م. هيثم عثمان إبراهيم
لطالما كان المشهد السوداني مثقلاً بالتعقيدات، لكن قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية جاء ليضع النقاط على الحروف في ملف طال انتظاره. إنه قرار مستحق بامتياز، يضع حدًا لعقود من التغلغل الأيديولوجي الذي نخر في جسد الدولة السودانية، وأسس لانقسامات مجتمعية وسياسية عميقة. غير أن هذا القرار، على أهميته وضرورته، يصطدم بمفارقة صارخة لا يمكن تجاهلها: كيف يُصنَّف تيار سياسي بالإرهاب “وهو تصنيف مبرر بالنظر إلى تاريخه” بينما تُترك ميليشيا الدعم السريع، التي وثّقت تقارير دولية ارتكابها لجرائم حرب وانتهاكات مروعة ضد الإنسانية، حرة طليقة خارج أي تصنيف مماثل؟
نهاية حقبة التمكين وتأثيرها على المشهد
لا يختلف اثنان على أن الحركة الإسلامية في السودان تتحمل قسطًا وافرًا من المسؤولية عن المآلات الكارثية التي وصلت إليها البلاد. لقد استخدمت أجهزة الدولة لخدمة مشروعها الخاص، وأقصت المخالفين، وساهمت في إذكاء الصراعات. لذلك، فإن تصنيفها كجماعة إرهابية ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو استحقاق وطني وتاريخي يمهد الطريق لتفكيك بنية “التمكين” التي خنقت السودان طويلاً.
على صعيد المشهد الداخلي، يمثل هذا القرار زلزالاً سياسيًا. فهو يمنح القوى المدنية الحقيقية فرصة لالتقاط الأنفاس وبناء مشروع وطني جامع بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي الحاد. كما أنه يضعف الجناح السياسي للحركة الإسلامية ويجفف منابع تمويلها، مما قد يؤدي إلى تراجع نفوذها في الشارع السوداني الذي أنهكته الشعارات.
جيش وطني بلا أيديولوجيا
بالنسبة للجيش السوداني، يمثل هذا القرار فرصة ذهبية، وإن كانت محفوفة بالتحديات. لطالما حاول خصوم الجيش وصمه بأنه مجرد واجهة للحركة الإسلامية. اليوم، يوفر هذا التصنيف غطاءً دوليًا ومحليًا للمؤسسة العسكرية لتأكيد استقلاليتها وحيادها، وتطهير صفوفها من أي ولاءات تنظيمية قد تعيق دورها الوطني. إنها لحظة حاسمة للجيش ليثبت أنه جيش لكل السودانيين، وليس حارسًا لمشروع سياسي سقط شعبيًا.
الدعم السريع: إرهاب بلا تصنيف.. إلى متى؟
هنا نصل إلى العقدة الأكبر والمفارقة التي تثير الغثيان. في الوقت الذي يُحاسب فيه الإخوان على تاريخهم السياسي والأيديولوجي، تقف قوات الدعم السريع التي مارست القتل والنهب والاغتصاب والتطهير العرقي بشهادة المنظمات الحقوقية الدولية خارج دائرة التصنيف الإرهابي. كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يبتلع هذه الازدواجية الفجة؟
تحاول ميليشيا الدعم السريع استغلال تصنيف الإخوان لتقديم نفسها كقوة “ديمقراطية” تحارب التطرف، وهو ادعاء يثير السخرية المريرة. فمن يرتكب الفظائع على الأرض لا يمكن أن يكون حمامة سلام أو حاميًا للديمقراطية. إن تجاهل تصنيف الدعم السريع كجماعة إرهابية يطرح تساؤلات خطيرة حول نوايا بعض القوى الدولية والإقليمية.
لكن، هل سيصدر قرار مشابه بحق الدعم السريع قريبًا؟ المؤشرات تدل على أن الضغط الحقوقي الدولي يتصاعد. التقارير المتتالية عن التطهير العرقي في دارفور والانتهاكات في الخرطوم والجزيرة تجعل من الصعب على المجتمع الدولي الاستمرار في غض الطرف.
من المرجح أن نشهد في الأشهر القادمة تحركات جادة نحو تصنيف الميليشيا كمنظمة إرهابية، خاصة إذا استمرت في رفض مبادرات السلام وتصعيد العنف ضد المدنيين.
توازن القوى في سيناريوهات التصنيف
لفهم مآلات هذا المشهد، يجب النظر في توازن القوى في حالتين:
السيناريو الأول: بقاء الوضع على ما هو عليه (تصنيف الإخوان فقط)
في هذه الحالة، سيحاول الدعم السريع استثمار هذا الخلل لتعزيز شرعيته الدولية المزعومة، وتصوير حربه على أنها حرب ضد “الإرهاب الإسلامي”. هذا قد يمنحه بعض الغطاء السياسي المؤقت، لكنه لن يغير من حقيقة رفضه شعبيًا. في المقابل، سيجد الجيش نفسه مضطرًا لخوض معركة مزدوجة: عسكرية ضد الميليشيا، وسياسية لإثبات براءته من تهمة “الأخونة”. هذا السيناريو يطيل أمد الحرب ويزيد من معاناة المدنيين.
السيناريو الثاني: تصنيف الدعم السريع كجماعة إرهابية (السيناريو المرتقب)
إذا صدر هذا القرار، فإنه سيقلب موازين القوى رأسًا على عقب. سيتم تجريم أي دعم عسكري أو مالي للميليشيا، مما سيؤدي إلى خنقها لوجستيًا وعزلها سياسيًا. هذا سيعزز من موقف الجيش السوداني كقوة شرعية وحيدة، ويجبر الميليشيا إما على الاستسلام أو التفكك. والأهم من ذلك، أنه سيعيد الثقة في المنظومة الدولية ويؤسس لعملية سلام حقيقية لا مكان فيها لأمراء الحرب.
ازدواجية تقتل العدالة
إن هذا التباين الحالي في التعاطي مع أطراف الأزمة السودانية لا يضر فقط بمصداقية المنظومة الدولية، بل ينسف أسس العدالة التي يطمح إليها السودانيون. لا يمكن بناء سلام مستدام على أساس معايير مزدوجة. نعم، تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية خطوة في الاتجاه الصحيح لتنقية الحياة السياسية، لكنها تظل خطوة عرجاء ما لم تُستكمل بتصنيف ميليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، ومحاسبة قادتها على الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
خلاصة القول
لقد نال الإخوان المسلمون ما يستحقونه من تصنيف يعكس حجم الضرر الذي ألحقوه بالدولة السودانية. لكن هذا الإنجاز السياسي والحقوقي سيبقى ناقصًا ومحل تندر، ما دامت ميليشيا الدعم السريع تمارس إرهابها اليومي دون رادع أو تصنيف. إن دماء السودانيين ومعاناتهم لا تقبل التجزئة، والعدالة الحقيقية تقتضي أن يُسمى الإرهاب باسمه، سواء كان يرتدي عباءة أيديولوجية، أو يحمل بندقية ميليشياوية.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم