د. نازك حامد الهاشمي
يمتلك السودان إمكانات زراعية واسعة، بفضل تنوع موارده الطبيعية وتعدد نظم الإنتاج وتوافر الأراضي الصالحة للزراعة في مناطق مختلفة من البلاد. ومع ذلك، لم تنعكس هذه الإمكانات في مسار زراعي مستقر قادر على تحقيق نمو مستدام، وتحسين دخول المنتجين، وتعزيز الأمن الغذائي. فمنذ الاستقلال عام 1956م، ظل القطاع الزراعي متأثراً بتقلبات السياسات الاقتصادية، وتذبذب الاستثمارات، وتغير تكاليف الإنتاج والأسعار، فضلًا عن الاختلالات المؤسسية واضطرابات الأسواق التي ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة.
ولا تكمن المشكلة في تعدد هذه العوامل فحسب، بل في اختلاف آثارها على المنتجين والمستهلكين. فارتفاع تكاليف الإنتاج قد يحد من قدرة بعض المزارعين على مواصلة نشاطهم، بينما يستطيع آخرون التكيف بفضل مواردهم المالية أو إمكاناتهم التخزينية وقدرتهم على الوصول إلى الأسواق. وبالمثل، لا يؤثر ارتفاع أسعار الغذاء بالدرجة نفسها على جميع الأسر، إذ تتفاوت قدرتها على تحمل تكاليف المعيشة بحسب الدخل ومصادر كسب العيش ومدى اعتمادها على شراء الغذاء من الأسواق.
وتزداد أهمية هذا التحليل في السودان في ظل الاضطرابات التي شهدها النشاط الاقتصادي وحركة السلع بسبب الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م، وما صاحبها من اضطرابات في النشاط الاقتصادي وسبل العيش وحركة السلع. وفي هذه الظروف، لا يكفي تفسير تقلبات القطاع الزراعي من خلال تغير الإنتاج أو الأسعار وحدهما؛ بل يصبح من الضروري فهم كيفية انتقال آثار الصدمات عبر الأسواق، والعوامل التي تجعل بعض الفئات أكثر تعرضًا لها من غيرها.
تنطلق هذه المقالة من أن فهم تقلبات الاقتصاد الزراعي السوداني يتطلب الربط بين ثلاثة عناصر هي مصادر الصدمات الاقتصادية، وآليات انتقال آثارها عبر الأسواق، والاختلافات في موارد المنتجين والمستهلكين وقدرتهم على التكيف. وتسعى المقالة أيضاً إلى تقديم إطار تحليلي يساعد على فهم آثار هذه التقلبات الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد أولويات البحث وتصميم السياسات الزراعية والغذائية. ولا تستهدف المقالة اختبار هذه العلاقات ميدانيًا، بقدر ما تسعى إلى تحديد مسارات يمكن أن تنطلق منها دراسات تطبيقية تستند إلى البيانات المحلية.
لا يعمل المزارعون في السودان في ظل ظروف إنتاجية واقتصادية متشابهة. فهم يختلفون في حجم الحيازات، ونمط الإنتاج، وإمكانية الوصول إلى المياه والتمويل والمدخلات الزراعية والتكنولوجيا، فضلًا عن تفاوت صلاتهم بالأسواق والخدمات العامة. ولا تقتصر أهمية هذه الفروقات على تفسير اختلاف الإنتاجية، بل تمتد إلى تحديد قدرة المنتجين على مواجهة ارتفاع التكاليف، والتكيف مع تغير الأسعار، والاستمرار في النشاط الزراعي عند تعرضهم للصدمات.
وتنعكس هذه الاختلافات على نتائج السياسات الزراعية. فقد تستهدف برامج التمويل أو الدعم جميع المنتجين، لكن قدرتهم على الاستفادة منها قد تختلف تبعًا لشروط الحصول عليها والموارد المتاحة لكل فئة. فالمزارع الذي لا يمتلك الضمانات المطلوبة أو القدرة على تحمل المخاطر قد يواجه صعوبة في الوصول إلى التمويل، بينما قد تحد تكاليف الميكنة والنقل والمدخلات من استفادة منتجين آخرين من الخدمات المتاحة.
ولا يعني ذلك أن السياسات الزراعية تنحاز بالضرورة إلى فئات بعينها، بل إن تقييمها يتطلب النظر إلى كيفية توزيع منافعها، ومدى وصولها إلى الفئات المستهدفة. فزيادة حجم التمويل المخصص للقطاع، مثلًا، لا تكفي وحدها لإثبات تحسن أوضاع المنتجين إذا ظلت بعض الفئات عاجزة عن الحصول عليه أو استخدامه بفاعلية.
وتظهر أهمية تفاوت القدرات أيضًا عند التعرض للصدمات. فالمنتج الذي يمتلك سيولة مالية أو مرافق للتخزين قد يتمكن من شراء المدخلات في الوقت المناسب أو تأجيل بيع محصوله، بينما قد يضطر المنتج محدود الموارد إلى تقليص إنفاقه الإنتاجي أو بيع محصوله فور الحصاد لتغطية التزاماته. وقد تؤثر هذه الاختلافات في قرارات الإنتاج والاستثمار، وفي قدرة المزارعين على مواصلة النشاط من موسم إلى آخر.
ومن هنا، فإن تحليل السياسات الزراعية ينبغي ألا يقتصر على قياس أثرها الإجمالي في الإنتاج، بل يجب أن يتناول أيضًا اختلاف فرص الاستفادة منها، والقيود التي تواجه الفئات المختلفة. ويحتاج ذلك إلى بيانات تسمح بالمقارنة بين المنتجين بحسب حجم الحيازة ونمط الإنتاج والمنطقة، وتوضح العلاقة بين التدخلات العامة والإنتاج والدخل واستمرارية النشاط الزراعي. وكما تختلف قدرة المنتجين على مواجهة الصدمات، تتفاوت كذلك قدرة الأسر على تحمّل ارتفاع أسعار الغذاء. فالأسر محدودة الدخل التي تخصص نسبة كبيرة من مواردها للاحتياجات الأساسية تكون أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع الأسعار، خاصة عندما تفتقر إلى المدخرات أو مصادر الدخل البديلة، وقد تضطر في هذه الحالات إلى تقليل استهلاك بعض السلع، أو التحول إلى بدائل أقل تكلفة، أو خفض الإنفاق على احتياجات أخرى، مثل التعليم والصحة.
ولا تتشابه أوضاع جميع الأسر؛ فالأسر التي تحصل على جزء من احتياجاتها من إنتاجها الزراعي تختلف عن الأسر التي تعتمد بصورة شبه كاملة على شراء الغذاء من الأسواق. ومع ذلك، لا يعني الإنتاج الذاتي أن الأسر الزراعية محمية من تقلبات الأسعار، إذ قد تتأثر بارتفاع تكاليف المدخلات والنقل أو بانخفاض الإنتاج. كما قد تواجه صعوبات عندما تضطر إلى بيع محاصيلها بأسعار منخفضة ثم شراء احتياجاتها الغذائية في وقت لاحق بأسعار أعلى.
وتكشف هذه الحالات عن أهمية التمييز بين السعر الذي يحصل عليه المنتج والسعر الذي يدفعه المستهلك. فقد ترتفع أسعار الغذاء في الأسواق دون أن يحقق المزارع زيادة مماثلة في دخله، كما قد يستفيد بعض المنتجين من ارتفاع أسعار محاصيلهم بينما تتضرر أسر أخرى تعتمد على شراء الغذاء من السوق. ولذلك، لا يمكن تحديد الفئات المستفيدة والمتضررة من تغير الأسعار من خلال حركة الأسعار وحدها، بل ينبغي النظر إلى دخولها وتكاليفها وموقعها في منظومة الإنتاج والتسويق والاستهلاك.
كذلك، ينبغي التمييز بين ارتفاع أسعار الغذاء وتدهور الأمن الغذائي. فالأمن الغذائي لا يتوقف على السعر وحده، بل يتأثر أيضًا بتوافر السلع وإمكانية الوصول إليها واستقرار مصادر الدخل. وقد تواجه أسرة صعوبة في شراء الغذاء رغم توافره في السوق بسبب ضعف قدرتها الشرائية، بينما قد تواجه أسرة أخرى صعوبة في الحصول عليه نتيجة تعطل الإمدادات أو تعذر الوصول إلى الأسواق.
وتبرز أهمية هذه الفروق في السودان، حيث تتباين الظروف الاقتصادية والجغرافية بين المناطق، كما تتأثر حركة السلع وسبل العيش بالاضطرابات التي شهدتها بعض مناطق البلاد. ومن ثم، فإن تقييم أثر تقلبات أسعار الغذاء يتطلب معلومات لا تقتصر على متوسطات الأسعار، بل تشمل الفروق بين الأسواق والمناطق، ودخول الأسر وأنماط إنفاقها، ومدى توافر السلع وإمكانية الوصول إليها.
لا تقف آثار الصدمات الاقتصادية عند المنتج أو المستهلك النهائي، بل تنتقل عبر حلقات مترابطة تبدأ بتوفير المدخلات والإنتاج، وتمر بالحصاد والتخزين والنقل والتوزيع، وتنتهي بوصول المنتجات إلى المستهلكين. وتساعد دراسة هذه السلسلة على فهم كيفية انتقال التغيرات في التكاليف والأسعار والإمدادات، وكيفية توزيع آثارها بين مختلف المتعاملين.
فعندما ترتفع تكاليف الوقود أو المدخلات الزراعية، فسوف يواجه المزارعون زيادةً في تكاليف الإنتاج، بينما يتحمل الناقلون والتجار تكاليف إضافية لنقل المحاصيل وتخزينها وتوزيعها. وتنعكس هذه الزيادات على أسعار المستهلكين. غير أن حجم الأثر وتوقيته يختلفان بحسب طبيعة السلعة، وحجم المعروض، وتكاليف التداول، والظروف التي تعمل فيها الأسواق. وتظهر أهمية هذا الترابط عند مقارنة أسعار المنتجات في مناطق الإنتاج بأسعارها في أسواق الجملة والتجزئة. فقد يحصل المنتج على عائد منخفض، في حين يدفع المستهلك سعرًا مرتفعًا، نتيجة عوامل قد تشمل تكاليف النقل والتخزين والتداول، أو محدودية المنافسة، أو نقص المعروض. غير أن الفجوة بين السعرين لا تكفي وحدها لتحديد السبب؛ إذ يتطلب ذلك تتبع التكاليف وهوامش التداول وظروف السوق في كل مرحلة من مراحل سلسلة القيمة.
كما يمكن أن يؤدي تعطل إحدى حلقات سلسلة القيمة إلى اضطراب بقية الحلقات. فصعوبة نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج قد تقلل قدرة المزارعين على تسويق منتجاتهم، وتزيد من خسائر السلع القابلة للتلف، في الوقت الذي تواجه فيه مناطق الاستهلاك نقصًا في المعروض أو ارتفاعًا في تكاليف الحصول على الغذاء. وقد تتفاوت هذه الآثار بين المناطق تبعًا لارتباطها بالأسواق وتوافر طرق النقل والتخزين والبدائل التجارية.
وكما أشرنا سلفاً، تزداد أهمية هذا التحليل في السودان في ظل اضطراب النشاط الاقتصادي وحركة السلع خلال الحرب. غير أن تحديد حجم تأثير هذه الاضطرابات على كل محصول أو منطقة يتطلب بيانات عن تدفقات السلع، وأسعارها في مراحل التسويق المختلفة، وتكاليف نقلها وتخزينها. ومن دون هذه المعلومات، يصعب التمييز بين الارتفاع الناتج عن زيادة تكاليف التداول، والارتفاع المرتبط بنقص المعروض، والعوامل الأخرى التي قد تتداخل في تشكيل الأسعار.
وبذلك، فإن تحليل سلاسل القيمة لا يوضح فقط كيفية انتقال الصدمات، بل يساعد أيضًا على تحديد مواضع الاختناق داخل الأسواق. فإذا كانت المشكلة الأساسية في التخزين، فينبغي أن تكون الأولوية لتطوير مرافقه وتقليل الفاقد بعد الحصاد؛ وإذا كانت في النقل، فقد يتطلب الأمر معالجة القيود التي ترفع تكاليف حركة السلع. أما إذا كانت الفجوة بين سعر المنتج وسعر المستهلك كبيرة، فينبغي دراسة تكاليف التداول وظروف المنافسة قبل تحديد التدخل الملائم.
توضح الفروق بين المنتجين والمستهلكين، إلى جانب الروابط داخل سلاسل القيمة، أن التعامل مع الاقتصاد الزراعي باعتباره وحدة متجانسة قد يؤدي إلى سياسات لا تعالج أسباب المشكلة بدقة. فالاستجابة الفاعلة تبدأ بتحديد طبيعة الصدمة، ثم معرفة كيفية انتقال آثارها، وتحديد الفئات الأكثر تعرضًا لها والقيود التي تحد من قدرتها على التكيف.
وتتمثل إحدى الأولويات في تحسين المعلومات المتاحة عن القطاع الزراعي والأسواق. فبيانات الإنتاج وحدها لا تكفي لتفسير التغيرات في دخول المزارعين أو أسعار الغذاء. وهنا تبرز الحاجة إلى الربط بين تكاليف المدخلات، وأسعار المحاصيل عند المنتجين، وأسعار الجملة والتجزئة، وتكاليف النقل والتخزين، إلى جانب معلومات عن دخول الأسر وأنماط إنفاقها وخصائص نظم الإنتاج. ومن شأن هذه المعلومات أن تساعد على تحديد أسباب التقلبات بصورة أدق، عوضاً عن الاعتماد على المؤشرات الإجمالية التي قد تخفي تباينات مهمة بين مختلف المناطق والفئات.
كما ينبغي أن يستند تصميم التدخلات إلى تشخيص القيود الفعلية. فقد يحتاج بعض المنتجين إلى تمويل يتناسب مع دورات الإنتاج وقدرتهم على السداد، بينما قد تكون الأولوية في مناطق أخرى لتحسين التخزين أو النقل أو الوصول إلى المدخلات والإرشاد الزراعي. وفي جانب الأمن الغذائي، قد تتطلب بعض الحالات دعم القدرة الشرائية للأسر الأكثر تضررًا، بينما تتطلب حالات أخرى معالجة اضطرابات الإمدادات وصعوبة الوصول إلى الأسواق
وفي ظل الظروف الحالية التي يمر بها السودان، تبرز كذلك أهمية التمييز بين الاحتياجات العاجلة المرتبطة بتوافر الغذاء وحماية سبل العيش، والتدخلات الأطول أمدًا التي تستهدف استعادة القدرة الإنتاجية وتحسين أداء الأسواق. وقد تختلف الأولويات من منطقة إلى أخرى بحسب وضع الإنتاج، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، وتوافر الخدمات الأساسية. لذلك، ينبغي أن تراعي السياسات الظروف المحلية، وأن تستند إلى معلومات محدثة قدر الإمكان.
ولا يكتمل ذلك دون متابعة نتائج التدخلات وتقييمها. فمن المهم معرفة الفئات التي استفادت من البرامج، والمناطق التي وصلت إليها الخدمات، ومدى انعكاسها على تكاليف الإنتاج ودخول المزارعين وقدرة الأسر على الحصول على الغذاء. فقياس حجم الموارد المخصصة للقطاع أو مقدار الزيادة الإجمالية في الإنتاج لا يكشف وحده عن توزيع المنافع أو قدرة السياسات على معالجة القيود التي تواجه الفئات المختلفة.
تستند هذه المقاربة إلى أدبيات اقتصادية منشورة تناولت تفاوت خصائص المنتجين والمستهلكين وآثار ذلك في تحليل الأسواق والسياسات، إلى جانب الأدبيات المعنية بقياس تقلبات أسعار السلع الزراعية وانتقال آثارها بين الأسواق. ففي كتابه Accounting for Agent Heterogeneity in Market and Policy Analysis، يوضح كونستانتينوس جياناكاس (Konstantinos Giannakas, 2019) أهمية مراعاة الاختلافات بين المنتجين والمستهلكين عند تحليل نتائج التغيرات السوقية والسياسات الاقتصادية، بما يساعد على الكشف عن آثار توزيعية قد تخفيها المؤشرات الإجمالية. أما الكتاب الذي حررته إيزابيل بيو-لوبيتي وروبرت مبارك، Methods to Analyse Agricultural Commodity Price Volatility (Isabelle Piot-Lepetit and Robert M’Barek, eds., 2011)، فيتناول مناهج تحليل تقلبات أسعار السلع الزراعية، والعوامل المؤثرة فيها، وانتقال التقلبات بين الأسواق، وما يترتب عليها من تحديات أمام تصميم السياسات الزراعية والغذائية. وتتيح الاستفادة من هذين المسارين المذكورين في هاذين الكتابين بناء إطار تحليلي لدراسة الاقتصاد الزراعي السوداني يربط بين تفاوت الفاعلين، ومصادر الصدمات، وآليات انتقالها عبر الأسواق وسلاسل القيمة، مع ضرورة اختبار هذه الروابط بالبيانات المحلية بدلًا من افتراض انطباق النتائج المستخلصة من سياقات أخرى على السودان.
ويمكن ترجمة هذا المنظور إلى إطار تطبيقي يربط بين تحديد مصادر الصدمات الاقتصادية، وتحليل آليات انتقال آثارها عبر الأسواق وسلاسل القيمة الزراعية، وتقييم تفاوت مستويات التعرض لها بين الفئات المختلفة، مع تحديد العوامل التي تؤثر في قدرتها على التكيف. ولا يقتصر هذا الإطار على رصد التغيرات في الإنتاج والأسعار، بل يمتد إلى تحليل الروابط بين تكاليف الإنتاج والعوائد وظروف التسويق والموارد المتاحة للفاعلين الاقتصاديين.
ومع ذلك، لا يمثل هذا الإطار دليلًا مسبقًا على تحقق نتائج معينة في السودان، بل يوفر أساسًا لصياغة فرضيات قابلة للاختبار باستخدام البيانات المحلية. ويمكن البدء بدراسات تطبيقية محدودة لمحاصيل ومناطق مختارة، تتتبع التغيرات في تكاليف الإنتاج والأسعار والعوائد عبر مراحل التسويق، وتقارن بين المنتجين وفقًا لحجم الحيازة ونمط الإنتاج والقدرة على الوصول إلى الأسواق. ومن الممكن توسيع نطاق هذه الدراسات تدريجيًا مع تحسن توافر البيانات وجودتها، بما يتيح بناء فهم أكثر دقة لمصادر التقلبات وآليات انتقالها وتفاوت آثارها الاقتصادية والاجتماعية. ومن شأن هذا التدرج أن يساعد على التمييز بين التفسيرات المحتملة للتقلبات، وتحديد مدى انطباقها على الواقع السوداني، عوضاً عن نقل استنتاجات عامة من الأدبيات الاقتصادية المعروفة. وافتراض صلاحيتها لجميع المناطق والأنشطة الزراعية ببلادنا.
خلاصة القول إن التحدي الأساسي أمام الاقتصاد الزراعي السوداني لا يقتصر على الحد من تقلبات الإنتاج والأسعار، بل يشمل فهم كيفية توزيع آثارها بين المنتجين والمستهلكين، وتحديد الأسباب التي تجعل بعض الفئات أكثر تعرضًا لها من غيرها. ويتطلب ذلك الانتقال من التشخيص العام إلى تحليل تطبيقي يربط بين تكاليف الإنتاج والأسعار وتدفقات السلع وخصائص الفئات المتأثرة. وتتمثل الخطوة العملية في تحسين انتظام البيانات وتحديثها، وإجراء دراسات تطبيقية على محاصيل ومناطق مختارة، ثم توظيف نتائجها في تقييم السياسات وتحديد أولويات التدخل، ولا يعني ذلك أن الحلول ستكون واحدة في جميع الحالات، بل إن فاعليتها تعتمد على مدى توافقها مع طبيعة المشكلة والظروف المحلية.
وكلما أصبح فهم الروابط بين الإنتاج والأسواق والاستهلاك أكثر دقة، ازدادت القدرة على توجيه الموارد المحدودة نحو التدخلات المناسبة. ومن هنا، فإن تطوير المعرفة التطبيقية بالاقتصاد الزراعي السوداني ليس غاية بحثية منفصلة عن الواقع، بل خطوة ضرورية لتحسين القرارات الاقتصادية وتعزيز قدرة المنتجين والأسر على مواجهة الصدمات.
المراجع:
Giannakas, K. (2019). Accounting for Agent Heterogeneity in Market and Policy Analysis. Zea Books, University of Nebraska–Lincoln.
Piot-Lepetit, I., & M’Barek, R. (Eds.). (2011). Methods to Analyse Agricultural Commodity Price Volatility. Springer.
