تصنيف لم تبلغه طالبان… فما مصير المال والسلاح والقيادات؟

لبنى احمد حسين

ليس السؤال ماذا حدث… بل ماذا سيحدث الآن؟..

(١)
كانت مفاجأتي من العيار الثقيل الاسبوع الماضي، وانا اغوص في خلفيات القرار الامريكي الذي بدأ سريانه مطلع الاسبوع ضد الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين ومليشيا البراء في السودان بتفرعاتهم ومليشياتهم المختلفة… حين اكتشفت ان التصنيف الذي بلغه كيزان السودان لم تبلغه طالبان نفسها!
اي والله!.

طالبان الافغان، رغم تاريخها الطويل في الحرب مع الولايات المتحدة بقيت في إطار واحد للعقوبات (SDGT)… بينما نصيب كيزان السودان كفلين اثنين!.. قائمة العقوبات التابعة لوزارة الخزانة (SDGT)، وقائمة التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) الصادرة عن وزارة الخارجية . لتبقى في القائمتين معا مع رفيقاتها؛ داعش و القاعدة وبوكوحرام!…

وهذا الجمع بين التصنيفين يُعد من أقسى الأدوات القانونية في منظومة مكافحة الإرهاب. فارهاب كيزان السودان، غير! فهو يجمع بين الكباب و الارهاب و الفساد. بل لم يتورع هؤلاء (الذين اكلوا المال اكلا عجيبا) على حد قول زعيمهم الراحل حسن الترابي، لم يتورعوا حتى عن اكل مال القاعدة و بن لادن نفسه قبل طرده من السودان!..

(٢)

وان كنت تشعر – عزيزي القاريء بالذعر في الماضي حين تكتشف ان فلان داعشي او منتم لتنظيم القاعدة او بوكو حرام، فتسارع لإبعاد اولادك وبناتك و نبضات قلبك تتسارع، فماذا انت فاعل الآن؟..

عقوبات FTO لم تخضع لها طالبان كما اسلفنا بل خضعت لعقوبات(SDGT) ذات العقوبات التى يخضع لها الآن من الطرف الاخر من حرب الندامة من قوات الدعم السريع/ الجنجاويد كل من عثمان عمليات و حميدتي و عبد الرحيم دقلو و القوني و ابولولو و اخرين.

المفارقة المهمة هنا هذه المرة انه لم يتم استهداف الدولة السودانية ولا المواطن كما حدث في التسعينات والألفينات حيث صنف السودان كدولة راعية للارهاب. هذة المرة تم استهداف تنظيم بعينه وشبكاته وقياداته و كل من يمدّ يد العون له.
هذا الفهم انعكس حتى في المزاج العام. فقد طرح الأستاذ الصحفي المعروف عثمان ميرغني استفتاءً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شارك فيه عشرات الالاف و اظهرت نتائجه بعد 24 ساعة تأييدًا ملحوظًا للتصنيف: 72٪ على فيسبوك و66٪ على منصة إكس. ورغم أن هذه الأرقام ليست قياسًا علميًا، إلا أنها تعكس اتجاهًا عامًا يدعم الاحتفاء بمحاسبة التنظيمات، لا معاقبة الدولة و شعبها.

فهذا التصنيف يفتح عدة جبهات في آن واحد: عسكريًا، ماليًا، إعلاميًا، وسياسيًا.
( ٣ )
عسكريا ا: جوهر السؤال الان بعد بدء سريان قرار الولايات المتحدة بتصنيف كتيبة البراء بن مالك كمنظمة إرهابية هو: كيف سيتم التعامل معها؟ هل ستسلّم سلاحها؟ أم ستتحول إلى تنظيم يعمل تحت الأرض؟ تضاربت الآراء و الاحتمالات. لكن من المؤكد لن يتم دمجها مع الجيش بسفور.. و من المستبعد حلّ المليشيا وتسريح أفرادها و قد يتم ذلك ظاهريا. فمن المرجح ان يتم صنع مليشيا جديدة و تأجيرها للبراء من الباطن او تتم إذابة البراء داخل المليشيات الموجودة حاليا خاصة داخل حركة جبريل او العودة الى كتائب الظل الموجودة اصلا في قيادات مؤسسات الدولة و الخدمة المدنية.. و في كل السيناريوهات سيتم استيعاب جزء كبير منهم في شرطة الجامعات. و كان المصباح قد صرّح و ظهر في فيديوهات قبل عام تقريبا لتدشين مشروع تأمين الجامعات السودانية و خلفه شعار: (هنا الطلاب .. هنا الارعاب) ..!
(٤)
اعلاميا: علي صعيد السوشال ميديا بادر قائد مليشيا البراء ، المصباح باغلاق حساباته المعروفة . و كذلك فعلت المليشيا فيما غيّرت بعض الصفحات المنسوبة لمليشيا البراء اسمائها الى سوق كذا و قروب كذا .. اسماء لا علاقة لها الا بالملابس و الاولني المتزلية و ربما العطور!.. بينما يمكن الابلاغ عن الصفحات العلنية الجديدة في حالة أي ظهورها. اما بالنسبة للاعلام التقليدي، فقد تم حظر مؤتمر صحافي لمليشيا البراء مطلع الاسبوع بام درمان. د. كامل ادريس اطاح بعدد من مستشاريه .. في حدود قدرته حيث ليس له حق قبول استقالة وزير دعك عن اقالته خسب تعديلات البرهان للوثيقة الدستورية. و على صعيد الفضائيات لعل القاريء قد لاحظ اختفاء الوجوه المعروفة بقناة الجزيرة للظهور دفاعا عن مليشيا البراء و ربما السبب مخاوفهم من مآلات هذا الدفاع حيث اقتصر الدفاع على انكار الوجود القانوني للحركة الاسلامية.
(٥)
على المستوى التنظيمي السياسي، أصبح كثير من القيادات ينكرون أصلًا انتماءهم للحركة، بل ويقدمون أنفسهم بهويات سياسية مستقلة بخجة ان حزبهم محظور بالقانون منذ ثورة ديسمبر. و اذا لم تخني الذاكرة حذفت تعديلات البرهان للوثيقة الدستورية فبراير الاسبق القيود التي كانت على منتسبي هذا الحزب في تولي الوزارات او المفوضيات او الادارات العليا. و ظهرت اسماء بارزة لا تخطئها عين في كل مما حظر قبل انقلاب ٢٥ اكتوبر. فهل ننتظر ان تتم اقالات في المستوى الوزاري؟..بل هل سيعود د. كامل ادريس نفسه من سويسرا و هو الذي يُرجَّح انه ترأس الحكومة لتزيين سيرته الذاتية فاذا بها تنحدر الى اسفل سافلين بوجود عناصر من منظمات تم تصنيفها بالارهاب في طاقمه!..
(٦)
ماليا : تفكيك شبكات المال التي تغذت بالفساد لا يحدث تلقائيا، يل هو عملية مركبة تجمع بين الضغط الدولي والعمل المحلى. فالتصنيف الأمريكي يفتح بابا لملاحقة الأصول و المدحرات خارج البلاد.

جزء كبير من الأصول و المدخرات تم إعادة تدويره عبر البيع ونقل الملكية بعد انقلاب 25 أكتوبر، عقب فك الحظر الذي كانت قد فرضته لجنة إزالة التمكين. ومن المرجح أن جانبًا منها قد هُرّب إلى الخارج حيث أصبحت الآن اسهل للملاحقة بالعقوبات الدولية. يمكرون و يمكر الله؛ اخرجوا الاموال من السودان لابعادها عن لجنة، ود الفكي و وجدي صالح، فاذا بها تقع تحت نظام مصرفي يتحكم فيه الامريكان.
و ما تبقى داخل السودان، فيحتاج إلى تتبع دقيق وفعّال. فمع ضعف اندماج النظام المصرفي السوداني في النظام العالمي، تتسع فرص التحايل وإخفاء الأصول، مما يجعل الدور المحلي حاسمًا لاستكمال هذه المهمة التي تحتاج لمعلومات لا تتوفر إلا عبر جهد محلي منظم، كما أشار بيان لجنة إزالة التمكين التي اعلنت عودتها امس.

و بعد، يبقى السؤال الحقيقي:
ما الذي سيتغير فعليًا على الأرض؟

فالتصنيف ليس نهاية القصة… بل بدايتها. وما سيحدث على الأرض هو الذي سيحدد: هل نحن أمام تفكيك حقيقي… أم إعادة إنتاج لكتائب ظل جديدة (متسترة) بدلا عن مليشيا البراء؛ او الدواعش غير الملثمين!..

lubbona@gmail.com

عن لبنى أحمد حسين

شاهد أيضاً

حينما يقص ويفصِّل الترزي وثيقة دستورية !!

قصة قصيرة جدا: بينما قصره الرئاسي محتل ولا يستطيع الوصول اليه ويباشر عمله نازحا في …