بقلم : تاج السر عثمان
كتب الاستاذ سيف محمد جبريل مقالا من حلقتين في (٢ يونيو و٥ يونيو ٢٠٢٦) عن د. عبد الوهاب زين العابدين سلط فيه الضوء على دوره في الحركة الوطنية.
أشار الكاتب في الحلقة الأولى إلى
” الدكتور عبد الوهاب زين العابدين. الطبيب والمناضل والمثقف والفنان. وأحد أبناء الجيل الذي ساهم في تشكيل الوعي الوطني السوداني خلال سنوات الاستعمار البريطاني. وأحد المؤسسين الأوائل للحركة السودانية للتحرر الوطني التي عرفت في بداياتها باسم الجبهة المعادية للاستعمار وأصبحت لاحقاً الحزب الشيوعي السوداني”.
نلاحظ أن الكاتب يخلط بين الحركة السودانية للتحرر الوطني التي تأسست عام ١٩٤٦ ‘ والجبهة المعادية للاستعمار..
الحركة الوطنية للتحرر الوطني (حستو) كانت اسم الحزب حتى تم تغييره في المؤتمر الثالث ١٩٥٦ للحزب الشيوعي السوداني.
اما الجبهة المعادية للاستعمار فقد كانت تحالفا واسعا ضم الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين. الخ’ والتي تأسست عام ١٩٥٤ للدخول في أول انتخابات برلمانية بعد اتفاقية الحكم الذاتي. وفاز المرحوم حسن الطاهر زروق نائبا عنها.
استمر تحالف الجبهة المعادية للاستعمار حتى انقلاب الفريق ابراهيم عبود في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨’ واندثرت بعد ذلك.
وقد لخص الشهيد عبد الخالق محجوب تجربة الجبهة المعادية للاستعمار في كتابه ” لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني” ‘ ويمكن للكاتب ان يرجع له.
٢
أشار الكاتب في الحلقة الثانية الي خلاف د. عبد الوهاب مع الحركة السودانية الي انه كان مع :
” سياسة تؤمن بأن معركة التحرر الوطني تتطلب أوسع تحالف ممكن بين القوى الوطنية. وكان يرى أن الحركة الاتحادية تمثل قوة جماهيرية كبرى داخل المجتمع السوداني، وأن التعاون معها والتحالف معها يخدم قضية الاستقلال ويعجل بهزيمة الاستعمار. ولم يكن موقفه قائماً على ذوبان الحركة الحديثة أو إلغاء استقلالها الفكري والتنظيمي كما حاول بعض خصومه أن يصوروا الأمر لاحقاً، بل كان قائماً على فكرة التحالف الوطني الواسع وتوحيد الصفوف في مواجهة المستعمر.وفي المقابل كان هناك اتجاه آخر داخل الحركة يرى أن الحفاظ على الاستقلال التنظيمي والفكري يمثل أولوية قصوى، وأن أي اقتراب كبير من الحركة الاتحادية قد يؤدي إلى ذوبان الحركة الجديدة داخل تيار سياسي أكبر وأكثر نفوذاً جماهيرياً”.
فهل هذا صحيح؟
لاجدال حول دور عبد الوهاب زين العابدين في الحركة الوطنية’ ويحفظ التاريخ له انه :
- من المؤسسين للحركة السودانية للتحرر للوطني.وساهم في تأسيس فروعها في الخرطوم وام درمان والخرطوم بحري ووسط الطلاب و عطبرة. الخ.
- وقبل تأسيس الحركة السودانية عام ١٩٤٦’ كان د. عبد الوهاب ناشطا في مؤتمر الخريجين مع قادة الحركة السودانية الآخرين مثل :حسن الطاهر زروق وحسن سلامة.
- كان عبد الوهاب زين العابدين سكرتيرا لمؤتمر الخريجين عام 1946.مما يشير إلى أن نشأة الحركة السودانية كانت امتدادا لتطور الحركة الوطنية حتى قيام مؤتمر الخريجين الذي كان بعض مؤسسيه مشاركين فيه. بل كانت امتدادا لثورة ١٩٢٤ فقد كان والد كل من عبد الوهاب زين العابدين عبد التام والتيجاني الطيب بابكر وعز الدين على عامر وعبد الخالق محجوب عثمان من ثوار ١٩٢٤’ كان والد عبد الخالق يلقب ب”محجوب الرقيق” مسؤولا مع عرفات محمد عبدالله عن الطباعة السرية لمجلة “اللواء الأبيض” التي كانت تعبر عن لسان حال حركة ١٩٢٤.
- أما بخصوص ما أشار اليه سيف حول الخلاف في الحركة و الوضع القيادي والصراع من أجل استقلال الحركة السودانية ، فقد كان أول سكرتير للحزب تمّ إنتخابه في أغسطس 1946 د. عبد الوهاب زين العابدين.
- في صيف 1947 نشب الصراع الداخلي حول وجود الحزب المستقل، كانت مجموعة عبد الوهاب زين العابدين ترى انه لا داعي لوجود مستقل للحركة ‘ بل يجب أن تكون جناحا يساريا في الاحزاب الاتحادية’ اي كانت مجموعة د. عبد الوهاب زين العابدين تعارض الوجود المستقل للحركة السودانية ، وتم فصل عبد الوهاب ومجموعته من الحركة السودانية للتحرر الوطني ” حستو “.
بعدها واصل د. عبد الوهاب نشاطه في الاحزاب الاتحادية’ وسفيرا للسودان في الصين بعد انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩. - في الفترة من صيف 1947 وحتي يونيو 1948 ، كانت هناك قيادة جماعية للحزب تتكون من: عبد القيوم محمد سعد ‘ آدم ابوسنينة’ خضر عمر وأحمد محمد خير، وهي التي قادت الصراع الداخلي ضد مجموعة د. عبد الوهاب زين العابدين التي كانت تري لا ضرورة لوجود تنظيم مستقل للحزب.
*وفي صيف 1947 جاء عبد الخالق الذي كان طالبا في مصر في إجازة وتوجه الي عطبرة وساهم مع الشفيع أحمد الشيخ وقاسم امين وهاشم السعيد والجزولي سعيد وارباب العربي ومحي الدين محمد طاهر وجمبلان والحاج عبد الرحمن وغيرهم في تأسيس هيئة شؤون العمال وقدم المساعدات الفكرية والسياسية والتنظيمية في تاسيس نقابة مستقلة لعمال السكة الحديد ووثق علاقته مع عمال عطبرة. - أصبح عوض عبد الرازق سكرتيرا للحزب عام 1948 بعد أن عاد نهائيا من مصر في يونيو من العام نفسه.
- عاد عبد الخالق من مصر نهائيا من مصر في فبراير 1949 ، وكان قد عاني من مرض الدرن بسبب السجن في معتقل” هاكستيب “، وعاد برئة واحدة بعد استئصال الأخري.
•اصبح عبد الخالق محجوب سكرتيرا للحزب عام 1949 بعد أن طلب عوض عبد الرازق من اللجنة المركزية التي كانت قائمة والتي كانت سكرتاريتها تتكون من: د. موريس سدرة ود. عبد القادر حسن. الخ، طلب إعفاؤه من مسؤولية السكرتير العام واسنادها لعبد الخالق لأنه الأقدر والأجدر ، واحتج عبد الخالق بمرضه ، ولكن عوض أصرّ وكشف عن حاجته لعمل لم يتوفر له بالخرطوم ، وأنه تعاقد بالفعل مع المدرسة الأهلية ببورتسودان للعمل مدرسا بها ، وتحت الالحاح قبل عبد الخالق وسافر عوض الي مقر عمله ” التجاني الطيب : قضايا سودانية، العدد الرابع أبريل 1994″.
خرج عوض عبد الرازق من الحزب بعد ان انعقد المؤتمر الثاني في 1951م، والذي حسم الصراع الفكري الداخلي في اتجاه دراسة النظرية في ارتباط بالواقع، واستقلال الحزب، المشكلة لم تكن في الصراع الفكري والذي يعتبر ضرورة حيوية لتطور الحزب، ولكن مشكلة مجموعة عوض عبد الرازق بعد المؤتمر الثاني شرعت في التدبير لاول انقسام في تاريخ الحزب الشيوعي ، ونفذ مخططه في فبراير 1952م،علما بانه لم يكن هناك ما يستدعي الانقسام ، فقد اتيحت الفرصة لعوض ومؤيديه كل فرص التعبير عن أرائهم بما فيها التقرير الذي قدمه عوض عبد الرازق للمؤتمر الثاني للحركة السودانية. لم يصبر عوض عبد الرازق علي الديمقراطية ولم يواصل في الحزب ويدافع عن رأيه من داخلة، وهذا في حد ذاته مسلك غير ديمقراطي، اذا لم تقبل الاغلبية رأيك تنقسم وتخرج من الحزب. واسس المنقسمون بعد خروجهم ( الجبهة الوطنية) واصدروا جريدة اسبوعية وساروا علي خط أساسه الهجوم علي الحزب الشيوعي ( التيجاني الطيب : قضايا سودانية العدد الرابع ابريل 1994). ولكن الانقسام فشل في حل المشاكل التي دعا الي حلها، وحدثت انقسامات اميبية داخل الانقسام نفسه، بدأت بمجموعة بدر الدين سليمان، وكما عبر بدر الدين سليمان نفسه في احدي اللقاءات الصحفية أن الانقسامات لاتحل مشكلة ، الاجدي، حل المشاكل من داخل الحزب.
وفشل الانقساميون في ترجمة الكتب الماركسية والتعليم الحزبي ،وفشلوا في تنظيم العمال والمزارعين، والواقع حتي في ترجمة الكتب الماركسية كانت مساهمة عبد الخالق والجنيد علي عمر والوسيلة كانت اكبر من مساهمة مجموعة عوض عبد الرازق، وانزوى الانقسام في ركن النسيان دون انجاز فكري وسياسي يذكر.
بعد هزيمة انقسام عوض عبد الرازق ترسخ في الحزب الشيوعي مفهوم أن الطريق الوحيد لاستيعاب الماركسية هو بالارتباط بالواقع، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتطور النظرية، وكما قال الشاعر الالماني جوته: النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما.
مع تقديري لجهد سيف الدين محمد جبريل في تسليط الضوء على دور عبد الوهاب زين العابدين في الحركة الوطنية.
alsirbabo@yahoo.co.uk
