تصنيف محتمل للإخوان المسلمين: ما هي الدلالات القانونية والسياسية على السودان؟

تقرير: أمجد شرف الدين المكي

  • قراءة في الأمر التنفيذي الأميركي الجديد وانعكاساته الإقليمية
  • أمجد شرف الدين المكي – أمريكا
  • شهدت واشنطن في 24 نوفمبر 2025 تطوّراً لافتاً في ملف العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يوجّه الإدارة إلى الشروع في مسارٍ قانوني لتصنيف فصول أو فروع محددة من الجماعة كـ”منظمات إرهابية أجنبية” وكـ”إرهابيين دوليين مُصنَّفين بصفة خاصة”.
  • بهذا، ينتقل نقاشٌ ظلّ يتكرر في العاصمة الأميركية على مدى سنوات من حيّز الفكرة والجدل السياسي إلى حيّز الإجراء الرسمي القابل للتنفيذ، بما يحمله ذلك من تبعات قانونية ومالية ودبلوماسية واسعة، قد تمتد آثارها إلى دول مثل السودان، حيث تداخلت الحركة الإسلامية المحلية مع التنظيم الدولي للإخوان في مراحل مختلفة.
  • الإطار القانوني: من قانون الهجرة إلى قوانين الطوارئ الاقتصادية
  • ينطلق الأمر التنفيذي الجديد من حزمة تشريعات قائمة، في مقدمتها قانون الهجرة والجنسية الأميركي (Immigration and Nationality Act – INA) وقانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية (International Emergency Economic Powers Act – IEEPA)، إضافة إلى الأمر التنفيذي 13224 الصادر في 23 سبتمبر 2001 والخاص بتجميد أصول الأشخاص والكيانات المتهمة بتمويل الإرهاب أو دعمه.
  • وبالاستناد إلى المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، تملك وزارة الخارجية الأميركية صلاحية إدراج تنظيمات أجنبية في قائمة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” (Foreign Terrorist Organizations – FTO)، متى توافرت ثلاثة شروط أساسية:
  • أن يكون التنظيم أجنبياً
  • وأن يمارس أو يهدّد بممارسة “نشاط إرهابي”
  • وأن يشكّل نشاطه تهديداً للأمن القومي الأميركي أو لأمن مواطني الولايات المتحدة.
    بمجرد نشر أي تصنيف من هذا النوع في السجل الفدرالي، يصبح تقديم أي “دعم مادي” للتنظيم – من مال أو تدريب أو خدمات أو موارد – جريمة في القانون الأميركي، مع إمكان تجميد أصوله داخل النظام المالي المرتبط بمنظومة العقوبات الأميركية.
    مضمون الأمر التنفيذي: فروع معيّنة وسياق إقليمي واضح
    يؤكد الأمر التنفيذي أن جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928، تطوّرت إلى شبكة عابرة للحدود لها فصول وفروع في عدة دول. ويركز النص على فروع الجماعة في لبنان والأردن ومصر، بوصفها منخرطة في أو مسهّلة لأعمال عنف و”حملات زعزعة استقرار” تمسّ مواطني الولايات المتحدة وشركاءها في المنطقة.
    ويستشهد الأمر التنفيذي بأحداث ما بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 في إسرائيل، حيث يُنسب إلى الجناح العسكري للفرع اللبناني للإخوان أنه انخرط إلى جانب حماس وحزب الله وفصائل فلسطينية أخرى في إطلاق صواريخ على أهداف عسكرية ومدنية داخل إسرائيل. كما يشير إلى دعوات علنية صدرت عن قيادي في الفرع المصري إلى استهداف شركاء الولايات المتحدة، وإلى تقديم قيادات في الإخوان بالأردن “دعماً مادياً” للجناح المسلح لحماس.
    في ضوء ذلك، يعلن الأمر أن سياسة الولايات المتحدة هي التعاون مع الشركاء الإقليميين لتعطيل قدرات هذه الفروع التي يُنظر إليها على أنها إرهابية، وتجفيف مواردها، وإنهاء أي تهديد تمثله للأميركيين أو لأمن حلفائهم.
    آلية التنفيذ: جدول زمني لفتح باب التصنيفات
    لا يكتفي الأمر التنفيذي بالتوصيف السياسي، بل يرسم مساراً زمنياً للتنفيذ:
    • خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره، يُطلب من وزير الخارجية ووزير الخزانة، بعد التشاور مع وزير العدل ومدير الاستخبارات الوطنية، تقديم تقرير مشترك إلى الرئيس، عبر مستشار الأمن القومي، يتضمن توصيات محددة بشأن تصنيف فصول أو فروع من الإخوان – بما فيها تلك الموجودة في لبنان والأردن ومصر – كمنظمات إرهابية أجنبية، وكأشخاص أو كيانات “إرهابية عالمية مصنَّفة” بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية والأمر التنفيذي 13224.
    • خلال خمسة وأربعين يوماً من رفع التقرير، يتعيّن على وزير الخارجية أو وزير الخزانة، كلٌّ ضمن نطاق اختصاصه، اتخاذ “الإجراءات المناسبة” لاستكمال هذه التصنيفات، وفق ما تتيحه النصوص القانونية المشار إليها.
    هذا المسار لا يعني أن التصنيفات قد أُنجزت بالفعل، لكنه يفتح باباً رسمياً أمام إدراج فروع محددة من الإخوان في قوائم الإرهاب الأميركية، مع ما يستتبع ذلك من تجميد أصول، وتضييق على التحويلات، وإمكانية ملاحقات مرتبطة بتقديم “دعم مادي” لتلك الفروع.
    من التجارب السابقة إلى إشكالية نطاق التصنيف
    الأداة نفسها استُخدمت سابقاً مع حركات وتنظيمات عديدة، بينها حماس، حزب الله، حركة الشباب في الصومال، بوكو حرام في نيجيريا، وكذلك مع الحرس الثوري الإيراني وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في مراحل مختلفة.
    في هذه التجارب، تراوحت الآثار بين تضييق كبير على التمويل والتحركات، وبين توظيف التصنيف كورقة ضغط في ملفات إقليمية أوسع، بما يتجاوز البُعد الأمني الصِرف إلى حسابات السياسة والتحالفات.
    في حالة الإخوان، تبرز إشكالية إضافية: فالجماعة ليست حزباً واحداً ذا شخصية قانونية موحّدة، بل شبكة واسعة من أحزاب سياسية، وجمعيات دعوية وخيرية، ومنابر إعلامية وتعليمية تعمل في بيئات قانونية مختلفة.
    لذلك يغدو سؤال (نطاق التصنيف) حاسماً:
    – هل سيقتصر على فروع بعينها، ترتبط، وفق الرواية الأميركية، بأجنحة مسلّحة أو بممارسات عنيفة؟
    – أم يمكن أن يتوسع النقاش لاحقاً ليشمل كيانات ذات مرجعية إخوانية أوسع، حتى لو كانت تمارس عملاً سياسياً أو مجتمعياً سلمياً؟
    هذا السؤال ليس فنّياً فقط، بل ينعكس عملياً على آلاف الأفراد والمنظمات التي تتحرك في فضاء يختلط فيه السياسي بالدعوي، والمحلي بالإقليمي.
    آثار محتملة: الرقابة المالية والضغط على الدول
    التجربة مع التصنيفات السابقة توضح أن القرارات لا تبقى رمزية، بل تتحول إلى أساس لتشديد الرقابة على التحويلات البنكية، وإخضاع المنظمات والأفراد إلى مستويات أعلى من التدقيق، والضغط على الدول المتهمة بغض الطرف عن نشاط تنظيم مُدرج في قوائم الإرهاب.
    مؤيدو هذه السياسة يرون فيها وسيلة فعّالة للحد من قدرة التنظيمات على الحركة والتمويل، ولإجبارها على تغيير السلوك أو دفعها إلى هامش الفعل.
    في المقابل، يحذّر منتقدون من اتساع نطاق التجريم إذا لم يكن التعريف دقيقاً، بما قد يطال في بعض الحالات فاعلين سياسيين أو مجتمعيين لا يمارسون العنف، ولكنهم يتحركون في فضاء فكري أو تنظيمي قريب من تنظيم مصنَّف.
    إفريقيا في مرمى التداعيات — حتي لو لم تُذكر بالاسم—
    رغم أن الأمر التنفيذي الجديد يركّز صراحة على فروع الإخوان في لبنان والأردن ومصر، فإن تداعياته يمكن أن تمتد إلى فضاءات أوسع، من بينها إفريقيا، حيث توجد أحزاب ومنظمات ذات مرجعية إخوانية أو إسلامية متقاطعة مع فكر الجماعة.
    إدراج أي فرع من فروع الإخوان في قائمة FTO، ثم في قوائم العقوبات المالية، يعني عملياً تعقيد العلاقة مع النظام المالي الدولي لكل كيان يُنظر إليه، بحق أو بغير حق، على أنه امتداد لذلك الفرع.
    وهذا يشمل على وجه الخصوص المنظمات التي تعتمد على منح وتبرعات خارجية، وقد يضع بعض القادة والنشطاء أمام تدقيق إضافي أو قيود على السفر والتأشيرات، بحكم الاشتباه في الارتباط التنظيمي أو المالي.
    حتى إن لم تُذكر أفريقيا مباشرة في نص الأمر التنفيذي، فإن طبيعة المنظومة المالية العالمية، ومحورية الدولار، تجعل تأثير أي تصنيف أميركي يتجاوز جغرافيا الدول الثلاث المذكورة إلى حيث تمتد الشبكات التنظيمية أو المالية المرتبطة بها.
    السودان: حالة خاصة عند تقاطع الإسلام السياسي والحرب الأهلية
    السودان يمثّل حالة مهمّة داخل هذا الإطار؛ فالحركة الإسلامية السودانية تشابكت تاريخياً مع فكر وتنظيم الإخوان المسلمين، مع تطور مسار سياسي محلي خاص منذ تجربة الجبهة الإسلامية القومية، مروراً بحكم “الإنقاذ”، وصولاً إلى ما بعد ثورة ديسمبر 2018.
    في ظل الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، عاد ملف الإسلاميين إلى واجهة السجال السياسي والإعلامي بقوة:
    – حديث عن “الدولة العميقة” ودور الإسلاميين في أجهزة الجيش والأمن والاقتصاد
    – اتهامات متبادلة بين الأطراف المتحاربة حول توظيف الإسلاميين أو استبعادهم
    – واصطفافات إقليمية تُقرأ أحياناً من زاوية العلاقة مع تيارات “الإسلام السياسي” المختلفة.
    في هذا السياق، لا يُستبعَد أن يُستحضَر أي تصنيف أميركي لفروع الإخوان في الخطاب المتبادل بين الفاعلين السودانيين، سواء لتبرير سياسات داخلية، أو لاستمالة دعم خارجي، أو لتشويه صورة خصوم سياسيين أو عسكريين عبر ربطهم بالتنظيم الدولي، أو بفروعه التي قد تُدرج على قوائم الإرهاب.
    بين الاستثمار في التصنيف… ومخاطر الارتداد على الداخل
    عملياً، قد تحاول أطراف سودانية ربط شخصيات أو مجموعات معيّنة بالتنظيم الدولي للإخوان أو بفروعه الإقليمية، للمطالبة بعقوبات وتضييق دولي عليهم، أو لإقصائهم من أي ترتيبات سياسية قادمة تحت عنوان “عدم التعامل مع قوى مرتبطة بتنظيم مُصنَّف إرهابياً”.
    في المقابل، قد تسعى أطراف أخرى إلى تقديم نفسها كشريك في “مكافحة تنظيم مصنَّف”، مستفيدة من المناخ الدولي الجديد لتبييض صورتها أو لتعزيز موقعها لدى العواصم الغربية والإقليمية، حتى وإن كانت متهمة بدورها بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
    درجة التأثير الفعلي ستعتمد على عدة عوامل، من بينها:
    – الصياغة النهائية للتصنيفات التي ستصدر بناءً على الأمر التنفيذي
    – مدى قدرة الأطراف السودانية على تقديم أدلة فعلية على ارتباط خصومها بالفروع المصنَّفة
    – وكيفية قراءة العواصم الإقليمية والدولية لدور الإسلاميين في المشهد السوداني الراهن
    خاتمة: بين القانون والسياسة
    في النهاية، إدراج فروع من جماعة الإخوان المسلمين – أو أي تنظيم آخر – في قوائم الإرهاب الأميركية هو خطوة قانونية وسياسية ذات آثار متشعبة: على التنظيمات نفسها، وعلى الدول المضيفة، وعلى ساحات نزاع مثل السودان، حيث يتداخل أثر الإسلام السياسي مع طبيعة الدولة، والجيش، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية.
    النقطة الجوهرية هنا ليست إعلان تأييد أو رفض للتصنيف، بل فهم طبيعته وحدوده، ومن يُقصد به تحديداً:
    هل هو موجّه إلى الأجنحة والأذرع المنخرطة في العنف المسلح وتمويله؟
    أم يمكن أن يتوسع، في الممارسة، ليطال نطاقاً أوسع يشمل فاعلين سياسيين ومجتمعيين يتحركون في فضاء فكري قريب؟
    بالنسبة للسودان، الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث، تبقى هذه الأسئلة مفتوحة.
    كيف سينعكس مسار التصنيفات الأميركية على فرص وقف الحرب، وعلى شكل التسوية السياسية المقبلة، وعلى قدرة المجتمع المدني – بمكوّناته المختلفة – على العمل في ظل تشابك ملفات الإرهاب، والتحالفات الإقليمية، وصراع السلطة والسلاح في الداخل السوداني؟
    هذه أسئلة قد تبدأ ملامح الإجابة عنها في الظهور مع كل خطوة تنفيذية تُتخذ في واشنطن بناءً على الأمر التنفيذي الجديد، ومع كل طريقة يتم بها استثماره أو توظيفه في الخرطوم وعواصم الإقليم.
    أمجد شرف الدين المكي – أمريكا

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

رائدات أعمال لا نازحات: كيف شكلت المرأة السودانية حياتها بعد الحرب؟

منتدى الإعلام السوداني: آلاء البرير: عطبرة، 14 فبراير 2026 (راديو البنات)- في بلدٍ أنهكته الحرب …