بقلم: أ. عمر النعيم عمر
تمهيد
منذ تشكّل الدولة القومية الحديثة في أعقاب معاهدة ويستفاليا (1648)، ظلّت هذه البنية السياسية تُحتفى بها بوصفها تتويجاً لسيادة الإرادة الجمعية داخل حدود جغرافية معلومة. بيد أنّ العقد الاجتماعي الذي أقام هذا الكيان، آخذ في التآكل، ليس بفعل الغزو الخارجي، بل نتيجة احتقانات إثنية متراكمة تتنامى في ظلال عجز المركز عن تمثيل الهامش.
إنّ أخطر ما يتهدّد البُنى الوطنية في زماننا ليس النزاعات المسلحة العابرة، بل التصدّعات الإثنية الداخلية التي تعصف بالتماسك الوطني، وتكشف هشاشة مفهوم “الدولة الواحدة – الشعب الواحد”. وفي ظل التقدم التقني المتسارع، لا سيما في الذكاء الاصطناعي ونظم الحكم اللامركزي، فإنّ السؤال الحاسم لم يعد: “هل يمكن احتواء الصراع الإثني؟”، بل أصبح: “ماذا لو أفضى هذا الصراع إلى نهاية الدولة كما نعرفها؟”
المسألة قيد النظر: تعريف وتفكيك المفهوم
الصراع الإثني لا يُختزل في مجرد اختلاف ثقافي أو لغوي، بل هو تعبير عميق عن غياب التمثيل العادل في منظومة السلطة والثروة. وغالباً ما تنشأ هذه النزاعات في سياقات ما بعد الاستعمار، حيث رُسمت حدود الدول بمداد خارجي، دون اعتبار للتكوينات الاجتماعية والروابط التاريخية.
إنّ هذا النمط من الصراع يختلف عن الثورات أو الحروب الأهلية ذات الطابع السياسي المحض، فهو صراع وجودي يُعيد مساءلة مشروعية الدولة نفسها، ويطرح بدائل جذرية لمفهوم السيادة، بل ولمبدأ المركزية ذاته.
الوضع العالمي الراهن: توصيف وتداعٍ
تشير بيانات مراكز الدراسات الدولية إلى تصاعد لافت في عدد النزاعات الإثنية خلال العقد الأخير، حيث بلغت نسبتها أكثر من 40% من النزاعات الداخلية حول العالم. وتمتد هذه التوترات من الشيشان إلى تيغراي، ومن إقليم كشمير إلى بورما، ومن كردستان إلى أوكرانيا الشرقية، ما يؤشر إلى نمط عالمي يطال حتى الدول ذات البنية المؤسسية الراسخة.
وبموازاة هذا التحوّل، يشهد العالم صعوداً مذهلاً في أدوات الحوكمة الذكية، بدءاً من الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ومروراً بالبلوكتشين والعقود الذكية، وصولاً إلى منصات التصويت الرقمي والإدارة اللامركزية للموارد. هذه المنظومات لا تُعنى بالهويات، بل تتعامل مع البيانات واللوغاريتمات والشفافية الحسابية، ما يجعلها أكثر قدرة – نظرياً – على إرساء عدالة توزيعية لا تُميز على أساس العِرق أو الجغرافيا.
مآلات مستقبلية: الدولة القومية إلى زوال؟
إنّ استمرار تجاهل المطالب الإثنية، أو التعامل معها بمنطق الإخماد الأمني، قد يُسرّع من تآكل الدولة المركزية، لا سيما في ظل تصاعد أجيال رقمية ترى في التقنية بديلاً عن السياسة، وفي الحوكمة الذكية بديلاً عن البيروقراطيات المتآكلة.
وبحلول عام 2050، قد نشهد تحوّل العديد من الدول إلى اتحادات إقليمية تُدار ذاتياً، لكل منها نظم حكم وخوارزميات تخصها، ضمن إطار “سيادة تشاركية لامركزية” يُعاد فيها تعريف الحدود والسلطات والعقود الاجتماعية. لن تكون الخريطة السياسية حينها قائمة على الجغرافيا وحدها، بل على شبكات الحكم الذكي والتوزيع العادل للقوة والمعلومة.
مداخل للحل: إعادة اختراع الدولة
- صياغة دساتير تعاقدية جديدة، تُعلي من شأن التعدد الثقافي وتحمي الخصوصيات دون الإخلال بالوحدة الوطنية.
- تبنّي نظم لامركزية رقمية تتيح توزيع السلطة والثروة على أسس موضوعية ومدعومة تقنياً، بعيداً عن أهواء النخب الحاكمة.
- استثمار الذكاء الاصطناعي كأداة لتخفيف التوترات، من خلال تصميم نظم إنذار مبكر، وتحليل بيانات النزاعات، وتقديم حلول عادلة غير متحيّزة.
- إنشاء “هوية جامعة تحالفية” تتجاوز الإثنيات دون أن تلغيها، وتقوم على المصالح الاقتصادية والتكافل الرقمي.
توصيات استراتيجية
على الحكومات أن تُبادر إلى تفكيك المركزية الطاغية، وإعادة هندسة الدولة بما يليق بواقع إثني شديد التنوع.
ينبغي إدماج الذكاء الاصطناعي في صنع السياسات الداخلية، لا كأداة مراقبة، بل كوسيلة لإنصاف المكونات الاجتماعية وتخفيف الاحتقان.
على المؤسسات الدولية إعادة تعريف مفهوم “السيادة”، بما يتواءم مع الحوكمة الرقمية، والتعدد الثقافي، والنماذج اللامركزية.
على الشعوب المستضعفة أن تُناضل من أجل “التمكين الذكي”، لا من أجل الانفصال الفوضوي، وذلك من خلال امتلاك أدوات التقنية وتطوير منصاتها.
خاتمة: مرافعة من أجل الدولة المستقبلية
نحن لا نعيش فقط في عصر ما بعد الحداثة، بل في طور ما بعد الدولة كما تشكلت تاريخياً. الصراع الإثني، إذا تُرك بلا علاج، لن يهدد فقط وحدة الدول، بل سيُعيد تشكيل النظام العالمي برمّته. وإن لم تُبادر النخب السياسية والفكرية إلى هندسة عقد اجتماعي جديد، تشاركي، متعدد، ومدعوم تقنياً، فإن الدولة القومية مرشّحة للانقراض، لتحل محلها كيانات هجينة، غير مركزية، يديرها الذكاء الاصطناعي، ويتشاركون في إدارتها لا الحكومات، بل المجتمعات.
المراجع المختارة:
Horowitz, Donald. Ethnic Groups in Conflict, University of California Press, 1985.
Cederman, L.-E. et al. “Horizontal Inequalities and Ethnonationalist Civil War”, APSR, 2011.
Nguyen & Dinh. “Blockchain-Based Decentralized Governance Models”, Journal of Web Engineering, 2020.
IBM Institute. The Rise of Cognitive Government, 2021.
E-Estonia Briefing Centre. How Estonia became a digital society, 2023.
International Crisis Group. Ethiopia’s Tigray War, 2021.
BBC Africa. Biafra Rising Again?, 2022.
HRW. India: Abuses in Jammu and Kashmir, 2020
mazmmoum@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم