انهارت بانهيار تجارة الرقيق. سبب ذلك هو هزيمة تجار الرقيق الخيَّالة على يد تجار الرقيق الذين امتلكوا الأسلحة النارية. شهد القرن التاسع عشر الميلادي تمدد تجارة الرقيق بشكلٍ غير مسبوقٍ في هذه المنطقة من إفريقيا بسبب استنساخ نظام العبودية الزراعية بأميركا بمناطق أخرى من العالم كالمستعمرات الفرنسية. رافق هذا التوسع الهائل في تجارة الرقيق والذي شمل هذه المرة الدولة والأسواق الأخرى ظهور شركات رقيقٍ أوروبية.
احتلت الإمبراطورية العثمانية وهي القوة الجديدة المسيطرة في تلك الحقبة سلطنة الفونج عام 1821م. ارتبطت هذه الامبراطورية بالمصريين والإنجليز لتصبح تدريجياً خليطاً من العثمانيين والمصريين والإنجليز. بدأ العثمانيون بمهاجمة مراكز السلطة القائمة كمراكز سلطة القبائل؛ الفُقَرَا هم الجزء الوحيد الذي تبقى سالماً من النخب القديمة، لهذا لم يكن مفاجئاً أن يقود الفُقَرَا المقاومة ضد العثمانيين. جاءت هذه المقاومة من مركزين؛ من حوض النيل حيث قدم المهدي، ومن دارفور وكردفان حيث جاء خليفته عبد الله التعايشي. المهدي تعني المخلِّص وهي فكرة منتشرة بين أتباع الديانات الإبراهيمية. في ذلك الوقت وفي غرب إفريقيا المحتلة بواسطة القوات البريطانية انتشرت الشائعات بقرب ظهور المهدي في الشرق، مما جعل أعداداً ضخمة من الناس يهاجرون من غرب إفريقيا إلى السودان. المهدية في السودان ظاهرة شديدة التناقض، فهي سياسياً حركة تحرُّرية لكنها رجعية اجتماعياً؛ سياسياً استهدفت المهدية الامبراطورية، فنجاح المهدي هزَّ مراكز الإمبراطورية في لندن، باريس واسطنبول وأذهلها. جاء غوردون ثم قتل وهزمت الجيوش البريطانية، لتحكم المهدية لفترة تتجاوز العقد من الزمان. أحضر الإنجليز غوردون من الصين بعد نجاحه هناك حيث عرف باسم “غوردون الصيني”، ثم أحضروا أيضاً قائداً آخراً مهماً هو كتشنر. مات المهدي في السنة التي انتصرت فيها الثورة؛ دفن بأمدرمان ليقود الدولة خليفته عبد الله التعايشي. عندما احتل كتشنر المدينة قام بنبش قبر المهدي وأخرج جثمانه ثم فصل الرأس عن الجسد، ليرمي بالجسد في النيل ويضع الرأس على مكتبه كمحبرة، لقد اُختزلت الإمبراطورية وكل ادعاءاتها إلى هذا الفعل؛ ليس مستغرباً أن تصبح الإمبراطورية في موقع الدفاع غير متحضِّرة على هذا النحو الفاضح.
كانت المهدية وحشية جداً تجاه من رفض الانضمام إليها. وقتها كانت الجماعات الصوفية في السودان منقسمة إلى جزئين؛ من يسكنون جوار النيل والذين يستمدون إلهامهم من مصر وينظرون إليها كجزءٍ من تحالف القوى الحاكمة -مصر والإنجليز والعثمانيون- وكانوا يدعمون العثمانيين، بينما القسم الآخر هم أولئك الذين يستمدون إلهامهم من غرب إفريقيا. ظهرت رجعية المهدية اجتماعياً رغم أنها نادت بمفهوم المساواة، لكن داخل هذا المفهوم كانت هناك مبادئ ثابتة حول أدوار الرجال، النساء والأطفال، تم تطبيق تلك المبادئ باستخدام القوة متى ما دعت الضرورة. في رأيي أن هذا المزيج من التقدمية السياسية والرجعية الاجتماعية هو مزيجٌ شائعٌ جداً في دول العالم الثالث عندما نأتي إلى حقبة مناهضة الاستعمار والإمبريالية.
عندما عاد الاستعمار البريطاني إلى السودان بعد هزيمة المهدية واجه تحدِّي فرض النظام، كيف يُفرض النظام؟. مرت الإدارة البريطانية في حكم السودان بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى كانت مرحلة الحكم العسكري، مرحلة الإخضاع التي اتسمت بدرجة عالية من مركزية سلطة الحكَّام البريطانيين؛ في هذه المرحلة جرى تقسيم الجماعات الصوفية إلى تيارٍ مهديٍّ وآخرٍ ختمي يميل إلى مصر. غير أنَّ مصر نفسها شهدت تحوُّلاً مهماً مع نشوء الحركة القومية، إذ لم تعد مصر مقتصرة فقط على الملِك، بل برزت حركة قومية مناهضة له، وهو ما انعكس بدوره على الطريقة الختمية. عندما أنشأ البريطانيون كليَّة غوردون وسمحوا بتعيين السودانيين في الرتب الدنيا من الجيش، حصروا ذلك على أتباع الطريقة الختمية، إلا أنَّ هؤلاء الذين جرى استيعابهم من الختمية بدأوا بالتأثر بالحركة القومية في مصر.
اندلع تمرد اللواء الأبيض في السودان عام 1924م بقيادة ضابطٍ صغير الرتبة ينتمي إلى قبيلة الدينكا في الجنوب. شكَّل هذا التمرد نقطة تحوُّل دفعت الاستعمار البريطاني إلى الدخول في عملية تفكير مطوَّلة استمرت زهاء خمس سنواتٍ حول كيفية التعامل مع هذا التحدِّي. قرر المستعمِر بعدها عزل الجنوب بموجب قانون المناطق المغلقة، إلى جانب عزل أجزاءٍ من دارفور، كما شرع أيضاً في تطبيق نظامٍ جديدٍ تمثَّل في الحكم غير المباشر. كل شيء آخر كان بمثابة تقدمة، بينما شكَّل نظام الحكم غير المباشر النقطة المحورية. عمل البريطانيون عبر هذا النظام على إعادة القبليَّة إلى دارفور. سلطنة دارفور لم تكن قبلية؛ فالفور كانوا يشكِّلون ثلث السكان، المهاجرون من غرب إفريقيا يشكِّلون الثلث الآخر، أما الثلث الأخير فيتكوَّن من مجموعات إثنية مختلفة. نخبة السلطنة نفسها لم تكن تنتمي إلى جماعة إثنية واحدة؛ إذ أن النخبتين العسكرية والإدارية تكوَّنتا أساساً من الرقيق المجلوب من الجنوب وهم من جماعات إثنية مختلفة لكنهم وُضعوا جميعاً تحت مسمى “الفرتيت”، أما الفُقَرا فقد كانوا في الغالب من غرب إفريقيا، بينما انحدر التجَّار من المناطق النيلية؛ أي أنها كانت نخبة كوزموبوليتانية متعددة الأعراق والثقافات.عملت السلطة الاستعمارية على تحويل هذه النخبة متعددة الأعراق والثقافات إلى سُلطة قبليَّة ومجتمعٍ قَبَلي، ما الذي يعنيه خلق سلطةٍ قبليَّةٍ ومجتمعٍ قبلي؟ يعني أولاً وقبل كل شيء حدوث تغييرٍ تم بموجبه تقسيم دارفور إدارياً إلى مواطن قبليَّة مختلفة (دار)؛ الدَّار بوصفها موطن القبيلة. لم تكن الدار تعني موطن القبيلة قبل الاستعمار بل كانت تعني الوطن في عمومه، الوطن بمعنى المكان الذي تعيش فيه؛ قرية أو محلية أو بلد، لكن في ظل السلطة الاستعمارية أصبح للدَّار معنىً وحيد هو أرض القبيلة؛ لماذا؟ لأن هذا النظام يقوم على مجموعة من الخصائص الرئيسة، فالقبائل التي تعيش في الدار ستُقسَّم؛ سيُصنَّف بعضها كـقبائل أصيلة بينما سيُصنَّف البعض الآخر كـقبائل مستوطِنَة أو مهاجرة، وستعتمد الحقوق، والحقُّ الأول هو الأرض، على التصنيف الذي ستُوضع فيه؛ هل أنت من السُّكان الأصيلين أم من الوافدين. لن يختلف الأمر إذا كنت من الجيل الخامس أو العاشر، إذا صنفت مهاجراً فسيكون أبناؤك وأحفادك مهاجرون أيضاً. في دارفور التي أُعيد قبلنتها بهذه الطريقة لم يعد ثمَّة حواكير خاصة تمثل الملكيات الفردية، بل أصبح هناك نوعٌ واحدٌ فقط من الحواكير هي الملكية القبليَّة والتي تُعد حقاً عرفياً للقبائل الأصيلة. إذا صُنِّفت كعضوٍ في قبيلةٍ مستوطنةٍ أو مهاجرة فلن تستطيع الوصول إلى الأرض بوصفها حقاً عُرفيَّاً، للحصول عليها يتعين عليك دفع عوائد إلى السلطة العرفيَّة للقبيلة الأصيلة، هذا هو الحق الأول. الحق الثاني يتعلق بالحكم؛ فكل النزاعات تُحل عبر سلطة القبيلة الأصيلة أو مجلس القبائل الأصيلة، إذا كنت من قبيلة مهاجرة أو مستوطنة ودخلت في نزاعٍ فإن حل هذا النزاع لن يشملك ولن يشمل من يمثلك، سيتم حله عبر سلطةٍ أصيلة أو مجلسٍ أصيل. إذاً فالأمران مرتبطان ببعضهما؛ الأرض والمشاركة في المجال العام؛ الأرض والحكم. هذا نظام تمييزٍ وتحيُّز؛ تحيزٍ لصالح من تم تصنيفهم أصيلين وتمييزٍ ضد من لا يُصنَّفون كذلك. سيؤدي هذا النظام في دارفور إلى التمييز ضد الرُّعاة.
ثمَّة نوعان من الرُّعاة في دارفور؛ رعاة الإبل في الشمال ورعاة الأبقار في الجنوب. رعاة الأبقار في الجنوب قومٌ شبه رُحَّل لديهم قُرىً يبقى بها النساء والأطفال، بينما يخرج الرجال موسمياً لرعي القطعان ثم يؤبون إلى ديارهم. يتعرض رعاة الأبقار للتمييز من حيث أن (دار)هم تقتصر فقط على أماكن قُراهم، وليس على الأرض التي ترعى فيها أبقارهم، أما رعاة الإبل فليس لهم قرىً؛ هم دائماً في حالة ترحالٍ يقطعون آلاف الكيلومترات من الشمال نحو الجنوب كل عام. لا يمتلك رعاة الإبل داراً في مثل هذا النظام، هكذا أصبح جزءٌ من السكان بدون موطن قبيلة. يمكنك أن ترى أن هذا نظامٌ قد أُعدَّ للانفجار متى ما توفَّرت الظروف الخارجية. سينفجر لأن هؤلاء الذين لا يملكون داراً سيكونون أول الضحايا عند حدوث أي أزمة. بدأت الأزمة منذ ستينيَّات القرن الماضي بسبب شحِّ الأمطار قبل أن تعود إلى معدلها الطبيعي بعد عشرين عاماً في الثمانينيَّات، جاءت الأزمة أيضاً بسبب الحرب الأهلية في تشاد والتي امتدت لنحو ثلاثين عاماً. تشبه دارفور “كيفو” شرقي الكنغو لأنَّ كل من يخسر في رواندا يذهب إلى “كيفو” في الكنغو ليتزود بالسلاح، وعندما يصبح جاهزاً يعود إلى رواندا. دارفور أيضاً على هذا النحو، فكل من يخسر في تشاد يذهب إلى دارفور للتسلح ثم يعود، بينما ترسل السلطة الحاكمة مليشياتٍ لتطارد المليشيات التي ذهبت إلى دارفور. بحلول تسعينيَّات القرن الماضي أصبحت دارفور منعدمة المياه لكنها غارقة في السلاح، كان سعر الكلاشنكوف في أسواق دارفور وقتها أربعين دولاراً.
عندما نصل إلى عنف عام 2003-2004م ستكون دارفور في مركز العنف لمدةٍ تصل إلى عقدٍ من الزمان على الأقل، سيظهر في تلك الحقبة “الجنجويد”، أولئك الذين يرتكبون أعمال عنف مروِّعة ضد المدنيين. من هم الجنجويد إذاً؟ انحدرت المجموعة الأولى من الجنجويد من رُعاة الإبل بشمال دارفور الذين دفعهم التصحر جنوباً؛ أولئك الذين بلا دار، والذين يؤمنون بأن مفهوم الأرض باعتبارها ملكاً للقبيلة لا يعنيهم، بل يؤمنون بمفهوم الأرض التي هي ملكٌ للأمة. المجموعة الأخرى من الجنجويد هم اللاجئون التشاديون الذين بلا دارٍ أيضاً؛ هذه المجموعة دفعها الجفاف والعنف إلى النزوح إلى دارفور.
ببساطة أودُّ توجيه انتباهكم إلى الكيفية التي تمت بها إعادة تنظيم السلطة بدارفور خلال الحقبة الاستعمارية، كيف ميَّزت إعادة التنظيم هذه بين نوعين من المجموعات الإثنية؛ السكان الأصيلون وغير الأصيلين، مع منح امتيازٍ نسبيٍّ للمجموعات الأصيلة، وفرض تمييزٍ ضد المجموعات غير الأصيلة. لذلك وفي أي أزمةٍ سيكون الصراع قابلاً لأن يتخذ شكلاً إثنياً. وجهة نظري هي أن مفهوم الإثنية في إفريقيا أقدم بكثيرٍ من الحقبة الاستعمارية، لكن تسييس الإثنية في جوهره مشروعٌ استعماري، هذه هي النقطة التي أريد منكم أن تحتفظوا بها في أذهانكم.
- محمود ممداني: بروفيسور هربرت ليمان في الحوكمة بجامعة كولومبيا. شغل منصب بروفيسور ومدير تنفيذي لمعهد ماكيريري للبحوث الاجتماعية بكمبالا (2010–2022). حصل ممداني على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1974م وتخصص في دراسة الاستعمار، ودراسة مناهضة الاستعمار. تستكشف أعمال ممداني التقاطعات بين السياسة والثقافة، الدراسة المقارنة للاستعمار منذ عام 1452م، تاريخ الحروب الأهلية والإبادة الجماعية في إفريقيا، الحرب الباردة والحرب على الإرهاب، تاريخ ونظرية حقوق الإنسان، وسياسات إنتاج المعرفة. قبل انضمامه إلى هيئة التدريس بجامعة كولومبيا، عمل ممداني أستاذاً بجامعة دار السلام في تنزانيا (1973–1979)، جامعة ماكيريري بأوغندا (1980–1993)، وجامعة كيب تاون .(1999–1996)
حصل ممداني على الكثير من التقدير، من بينه إدراجه ضمن أفضل 20 مفكراً في العالم من قبل مجلتي فورين بوليسي (الولايات المتحدة) وبروسبكت (المملكة المتحدة) عام 2008 وفي عام 2021 سمِّي ضمن أفضل 50 مفكراً في العالم عبر مجلة بروسبكت. أُدرِج أحدث أعماله، لا مستوطن ولا أصيل: تشكُّل الأقليات الدائمة وتفككها (هارفارد، 2020)، ضمن القائمة القصيرة لجائزة الأكاديمية البريطانية للفهم الثقافي العالمي لعام 2021، كما وصل إلى الترشيح النهائي لجائزة تاريخ العالم من قِبل رابطة الناشرين الأمريكيين للتميّز المهني والعلمي .(PROSE)
تشمل كتب ممداني: (لا مستوطن ولا أصيل: صناعة وهدم الأقليات الدائمة)، (المنقذون والناجون: دارفور، السياسة، والحرب على الإرهاب)، (مسلم جيِّد، مسلم سيِّئ: أمريكا، الحرب الباردة وجذور الإرهاب)، (عندما يصبح الضحايا قتلة: الاستعمار، الوطنية المتطرفة، والإبادة الجماعية في رواندا)، (المواطن والذات الخاضعة: إفريقيا المعاصرة وإرث أواخر الاستعمار)، (السياسة وتشكُّل الطبقات في أوغندا)، (من مواطن إلى لاجئ)، (أسطورة ضبط السكان:الأسرة والطبقة والطائفة في قرية هندية) و (السمّ البطيء: عيدي أمين، ويوري موسيفيني، وصناعة الدولة الأوغندية).
**أنس مصطفى: كاتب سوداني
هامش من وضع المترجم:
-عنوان المحاضرة باللغة الإنجليزية: State Formation and Conflict، نشرت عبر منصة جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
-السيرة الذاتية لبروفيسور ممداني من موقع جامعة كولومبيا.
-الفُقَرا: عامية، جمع فقير، تعني رجل الدين الزاهد.
asalim.edu@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم