تقلبات أسعار النفط… من يحرك البرميل؟

منبر بنيان مقالات من نبض الواقع، ،بمرجعيه بطون كتب
ليس النفط مجرد سلعة.
إنه عصب صناعي، ورافعة مالية،
وسلاح سياسي، ومؤشر نفسي للأسواق.

حين يرتفع سعر البرميل ترتجف موازنات دول، وحين يهبط تتبدل خرائط نفوذ.

السؤال ليس: لماذا يرتفع النفط أو ينخفض؟
السؤال الأعمق: ما الذي يجعل هذه السلعة بالذات شديدة الحساسية إلى هذا الحد؟

أولاً:
الأسباب… ما الذي يحرك السعر؟
العرض والطلب…
لكن ليس ببساطة الكتب المدرسية
في الظاهر، يتحرك السعر وفق قانون العرض والطلب.
لكن سوق النفط ليس سوقاً تنافسياً حراً بالكامل.
جزء كبير من المعروض تسيطر عليه دول مجتمعة ضمن منظمة الدول المصدرة للبترول، التي تؤثر عبر سياسات الإنتاج في توازن السوق.

حين تقرر أوبك خفض الإنتاج، يقل المعروض، فيرتفع السعر.
وحين تزيد الإنتاج، ينخفض السعر — نظرياً.

لكن الواقع أعقد:
الولايات المتحدة، عبر النفط الصخري، أصبحت لاعباً مستقلاً يغيّر معادلة السوق.
كما أن دولاً مثل روسيا والسعودية لا تتصرفان فقط بدافع اقتصادي، بل أيضاً باعتبارات جيوسياسية.

الجغرافيا السياسية… النفط ابن التوتر
النفط يتمركز في مناطق حساسة سياسياً.
أي توتر في الخليج، أو عقوبات على دولة منتجة، أو حرب إقليمية، يضيف ما يُسمى “علاوة المخاطر” إلى السعر.

سوق النفط يتفاعل أحياناً مع احتمال الأزمة أكثر من الأزمة نفسها.
الأسعار تتحرك بالتوقعات، لا فقط بالوقائع.

الاقتصاد العالمي… شهية الصين وأوروبا وأمريكا
حين ينمو الاقتصاد العالمي بقوة، يرتفع الطلب على الطاقة.
الصين تحديداً أصبحت محركاً أساسياً للطلب.

أما في حالات الركود، كما حدث في أزمة 2008 أو جائحة كورونا، فقد انهار الطلب بشكل مفاجئ،
ووصلت الأسعار في لحظة تاريخية إلى مستويات غير مسبوقة، بل سالبة في بعض العقود الآجلة.

المضاربات المالية
النفط اليوم ليس مجرد برميل يُنقل في ناقلة.
هو أيضاً أداة مالية تُتداول في أسواق العقود المستقبلية.
صناديق التحوط والمستثمرون الكبار يؤثرون في الأسعار عبر رهاناتهم على المستقبل.

وهنا ننتقل من اقتصاد السلع إلى اقتصاد التوقعات.

ثانياً:
النتائج… من يدفع الثمن ومن يجني العائد؟

الدول المنتجة
الدول الريعية التي تعتمد موازناتها على النفط تتأثر مباشرة.
ارتفاع السعر يعني فوائض مالية، وانخفاضه يعني عجزاً وضغوطاً على الإنفاق العام.

هنا يتكرر السؤال الذي طرحته أدبيات الاقتصاد السياسي منذ عقود:
هل الاعتماد على مورد واحد يخلق هشاشة بنيوية؟
الدول المستهلكة
ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكاليف النقل، والصناعة، والكهرباء.
وهذا ينعكس تضخماً في الأسعار، ويضغط على البنوك المركزية لرفع الفائدة.
سعر النفط إذن لا يؤثر فقط في محطات الوقود، بل في سياسات الفائدة وأسواق الأسهم والعملات.

التحول الطاقي
كل موجة ارتفاع كبيرة في الأسعار تدفع العالم للتفكير في بدائل.
الاستثمار في الطاقة المتجددة غالباً ما يتسارع عندما يصبح النفط مكلفاً.

وهنا يدخل البعد التاريخي الذي شرحه بعمق دانيال يرغن في كتابه الجائزة: البحث الملحمي عن النفط والمال والسلطة، حيث بيّن أن النفط لم يكن مجرد مصدر طاقة، بل محور صراعات وتحالفات وتغيرات استراتيجية طوال القرن العشرين.
يرغن يوضح أن كل أزمة نفطية كانت تعيد تشكيل النظام العالمي بشكل ما.
النفط ليس تابعاً للسياسة فقط، بل شريكاً في صنعها.

ثالثاً:
النفط بين السوق والسلطة
من منظور اقتصادي بحت، يمكن تحليل النفط كأي سلعة.
لكن من منظور أعمق، هو حالة خاصة من تداخل:
– الاقتصاد
– الأمن
– السيادة
– والرمزية الوطنية
ولهذا لا يمكن فصله عن نظرية “الدولة الريعية”

في علم السياسة، التي ترى أن الاعتماد على الريع النفطي قد يعيد تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع، إذ يصبح التمويل الخارجي (بيع النفط) بديلاً عن الضرائب، فتتغير ديناميكيات المساءلة والمشاركة.

رابعاً:
سؤال اليوم
هل تقلبات النفط دليل على خلل في السوق؟
أم أنها انعكاس طبيعي لسلعة تقف في تقاطع المصالح الكبرى؟
وهل المستقبل فعلاً يتجه إلى تقليل الاعتماد على النفط؟
أم أننا نبالغ في تقدير سرعة التحول الطاقي؟

نبض الواقع يقول:
كلما ظن العالم أن عصر النفط يقترب من نهايته، عاد البرميل ليثبت أنه ما زال لاعباً مركزياً.

لكن بطون الكتب تهمس بشيء آخر:
القوة التي لا تُنوّع نفسها، تُعرّض نفسها للدورات العنيفة.

عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا

sanhooryazeem@hotmail.com

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …