تقرير CNN … سقوط خطاب الإستعلاء المهني والأخلاقي

khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
لم يأتِ التقرير الاستقصائي المشترك الذي بثّته شبكة CNN بالتعاون مع Lighthouse Reports بوصفه مادة إخبارية عابرة، بل كوثيقة اتهام مصوّرة بُنيت على طبقات كثيفة من الأدلة، والشهادات، والتحقق الجغرافي والزمني، لإعادة تركيب ما جرى في ولاية الجزيرة، وتحديدًا في مدينة ود مدني، خلال الأيام التي أعقبت دخول الجيش السوداني وحلفائه إلى المدينة في يناير من العام الماضي. التقرير لا يكتفي بعرض مشاهد العنف، بل يربطها بسياق عملياتي واضح، يُظهر أن الانتهاكات لم تكن أفعالًا منفلتة، بل وقعت ضمن مسار عسكري أمني منظم بعد بسط السيطرة، لا أثناء الاشتباك.

بحسب التحقيق، نفّذت قوات من الجيش السوداني، مدعومة بتشكيلات مسلحة متحالفة معه، عمليات قتل مباشرة بحق مدنيين، استندت في استهدافها إلى الاشتباه بالانتماء العرقي أو الجغرافي، لا إلى أي معايير قتالية. وقد وثّق التقرير، عبر مقاطع فيديو نُشرت على منصات مغلقة، مشاهد لمدنيين جرى احتجازهم وضربهم ميدانيًا، ثم إعدام بعضهم بإطلاق النار المباشر، بينما أُلقيت جثث آخرين في قنوات الري المنتشرة في محيط المدينة.

ويُظهر التحقيق أن هذه الوقائع تركزت في مواقع محددة، أبرزها محيط ما يُعرف بجسر الشرطة، حيث تحققت CNN من صحة مقاطع مصوّرة تعود إلى الثاني عشر من يناير، تُظهر جثثًا ملقاة في المكان، قبل أن تُزال في اليوم التالي، وفق صور لاحقة التُقطت للموقع ذاته. وينقل التقرير عن مسؤولين محليين أن الضحايا الذين سقطوا في تلك المنطقة دُفنوا لاحقًا في مقابر جماعية، مؤكدين أن هذا الأسلوب لم يكن الوحيد الذي استُخدم لإخفاء الجثث.

التقرير يتوسع في عرض طبيعة الضحايا، مشيرًا إلى أن من بين القتلى نساءً وأطفالًا، وأن كثيرين منهم وُصموا زورًا “بأنهم “متعاونون مع قوات الدعم السريع دون تقديم أدلة، وهو توصيف استُخدم كذريعة للقتل الفوري. كما نقل التحقيق شهادة لضابط في الجيش أفاد بأن التعليمات كانت تقضي بإطلاق النار على كل من يُشتبه في انتمائه إلى مناطق جبال النوبة أو غرب السودان أو جنوبه، “وفق منطق ما عرف “بالوجوه الغريبة.

واعتمد التحقيق على حزمة واسعة من الأدوات التقنية، شملت تحليل صور أقمار صناعية، وبيانات حرائق، ومطابقة الظلال الزمنية في مقاطع الفيديو وربطها بإحداثيات دقيقة، إلى جانب مقابلات مع شهود عيان وناجين. وبلغ حجم المواد البصرية قرابة ستمائة مادة موثّقة، شملت تسجيلات وصورًا وخرائط وتقارير منظمات محلية ودولية. ويؤكد التقرير أن نمط العنف الذي رافق دخول الجيش إلى ود مدني لم يكن معزولًا، بل يعكس توجهًا متكررًا في مناطق أخرى، مع تركيز خاص على السكان من أصول غير عربية، بمن فيهم نازحون من دارفور وجنوب السودان، وأن هذه الانتهاكات وقعت بعد إعلان السيطرة بأيام، بما ينفي فرضية الفوضى ويعزز فرضية الفعل المنظم.

لكن خطورة التقرير لا تكمن في حجم الأدلة ولا في دقة التحقق، بل في ما يفرضه من أسئلة لا مهرب منها. فحين تتكرر أنماط القتل، ويتطابق منطق الاشتباه، وتُنفّذ الجرائم بعد بسط السيطرة، يصبح من العبث التعامل معها بوصفها “تجاوزات”. نحن أمام منظومة عنف لها لغة وأدوات وذاكرة وسوابق، وتاريخ طويل في إدارة الحرب داخل المجتمع لا على جبهاته فقط. من هنا لا يعود السؤال هل ارتُكبت جرائم في ود مدني، فذلك حُسم بالدليل، بل كيف ولماذا تتكرر الجريمة كلما تحولت الدولة إلى سلطة عسكرية مؤدلجة، وكيف يصبح الجيش وعاءً تتجسد فيه أزمات السودان كلها؛ أزمة الهوية، وأزمة المركز والهامش، وأزمة الدولة التي لم تُحسم علاقتها بمواطنيها إلا بالقوة.

تقرير CNN لا يصنع الحقيقة بقدر ما يزيح الغطاء عنها. وما كُشف في الجزيرة ليس حادثة استثنائية، بل حلقة جديدة في سلسلة تبدأ من الجنوب، وتمر بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، لتصل اليوم إلى قلب السودان الزراعي والاجتماعي. الفارق أن الجريمة هذه المرة اقتربت من المركز، فلم يعد ممكنًا إخفاؤها خلف لغة الأمن ولا تبريرها بخطاب الحرب الوجودية.

وحين نضع الوقائع في سياقها الأوسع، تتبدّى حقيقة لا يجوز القفز فوقها؛ الجيش السوداني لم يكن يومًا مؤسسة محايدة خرجت عن مسارها فجأة، بل كان تاريخيًا الأداة الأسهل لحسم الخلافات السياسية، والبديل الدائم عن السياسة، والحارس غير المُساءَل لمنطق المركز. ومع كل انقلاب ازداد ابتعادًا عن وظيفته الأصلية، وازداد التصاقًا بالسلطة والاقتصاد والأيديولوجيا. هذا المسار بلغ ذروته مع الحركة الإسلامية، التي لم تكتفِ باختراق المؤسسة العسكرية، بل أعادت تشكيلها عقائديًا، فصار المدني احتمال تهديد، وصارت الحرب وسيلة حكم.

العنف الموثّق لا يُفهم خارج هذه العلاقة. حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى حامل أيديولوجي، يصبح القتل فعلًا مُبرَّرًا، وتتحول الهوية إلى معيار أمني، ويُعاد تعريف الوطنية بوصفها اصطفافًا لا حقًا. هنا لا تعود الجريمة خطأً، بل سياسة، ولا يعود الإنكار كذبًا، بل جزءًا من إدارة الصراع. وهذا يفسّر تكرار أنماط القتل ذاتها بنفس اللغة والذرائع، رغم اختلاف الجغرافيا.

أما الحركة الإسلامية فليست كما يوصفها الكثيرون انها تمثل “قوة ضاغطة” على الجيش، بل هي في الاصل عقل الحرب نفسه؛ ترى في السلام تهديدًا، وفي التسوية خسارة، وفي الدولة المدنية نهاية مشروعها. لذلك كان استمرار الحرب خيارًا واعيًا لا اضطرارًا. وكلما انكشف هذا الخيار، جرى الاحتماء بخطاب الكرامة والسيادة لإعادة إنتاج الخوف بدل السياسة.

وفي المقابل، لم يكن المجتمع الدولي خصمًا ولا متآمرًا. حاول، بحدود الممكن، كبح الانهيار ودعم المسارات المدنية والضغط لوقف الحرب، لكنه اصطدم بحقيقة قاسية؛ لا يمكن فرض السلام على مؤسسة ترى في الحرب شرط بقائها. تقارير تقصي الحقائق، والإدانات، والعقوبات أدوات ضغط، لا بدائل عن فعل سوداني قادر على كسر المنظومة.

ما فعله التقرير أنه أسقط السردية الأخيرة التي احتمى بها الجيش وحلفاؤه. حين يُوثَّق القتل بعد السيطرة ويُربط بالقرار لا بالفوضى، تسقط فكرة الحرب النبيلة ويتحوّل الجيش إلى طرف كامل المسؤولية سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا. الخطر ليس في التقرير بل في طريقة استيعابه؛ إن عومل كفضيحة عابرة أُضيف إلى أرشيف طويل لم يغيّر شيئًا، وإن عومل كمدخل لإعادة طرح السؤال الجوهري عن الدولة والجيش والقطيعة مع السلاح المؤدلج، صار له معنى يتجاوز لحظة النشر.

في السودان ليست المشكلة في قلة الأدلة، بل في اعتياد الجريمة. وليست المأساة في غياب التقارير، بل في غياب القطيعة؛ القطيعة مع فكرة إصلاح الجيش دون مساءلة، ومع وهم تحييد الحركة الإسلامية دون تفكيك، ومع إدارة حرب تبتلع المجتمع كله.

ظلّ الجيش السوداني، طوال هذه الحرب، يتكئ على خطاب طهراني متعالٍ، يقدّم فيه نفسه بوصفه الحارس الأخير للأخلاق الوطنية، والدرع الذي يخوض “حرب كرامة” نيابة عن شعب أعياه الانقسام والتمرد. هذا الخطاب لم يكن جديدًا، بل هو الامتداد الطبيعي لسردية قديمة لازمت المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال، تقوم على ادعاء النقاء، واحتكار الوطنية، وتبرئة الذات من الجريمة باعتبارها دومًا فعل الآخرين. غير أن ما كشفه تقرير CNN لم يكن فضحًا لمجهول، بقدر ما كان كسرًا رسميًا لحجاب الإنكار الذي طالما احتمت به القيادة العسكرية؛ فقد قال التقرير، بالأدلة المصوّرة والمنهج الاستقصائي، ما يعرفه السودانيون منذ عقود؛ أن الجيش، في لحظات الأزمات الكبرى، لم يكن خارج المأساة، بل في قلبها، ولم يكن ضحية انحرافات فردية، بل شريكًا في صناعة العنف، وتكريس منطق الدولة التي تقتل باسم الطهر، وتبرّر الدم باسم الوطن.

في هذا التوقيت بالذات، يكتسب تقرير CNN دلالته الأخطر، لا بوصفه توثيقًا لجرائم وقعت وانتهت، بل بوصفه حدثًا سياسيًا متداخلًا مع لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. فالتقرير لم يخرج في فراغ، ولم يُبث في زمن رمادي، بل جاء بعد أربعٍ وعشرين ساعة فقط من لقاء الفريق عبد الفتاح البرهان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وما أعقبه من تصريحات بدت، لأول مرة منذ اندلاع الحرب، مائلة إلى لغة التهدئة، والانفتاح على العمل مع الولايات المتحدة، ومع مسعد بولس، ومع مسار السلام الذي ترعاه الرباعية.

هنا، لا يمكن فصل التوقيت عن المعنى. فبينما كان البرهان يرسل إشارات إيجابية إلى الخارج، تتحدث عن تعاون، ووقف إطلاق نار، واستعداد سياسي للانخراط في مسار دولي، جاء التقرير ليضع على الطاولة الصورة الأخرى للدولة التي يتحدث باسمها؛ دولة تُدار فيها الحرب بعقلية الاشتباه، وتُمارس فيها السلطة بالعنف، وتُرتكب فيها جرائم لا يمكن تكييفها كأخطاء حرب، بل كأفعال ممنهجة ذات طابع عرقي وسياسي.

هذا التزامن لا يربك المشهد فحسب، بل يكشف عمق التناقض داخل بنية القرار السوداني نفسها. فمن جهة، هناك خطاب خارجي جديد تحاول القيادة العسكرية تقديمه، مدفوعًا بالضغط السعودي، والأمريكي، وتحركات الرباعية، ومن جهة أخرى، هناك واقع ميداني وسجل دموي ثقيل، لا يمكن القفز فوقه ولا شطبه بخطاب حسن النية. التقرير، في هذا السياق، لا يُفشل مسار السلام، بل يضعه أمام شرطه الحقيقي؛ لا سلام بلا مساءلة، ولا شراكة دولية بلا مواجهة صريحة مع ما ارتُكب.

الرباعية، التي تحاول منذ شهور إعادة الإمساك بخيوط الأزمة السودانية، تدرك أن المشكلة لم تعد تقنية ولا إجرائية. ليست أزمة وقف إطلاق نار فحسب، ولا أزمة ترتيبات سياسية مؤجلة، بل أزمة طبيعة السلطة التي تدير الحرب. ومن هنا، يصبح تقرير CNN جزءًا من لوحة الضغط، لا لإسقاط طرف بعينه، بل لإجبار الجميع، وعلى رأسهم الجيش، على الخروج من المنطقة الرمادية التي طالما احتموا بها؛ منطقة الحديث عن السلام دون تحمّل كلفته الأخلاقية والسياسية.

أما السعودية، التي بات دورها مركزيًا بحكم موقعها الإقليمي وعلاقتها بطرفي الصراع وبواشنطن، فهي تجد نفسها أمام اختبار دقيق. فاستقرار السودان لم يعد مسألة وساطة فحسب، بل مسألة إعادة تعريف من هو الشريك القابل للاستمرار. اللقاء مع البرهان، بما حمله من رسائل إيجابية، لا يمكن فصله عن إدراك الرياض أن أي تسوية حقيقية تتطلب جيشًا منضبطًا، غير مؤدلج، وقابلًا للمساءلة، لا مؤسسة عسكرية أسيرة لشبكات الحركة الإسلامية ومنطق الحرب الدائمة.

الولايات المتحدة، من جهتها، لم تعد تتعامل مع السودان من زاوية إدارة أزمة فقط، بل من زاوية منع انفجار إقليمي أوسع، في ظل تداخل الحرب السودانية مع ملفات البحر الأحمر، والهجرة، والإرهاب، والتنافس الدولي. ودخول مسعد بولس على الخط لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا على أن واشنطن تريد اختبار جدية الخطاب العسكري، لا الاكتفاء بسماعه. وفي هذا الإطار، جاء التقرير ليقول بوضوح؛ الكلمات وحدها لا تكفي، والسجل لا يُمحى بالتصريحات.

المشهد، إذن، ليس مرتبكًا صدفة، بل لأنه يعكس صراعًا داخل السلطة نفسها؛ بين جناح يدرك أن الحرب وصلت نهاياتها المسدودة، وأن العزلة الدولية لم تعد محتملة، وجناح آخر ،أعمق وأكثر تجذرًا يرى في أي سلام تهديدًا وجوديًا، وفي أي مساءلة بداية النهاية. وهذا بالضبط ما يجعل ود مدني ليست مجرد جريمة، بل رسالة، وما يجعل التقرير ليس مجرد توثيق، بل تدخلًا في لحظة مفصلية.

الخطر الحقيقي الآن ليس في التقرير، ولا في الضغوط الدولية، بل في محاولة القفز السريع إلى تسوية سياسية دون تفكيك البنية التي أنتجت الجرائم. سلام بلا عدالة سيكون هدنة مؤقتة، ودولة بلا مساءلة ستعيد إنتاج الحرب بأشكال أخرى. والتجربة السودانية، منذ الاستقلال، شاهدة على أن تجاهل الجذور لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.

في هذه اللحظة، يقف السودان عند مفترق طرق حقيقي. إما أن تُترجم الإشارات الإيجابية إلى مسار واضح؛ وقف حرب، تفكيك هيمنة الإسلاميين على المؤسسة العسكرية، فتح باب المحاسبة، وإعادة بناء الدولة على أساس مدني؛ وإما أن تبقى مجرد لغة دبلوماسية ناعمة تُخفي واقعًا دمويًا صلبًا، سرعان ما سينكشف من جديد، بتقرير آخر، ومقبرة أخرى، ومدينة أخرى.

تقرير CNN لم يُعقّد المشهد، بل كشف تعقيده. ولم يُربك مسار السلام، بل فضح هشاشته إن لم يُبنَ على الحقيقة. وفي حربٍ طالت، وتكالبت عليها المصالح، وتداخلت فيها الإقليمية بالدولية، تبقى الحقيقة، مهما تأخرت، هي الشرط الوحيد للخروج من النفق. وكل سلام لا يمر عبرها، لن يكون إلا استراحة قصيرة في حربٍ أطول.

لم يعد كافيًا الحديث عن محاسبة أفراد، أو تغيير قيادات، أو تصحيح مسار مؤقت. ما تكشفه هذه الحرب، وما ثبّته التقرير، هو أن مشكلة الجيش السوداني أعمق من لحظة، وأقدم من انقلاب، وأخطر من جنرال. نحن أمام إرث تاريخي وثقافة مؤسسية وعقيدة قتال تشكّلت عبر عقود على فكرة العدو الداخلي، واحتقار المدني، وتقديس السلاح بوصفه مصدر الشرعية. لذلك فإن أي حديث جاد عن مستقبل السودان يمر حتمًا عبر إعادة بناء الجيش من الجذور؛ إعادة صياغة تاريخه الرسمي بلا تزييف، تفكيك أساطير النقاء والعصمة، وإعادة تأسيس عقيدته العسكرية على حماية الإنسان لا إخضاعه، وعلى الدفاع عن الدولة لا السيطرة عليها، وعلى الخضوع للسلطة المدنية لا الوصاية عليها. جيشٌ بلا هذه القطيعة الجذرية سيظل، مهما تغيّرت الوجوه، يحمل بذور الكارثة نفسها، ويعيد إنتاجها في كل حرب قادمة. فإما جيش يُعاد بناؤه بعقيدة وطنية مدنية حديثة، أو دولة تُترك رهينة لإرث السلاح… والتاريخ في السودان لا يمنح فرصة ثالثة.

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

الوعي حين يُولد لا يموت…ثورة ديسمبر باقية!!

khirawi@hotmail.comعلاء خيراويليس لأنها انتصرت سياسياً، بل لأنها انتصرت وجودياً. فالانتصار السياسي يمكن الانقلاب عليه بالدبابة، …